يمسك حسن داوود (1950) بيدنا، ويمشي بنا عبر رواياته الكثيرة. يأخذنا تارة في الطبقة الخامسة من «بناية ماتيلد» (1983) البيروتية التي وضعته على خريطة روائيي المكان والذاكرة، إلى «الأفران الوطنية» (في روايته «سنة الأوتوماتيك» ـ 1996) التي واكبت التقلبات الديموغرافية والسوسيولوجية في بيروت الستينيات... وطوراً إلى تلك الطريق الموحشة بفعل الحرب القاسية في «مائة وثمانون غروباً» (2009)، حيث «يمكن أن تضع مائدة في وسطها وتوزع حولها المدعوين» في مشهد سوريالي عجيب، وكذلك إلى الطريق الداخلي لأبطاله حين يبرع في هندسة فضائهم النفسي ببراعة صائغ المجوهرات وفطنته.


بالبراعة نفسها، يصنع داوود الباخرة التي تدور فوقها أحداث روايته الجديدة «في أثر غيمة» (الساقي ـ 2017). غصة سكنت صوت حسن داوود حين ذُكر جوزيف سماحة، من خارج الحوار. استذكر صديقه و«بيت الجنوب» الذي ربط الروائي إعادة ترميمه بشرط موافقة جوزيف على قضاء عطلة نهاية الأسبوع فيه.
رحل جوزيف مبكراً وتبرع حسن بمكتبة البيت لنادي الشقيف في النبطية وللزمن بالكثير من الذكريات حول المنادمة والأصدقاء. صاحب «غناء البطريق» و«مكياج خفيف لهذه الليلة» و«لا طريق إلى الجنة» خصّ ملحق «كلمات» بمقابلة شاملة حول الرواية والشعر والثقافة والأدب.


■ روايتك الأولى «بناية ماتيلد» تستحضر سَكَناً ما زال يسكنك، في طبقة خامسة معلقة بالفضاء. روايتك الأخيرة «في أثر غيمة» تحصل في باخرة أشبه ببناية عائمة، وصفها الشاعر عباس بيضون بأنها هندسة للفضاء. ماذا تغير في هندسة حسن داوود الروائية بين العملين الأول والأخير؟
- كأنني ما زلت ساكناً هناك، في الطبقة الخامسة من بناية ماتيلد. هي أُزيلت طبعاً وارتفع بدلاً منها مبنى آخر في علوٍّ يزيد على إحدى عشرة طبقة. أنا ما زلت هناك، أعوّض عن زوالها أحياناً برؤيتها في المنام، واسعة فسيحة وأمامها حديقة كما لو كانت في طبقة أرضية. حين كتبتُ «بناية ماتيلد»، لم أكن مقرراً أن تذهب الرواية في اتجاه معين. بعدما كتبتها، أعلمني من تناولها بالنقد والكتابة أني كاتب مكان، وكان هذا نادراً في الكتابة العربية حتى زمن صدور الرواية. ما أحسب أنني فعلته في هذه الرواية، هو تذكّر الماضي. ذاك الموضوع الذي شهد تحولاً في سنوات الثمانينيات تلك. بالأمس، كنت أتذكر الروايات البادئة بالاتجاه نحو التذكر، فبدا لي بين تلك الروايات الأولى تلك، ما كتبه عبد الحكيم قاسم في كتابه الصغير «الأخت لأب»، وما كتبه إدوار الخراط عن طفولته في الإسكندرية. في ما يتعلق بملاحظة عباس حول الباخرة، هذه الباخرة بنَيْتُها كاملة من غُرفها، إلى مقدمتها، فالكافيتيريا. كأن قبل ذهابي في تلك الرحلة، لم أكن قد نزلت في باخرة من أي نوع. «بناية ماتيلد» هي وصف لكيان معماري قائم قد عشتُ فيه. أما الباخرة، فهي من صنع التخيل والتأليف وحدهما.

■ البطل في «غناء البطريق» شخص معوق جسدياً ومعقّد نفسياً. فاديا نصّار في «مكياج خفيف لهذه الليلة» شوّهتها إصابة في الحرب، لماذا هذا التركيز على شخصيات أصابها التشوه في البنيان الجسدي والذهني؟
- أضيف إلى ذلك، القزم في «في أثر غيمة»، والشيخ في «أيام زائدة»، ذاك الذي شوهه العمر وأنهك جسدَه. أجدني مُقبلاً على الكتابة عن شخصيات مماثلة. إذ إن مجال عمل الخيال واسع حين نقترب ممن هم ليسوا مثلنا. لا يمكن نسيان أولئك الذين يعانون من نقص ما، مثل بطل «غناء البطريق» الذي ربما شاهدته مرتين أو ثلاثاً في بيته وأنا طفل، وما زال شكله متعلقاً بي. كلنا نقف عند هؤلاء الأشخاص، نبقيهم في ذاكرتنا ونترك لخيالنا أن يضع حركةً لهم وتنقّلاً وعيشاً.


