تعطي الصفحات الأولى من «الرعب يحوم على فرنسا، نشأة الجهاد الفرنسي» (غاليمار) انطباعاً بأن الكتاب قد أُنجز تعليقاً على الأحداث الإرهابية في باريس. لكن هذا الانطباع الاستباقي سيتبدد بعد أن نكتشف أن تنقيباً طويلاً قد أنجزه الباحث الفرنسي في مراحل تطوّر العملية "الجهادية" في الداخل الفرنسي والمنابع الأصلية التي خرجت منها والظروف الداخلية والخارجية التي أسهمت في تضخمها

جمال جبران
تأتي أخبار التفجيرات على نحو متتابع من العاصمتين الفرنسية والبلجيكية منذ أحداث الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي التي أودت بحياة نحو 130 فرنسياً. يلهث الإعلام اليومي خلفها محاولاً اللحاق بها، من انفجار جديد أو عملية انتحارية تُضاف إلى سابقتها وصولاً إلى عملية القبض على المدبر الرئيسي المشتبه صلاح عبد السلام وأحداث بروكسل أخيراً.
قبل ذلك، كان الباحث جيل كيبل ينهي العمل على كتابه «الرعب يحوم على فرنسا، نشأة الجهاد الفرنسي» (غاليمار ـــ 2015) الذي حملت صفحاته الأولى بيان «تنظيم الدولة الإسلامية» حول «غزوة باريس على فرنسا الصليبية». لقد أعطى هذا التقديم شعوراً لدى القارئ في أول الأمر بأن الكتاب قد أُنجز تعليقاً على الأحداث ومتابعة لها. لكن هذا الانطباع الاستباقي سيتبدد مباشرة مع الدخول في صفحات الكتاب، لنكتشف أن شغلاً طويلاً قد أنجزه الكاتب الفرنسي (بالاشتراك مع الباحث انطوان جاردان في فصلين من الكتاب) بحثاً وتنقيباً في مراحل تطوّر العملية الجهادية في الداخل الفرنسي والمنابع الأصلية التي خرجت منها ليصبح ذلك الجهاد على هيأته الحالية، مع انضمام نحو ألف مواطن فرنسي في السنوات الأخيرة إلى الجماعات الأصولية، إذ شارك بعضهم في القتال على الأرض السوريّة. في النهاية، سنكتشف أن صاحب الكتاب كان على وشك إصداره، قبل أن تأتي الأحداث وتفرض تقديمها الحاضر على صفحاته الأولى.
كيبل الذي عمل استاذاً زائراً في «جامعة كولومبيا»، اشتهر بشغله البحثي الاستطلاعي الذي يعتمد على التواصل الفعلي مع الحدث ميدانياً، وهو الباحث في تاريخ الحالة الاسلامية وتحولاتها في المنطقة العربية وصولاً إلى حالة الضواحي الباريسية التي صارت في صلب شغله البحثي اليوم. بل إنه ذهب أبعد من ذلك وزار اليمن وتونس والدوحة ولمّا يكن «الربيع» قد أكمل عامه الثاني بعد. ثم ذهب إلى القاهرة لا لينشر دعوة خاصة ويدعم جهات معينة على غرار ما فعله برنار هنري ليفي، بل ليعاين على نحو شخصي حقيقة ما يجري ويحلل الظاهرة الاسلامية التي لحقت بذلك الربيع وتزعمته لاحقاً. وقد ظهرت ملاحظات كيبل عن تلك الرحلة في كتاب «ألم عربي، يوميات: 2011-2013»، ومن هناك كان استنتاجه الاستباقي أن «الإخوان» لم يكونوا سوى «جسر مرور مؤقت من أجل إتمام عملية التجديد لنفس النظام الاستبدادي لكن بوجوه جديدة» وهو ما حصل فعلاً.

