في «مستودع الطفولة» (1989) التي نقلها نجيب مبارك إلى العربية أخيراً، يحكي الروائي الفرنسي الحائز «نوبل للآداب» (2014) قصة كاتب يرتحل عن مدينته باريس من دون أسف، لأسباب رجراجة يذكرها عبر تلميح غامض.

عناية جابر
في تداخل الذكريات واختلاطها في رأس الكاتب، يُسطّر لنا الروائي الفرنسي باتريك موديانو («جائزة نوبل للآداب» ــ 2014) روايته «مستودع الطفولة» (1989) التي صدرت ترجمتها العربية («منشورات ضفاف»، «ذات السلاسل»، «منشورات الاختلاف») أخيراً بتوقيع نجيب مبارك الذي قارب روح السرد الهاذي، وهيأ لأجله المفردات القريبة من روحه.
موديانو المعروف بولعه بكتابة التفاصيل، من دون مراعاة ترتيبها الزمني، حرص في «مستودع الطفولة» على تضمين هذه التفاصيل روايته كلها، فأتت كأنها مجموعة تفاصيل، على القارئ وحدهُ، ردّها الى أصل السرد لتستقيم القراءة، وبالتالي الرواية. في مقاربتنا هنا، نرى موديانو فارداً الأولوية للمحسوس على حساب المفهوم، كما أننا كقرّاء لا نرى في مشاهد روايته إلا انعكاساً لما يريده لنا الروائي أن نراه، في محاولته ــ عبر أسلوبه هذا ـــ الى إدراك جوهر حياته، والغاية منها والسبب.

في سرده المبعثر، يتضح جلياً الجدل القائم حول موت الرواية

يكتب موديانو هنا، رحلة اغترابه عن باريس طوعاً، مسكوناً بقلق من يرتحلون عن أوطانهم الى جغرافيا جديدة. القلق الذي له ألف من الأسباب، قابلة للاختزال في واحدة: معاناة الكتابة، وبالتالي معاناة العلاقة بينها وبين صاحبها، مع الالتفات الى المسؤولية المترتبة تجاه الأحداث وشخوص الرواية، أي تجاه التأويل عنها، وما يشترطهُ ذلك من إبهام، نجد أن موديانو يبرع في التصّدي له، ويُيسّر لنا كقرّاء مشاركتهُ متاهتهُ. يلفتنا وعي الكاتب بالأشياء، وبالشوارع، ومنعطفاتها، والحياة خارج دائرة الجموع وفي قلبها، بالقطارات ووسائل النقل، بأسماء المتاجر والمقاهي والتفاصيل التي ليست سوى رؤى جزئية تتفوّق عنده على الحقائق الكبيرة. نجحت «مستودع الطفولة» كرواية في تمّلك حضور غير مرئي، أو على الأقل هامشي، لأنها تقوم على المفردة الشاعرية وعلى روحانية الكلمة. يحكي موديانو قصة كاتب يرتحل عن مدينته باريس من دون أسف، لأسباب رجراجة في حقيقتها يتحفظ الكاتب عن ذكرها سوى عبر تلميح غامض. ينكب على كتابة مسلسل إذاعي لصالح راديو "مونديال" في اسبانيا تحت عنوان: «مغامرات لويس السابع عشر» يذيعهُ كارلوس سيرفون باللغة الإسبانية كل مساء لمستمعين مفترضين.
في سرد موديانو المبعثر، يتضح جلياً الجدل القائم حول موت الرواية، وبشكل خاص من السرياليين والعبثيين، وتقريباً من كل أصحاب الموجة الجديدة في كتابة الرواية، الذين يرون فيها فناً لا يحمل أيّ تشابه مع ما كُتب من قبل، فهي تقوم بحسبهم على النسبية والالتباس وعلى كل ما هو إنساني، وتتعارض تماماً مع المفاهيم القديمة التي قامت عليها الرواية الكلاسيكية.
التعارض عند موديانو أتى في أغلب رواياته السابقة، وهذا ما فعله أكثر في هذه الرواية. التعارض هذا يتعلق بالإعلاء من شأن حياة الكائنات البشرية المهمشة، وتتقدّم نحو القارئ بمنطقها الخاص، وكيميائيتها الخاصة، وهي بالمناسبة ليست سهلة على الإطلاق.
في العلاقة بين بطل الرواية والصبية الفرنسية ماري، المرتحلة من فرنسا إلى إسبانيا «من أجل الشمس» على ما قالت له، يظهر ذلك الخيط الواهي الذي يبني عليه الكاتب أغلب فكرته وروايته، ليخلص إلى أن سبب اهتمام بطل الرواية بالفتاة، يعود إلى أنه قد خُيّل إليه أنه سبق له رؤية وجهها في مكان ما في باريس لا يتذكرّهُ. وعلى الرغم من كون بطل الرواية في سن والد الفتاة، فقد بدأت مطاردة لاهثة لها من قبله، من دون غاية مُعيّنة، سوى إبهار القارئ بهذا التفصيل البسيط الذي شكّل في النهاية متناً لرواية كاملة.
من يقرأ موديانو في «مستودع الطفولة» تساوره الظنون أن الرواية بمفهومها المعروف قد اختفت، وأن القارئ ومن ثم العالم، قد أصبح غريباً عنها، وأن لا شيء سيبقى سوى ثرثرة الكلمات والكتابة المجنونة التي لا تنتهي، وأن مفهوم الرواية القديم لا يمكن أن يتعايش بسلام مع روح عصرنا. غير أن موديانو يعرف تماماً المضي في روايته نحو اكتشاف ما هو غير مكتشف، ويسير واثقاً في تطور روايته، ممسوساً بطموح أن يكون على توافق وانسجام مع كل ما هو هامشي ومنسي، مبتدعاً أشكالاً شجاعة وصعبة، ومثيرة وساخرة في حياتنا، التي لا نلتفت الى تفاصيلها في العادة، وهي تؤلف بمجملها حياتنا نفسها.