حتى الآن، أسائل نفسي إن كنت أنا الذي لا يفهم الشعر أم أن ما أقرأه لا يُفهم


■ هل يمكننا في الرواية رسم خط بين الواقع والخيال؟ هل محمد راجحة، ورضوان ومحمد حرفوش، وفاديا نصار ووداد موجودون فعلاً؟ وإن وجِدوا فهل تبني لهم بواسطة السرد حياة رديفة أغنى من سيرتهم الأولى؟
- هذه المنطقة بين الواقع والخيال أجدها خالية من أي عوائق في الكتابة، ولن يعرف أحدنا مقدار هذه أو ذاك في ما يكتب. ثم إن وضع أي عمل كتابي تحت واحد من هذين الأقنومين، أجده متعسّفاً. ربما كانت الكتابة هي تخيل الواقع أو تخيل الماضي الذي هو أكثر قابلية للتحول. الشخصيات التي ذكرتها مراوحة بين واقع حقيقي وواقع مفترض وخيال خالص. رضوان مثلاً في «في إثر غيمة»، شخصية مصنوعة بالكامل من ملامح رجال كثيرين. فاديا نصار شخصية حقيقية أصابتها الحرب، لكنها من الداخل مصنوعة تماماً. أُخبِرتُ حكايةً واحدة عنها وعما جرى لها في ليلة أعقبت شفاءها، فأغرتني هذه الحادثة على أن أؤلف حياة داخلية كاملة لها. إنهم بما هم يتألفون صفحة بعد صفحة ويغدون أشخاصاً حقيقيين كاملي الهيئة ومتناسبي السلوك.
■ كيف تبني روايتك؟ أنت مولع بالتفصيل الدقيق والفوارق الضئيلة والملاحظات النادرة. هل لروايتك مخطط كبير مسبق، ومن بعدها تتشكل التفاصيل أثناء الكتابة؟
- لا أخطط مسبقاً، حتى أنني لا أعرف ماذا سأكتب في السطر التالي. الرواية تحضر أوّلاً بفكرة واحدة أو بمشهدين، لكنها مشاهد وأفكار خصبة قابلة لأن تتسع وتتعمق، فأبدأ الرواية من هذه النواة الصغيرة وأجدني دائماً ضائعاً في ما سأكتب لاحقاً. بهذا المعنى، الكتابة معذِّبة لأنها في لحظة ما تتوقف، هكذا مثلما تتعطل الماكينة، وعليك أن تبقى لأسابيع أو أشهر للخروج من هذا المأزق. لا أخطط ولا أكتب كتابة أولى أُتبعها بثانية وثالثة، حتى إني أرسل المسوّدة الى المطبعة كما هي.

■ «سنة الأوتوماتيك» عمل تأريخي من طريق سيرة فُرن في شارع بلس. لماذا فضّلت هذه الطريقة في تناول التاريخ بدل تناول التاريخ في صراعاته الإثنية والعرقية والسياسية؟
- الفرن في «سنة الأوتوماتيك» هو فرع ثانٍ لـ «بناية ماتيلد». كانت طفولتي موزّعة بين المكانين. بينما كان بيتنا في بناية ماتيلد هو كَنَف الطفولة العائلي، كان الفرن واسمه «الأفران الوطنية» باب الاندهاش في بيروت الصاعدة يومها نحو قمة زمنها الجميل في الستينيات. ما دفعني إلى هذا الكتاب هو الحنين أولاً، وهو ما زال قائماً كلما مررت بـ «شارع بلس» متنزّهاً. ثم التفاوت العميق بين داخل الفرن وخارجه. في الداخل حيث يُصنع الخبز، كان الحال مطابقاً لما كان يمكن أن يكون عليه في القرن الثامن عشر مثلاً. في الخارج، كانت بيروت المستقبل الباهرة. الجلوس لمراقبة الشارع من واجهة الفرن، كان يُظهر أميركيين وإنكليزاً وهنوداً وبنات هنَّ أجمل من أنتجت البلدان العربية. الفرق هائل بين داخل الفرن وخارجه، وأنا هناك في الوَسَط.