يعارض الأركان التي لم تكترث بدراسة حالة الضواحي وظرفها الاقتصادي

لا يبدو كيبل غريباً في هذا السياق البحثي عن اشتغاله في حقل الجماعات الأصولية، إذ ظهر عبر إصداره «يوم الله ـــ الحركات الأصولية المعاصرة في الأديان الثلاثة» الذي ناقش في جزء منه حركات العودة إلى الاسلام أو حركات إعادة تأكيد الهوية الدينية بداية من 1990 حين تبيّن أن تلك الحركات تمتلك طاقة من التنامي مستغلة حالات الفشل السياسي والاقتصادي للنخب الحاكمة. لعل هذا ما أظهر تلك الحركات الدينية على هيئة أشكال احتجاجية على وضع الإنسان في العالم و«تقديم نفسها كبديل من اليوتيوبيات الايديولوجية العلمانية الكبرى: القومية، الليبرالية والشيوعية».
على هذا، سنرى صاحب «النبي والفرعون» (1984) ساعياً في إصداره الجديد إلى مواصلة سيره في سبيل إنشاء قاعدة لفهم الحالة التي تخص بلاده اليوم عن طريق تحليل مراحل تصاعد ذلك الجهاد الفرنسي انطلاقاً من المرحلة الافغانية التي كانت عبارة عن البذرة التأسيسية لجيل الجهاد الأول في بداية السنوات الأخيرة من عقد الثمانينيات من القرن الماضي، واتضحت معالمها في عملية اغتيال السادات عام 1981. مرحلة بن لادن ستكون المرحلة الثانية. على الرغم من شهرتها بتسمية «غزوة سبتمبر»، إلا أنها انشغلت بنشر رسالتها مستهدفة أبناء المسلمين في البلاد الاسلامية، فلم تنل نصيبها في التوسع. كان ذلك على عكس المرحلة الثالثة بقيادة أبو مصعب السوري الذي حرص على استهداف المنطقة الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص ومن داخلها وعبر أبناء الجاليات المسلمة والمولودين في تلك البلاد من جهة، وعبر استقطاب أبناء الفرنسيين عن طريق إثارة فكرة الظلم الذي تمارسه أنظمتهم على الشعوب الفقيرة من ناحية أخرى. كما جرى الاستقطاب عن طريق الاشتغال على الظلم المُمارس ضد هؤلاء الشباب أنفسهم ممن توصلوا إلى فكرة انعدام أي فرصة في العمل مع ارتفاع نسبة البطالة وعجز الحكومات عن إيجاد حلول لتلك المشاكل. ويرى كيبل أنه وسط هذه الظروف، ظهر المجال مفتوحاً لطرق بوابة العنف كوسيلة لاستعادة حق مُستلب مع بقاء الأمل في عيش «حياة سماوية» موعودة وبديلة عن الحياة القاسية القائمة.
هكذا ظهر «الجهاد» والقتل الجماعي في الأماكن العامة وإزهاق أكبر عدد ممكن من أرواح الناس كطريقة مثلى لتحقيق تلك الغاية. ويشير كيبل هنا إلى أن تلك العمليات تتركز في أوساط المواطنين العاديين «باعتبارهم أهدافاً يمكن الوصول إليها بسهولة» ولم يحدث أن تمّت «عملية جهادية» مستهدفة شخصية سياسية كبيرة، إضافة إلى أن «أي مواطن يؤدي الضرائب للدولة الفرنسية يعتبر مسؤولاً عن سياسات حكومته وبالتالي هدفاً شرعياً لـ «تنظيم الدولة»».
وعند حديثه عن الضواحي الباريسية وآليات تحولها إلى بيئة حاضنة لـ «الجهاد الفرنسي»، يذهب كيبل إلى دراسة الأزمة الاقتصادية من جهة، وإلى حقيقة أعباء التاريخ الفرنسي وبحث أبناء تلك الضواحي عن إجابات بشأنه. يبدو كيبل صريحاً هنا في قوله عن الجرائم التي تُرتكب عمداً عبر محاولات «إسكات الماضي الاستعماري الفرنسي» بهدف الهروب من تحمّل تبعات ما جرى في ذلك الزمن ولم يتم الاعتراف به حتى اليوم. أمر يراه صاحب الكتاب غاية في الأهمية من أجل إحداث حالة من التصالح مع أبناء الضواحي، وعليه، يمكن البناء على ذلك التصالح في مراحل تالية.
كما يعارض في هذا السياق جميع الأركان السياسية، حكماً ومعارضة، التي اعتمدت فكرة «محاربة الإرهاب أولاً» كخط وحيد للمواجهة من دون الاكتراث بدراسة الأسباب الداخلية، وعلى وجه الخصوص حالة الضواحي والظرف الاقتصادي المحيط بها، ما يجعلها بيئة مناسبة وحاضنة لذلك الإرهاب. لا يبدو كيبل هنا مكترثاً بما قاله رئيس الحكومة رداً على طلب دراسة حالة الضواحي متهماً أصحابها بأنهم «يسعون لجلب التعاطف مع الإرهاب».
قد يبدو كيبل هنا متفقاً مع طرح رئيس الحكومة الاسبق دومينك دوفيلبان الذي رأى عبثية «الحرب المفتوحة» التي أعلنها فرنسوا هولاند على الإرهاب بعد أحداث نوفمبر حيث يبدو إعلاناً يفتقر للمنطق، إذ أن «الحرب تتطلب طرفين لتصبح حرباً»، في حين يندد صاحب الكتاب بذلك الإعلان مُستغرباً «كيف تستنفر الجيش لخوض حرب على الجغرافيا الفرنسية وأنت لا تعرف تحديداً شكل القوى الأخرى التي ترغب في هزيمتها؟». وفي واحدة من الأفكار الختامية لكتابه، يرى كيبل أن «تنظيم الدولة» يسعى إلى إشعال حرب أهلية في فرنسا. الاعتدءات العشوائية ستؤدي إلى ردود فعل انتقامية ضد أي مسلم وضد المساجد والمحجبات، وسيتسبب كل هذا في خلق حالة دائمة من التوتر تجعل من البلاد في حالة حرب حقيقية ومُعاكسة تماماً لتلك المُعلنة اليوم من قِبل الدولة.