■ في «مائة وثمانون غروباً»، تركز كثيراً على ثيمة الطريق، هل لأنها تمكنك من قتل الأمكنة، والانتقال بين مكانين وزمانين في الرواية؟
- المنطقة التي صوّرت فيها أحداث الرواية، عشتُ فيها أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. الطريق كانت شبه دولية توصل بيروت بالجنوب بكل ما بينهما من مناطق. هذه الطريق أتيح لي أن أشاهدها خالية تماماً من السيارات والبشر، حتى أنك تستطيع أن تضع مائدة في وسطها وتوزّع حولها المدعوين. كان هذا غير قابل للتصور، وأذكر شيئاً مماثلاً في نيويورك. خرجت من محطة القطار وألقيت نظرت على المبنى المقابل. لم أشعر بالدوار، بل بأنّ هناك خطأً مدوِّخاً في الرؤية، إذ كان المبنى قبالتي يرتفع خمسين طبقةً أو ستين. كأن النظر لم يُصنع لمشهد كهذا. ما وقفت عنده في الرواية، هو أولئك الذين يسكنون البيوت القليلة حول الطريق بعدما تحول المكان العام ذلك والمزدحم إلى قرية صغيرة بسبب إغلاق الطريق. الذين هنا والذين هناك اختلطوا لا ليتكاتفوا، بل ليبحثوا بضراوة عمّا هو سيئ في كل منهم.

■ تقول عن كتابتك إنها «كتابة صبر وجَلَد». نحن اليوم في زمن الوفرة الروائية، والجوائز والمحترفات التي تعلّم كتابة الرواية. هل يمكن الرواية أن تُعلّم؟ وهل الوفرة دليل العافية؟
- فيض روايات يصدر اليوم في كل العالم العربي. في مطلع نشأتنا، كان يمكن واحدَنا أن يعدّد الروائيين، بانياً معجماً تعريفياً لهم. نقول مثلاً نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعي في مصر، حنا مينه في سوريا، وفي المغرب العربي كاتب ياسين والطاهر وطار. هذه الخريطة لم يعد بالإمكان الآن إعادة صياغتها. بالنسبة إلى تعلّم الرواية، أحسب أن هذا تعليم صعب، لأنّ مخيلات البشر عنيدة ولا ترضى بالتبديل. لم أكن معلِّماً إلا قليلاً، واكتشفت أنّ ما هو موجود في وعي المتدرب سيكتبه ولن يفيد كثيراً أن «تطعج» هذا الحديد وتذهب به إلى تشكيل آخر. لكن من الضروري أن نعرف أن القراءة هي التي تصنع الكتابة. كنت أقول دائماً لمن أعمل معهم إن حبّ الكتابة وحده لا يكفي لإنجازها، بل تجب القراءة أيضاً. وأيضاً يجب أن يكون الراغب في الكتابة مقيماً في وسط أدبي وثقافي، وهذا بخلاف الظن الذي شاع طويلاً بأن الكاتب هو كائن معزول بالضرورة وأن الأدب يأتي من الخلوة بالنفس.

الحروب مولدة للتفكير والتأمل والأسى واستنهاض الذكريات، إذ إنها تقيم بين ماضي الشخص وحاضره فصلاً يكاد يكون تاماً

■ ماذا عن الجوائز؟
- بقيت لسنوات رافضاً الاشتراك أو التقدم لأيٍّ منها. أعرف أنها يمكن أن تصنع وفرة، لكن ليس بالضرورة الغنى والعمق الأدبيَّين. دليلي على ذلك ما نشهده اليوم من روايات فائزة، لكن لم تظهر رواية مؤسِّسة من ذلك. الجوائز تضع الأدب في ما يمكن اعتباره سوقاً أدبية، وهي تترك للجان التحكيم أن تعيِّن الوجهة. في السابق، كان يمكننا كقرّاء أن نفعل ذلك بمفردنا وكنا نصيب غالباً.

■ ما هي الكتب التي شكلت بداية وعيك الأدبي والروائي؟
- الشعر العربي القديم، المتنبي وابن الرومي خصوصاً. رواية «أيام زائدة» مصنوعة من هذا الشعر، لغة ورؤية. في فترة لاحقة، أحببت الرواية. نجيب محفوظ كان الأول، وقد قرأت له في فترة مبكرة ما لا يقل عن ثلاثين كتاباً. حين انهيت قراءة الثلاثية بصفحاتها التي تزيد على ألفٍ ومئتين، حزنت لأنّ هذا العالَم الذي عشت فيه أقفَل بابه وانتهى. قراءة روايات العالم أتت لاحقاً.

■ يقول إسماعيل كاداريه إن في الشعر تكمن ضبابية معينة يمكن الاختباء خلفها، بحيث يتعذر أحياناً التمييز بين «مدعي النبوة» والشعراء الخلاقين، بينما تسقط الأقنعة بعد صفحة ونصف من كتابة الرواية. ما رأيك؟ وكيف صرت روائياً؟
- هذا صحيح، من الصفحة الأولى تعرف إن كان عليك أن تكمل أو أن تضع الرواية جانباً. الشعر الحديث على وجه خاص، مراوغٌ ومحتمل أن يتشابه زيفه كثيراً مع ما هو أصلي منه. حتى الآن، أسائل نفسي إن كنت أنا الذي لا يفهم الشعر أم أن ما أقرأه لا يُفهم، مستذكراً قصة أبي تمام الشهيرة. الشعر محير وقد أوغل في انفصاله عمن يمكن أن يكونوا قرّاءه. باتت الأمسية الشعرية تستدعي أشخاصاً قليلين لسماعها. لا أعرف إن كان العباسيون مثلاً قد عانوا الأمر نفسه مع قصيدة من شعر المتنبي. كتبت قصيدة أو اثنتين، وسريعاً ما جرى إقناعي بأنني لا أصلح لذلك، وكان ذلك محبطاً في عمْر المراهقة. في الحقيقة، لا أعرف كيف يمكن أن يجمع شخصٌ الفنَّيْن معاً. في الساعة الحادية عشرة من ليلة قلق عام ١٩٨٢، كان أصدقائي قد أنجزوا قصائد وكتابات. أما أنا فكنت مكتفياً بالقراءة. في تلك الليلة وفي تلك الساعة، اقتنعت بأني غير مؤهل لكتابة الشعر، فقمت من السرير وكتبت «بناية ماتيلد».

■ قلما يحضر البحر في رواياتك أو في أعمال الكثير من الروائيين من حوض المتوسط. هل البحر مادة لرواية متوسطة الجودة كما يذهب بعض النقّاد؟
- أذكرُ مثلاً قصّاصي الخمسينيات أو الستينيات، ورواد الفن التشكيلي اللبناني، كان البحر غائباً. كان هؤلاء يكتبون في ذمّ المدينة. والتشكيليون يحملون أدواتهم إلى الجبال ليصوّروا البيوت وغابات الصنوبر. البحر غير موجود في أدبنا، وأيضاً كما أحسب في ثقافتنا. ربما لأننا لسنا «بحريين»، والكلام عن فينيقيتنا بيننا وبينه ألفا عام أو يزيد. أرى أن خيار هرمان ملفيل في «موبي ديك» لا يمكنني بلوغه. إذ إنني في ما يتعلق بالبحر، لم أتعدَّ أمتاراً من الشاطئ قليلة. أذكرُ مرة أنني ذهبت إلى قطر وأُخِذتُ لأشاهد متحف صيد اللؤلؤ. تراءى لي أن الناس هناك يغوصون في البحر ثم بقفزة واحدة يصلون إلى الصحراء من دون أن يعبروا الشاطئ أو يسكنوا فيه.

■ هل تشبه الكتابة المرض، بمعنى أن عوارضها تظهر قبل الحرف الأول بكثير؟
- أحياناً أقول إن الكتابة مرهقة ويفضِّل مزاولُها أن يرتاح. لكن الذبابة التي تطنّ في رأسه على الدوام، تظل تسأله ماذا تفعل، لماذا الآن لا تكتب؟

■ كيف نميز اليوم الأدب الجيد من الرديء؟
- إنه أمر متعلق بالكتابة والثقافة. أُشبّه ذلك بفاحص المجوهرات والأحجار الكريمة الذي يحتاج إلى التمرس كي يعرف كيف يميز. لا تستطيع أن تقول لمن يتعلق بالأدب الرديء، وهو كثير، أن ما تقرأَه أكثره زيف. من المعروف أنّ أدباً خالداً جرى إنكاره وإحباط كتّابه سنوات طويلة قبل أن يُعرَف.

■ هل فكرت في تحويل أي من أعمالك إلى السينما؟
- مرة واحدة. سألني مارون بغدادي عن «بناية ماتيلد». لم يطُل اهتمامه بذلك كثيراً. سُئِل مرة في حوار مع «النهار»، فقال: «بناها مكتمل ولا مجال لي للتدخل فيه».

■ هل رواية الشرق الأوسط مثقلة بالدم ووِزر التاريخ فوق هذه البقعة من الأرض؟
- أحياناً أقول إن ما نسميه «الدفق الروائي» عائد إلى اضطراب عالمنا وحروبه، حتى إن الأعمال التي نأت عن الحرب قليلة. الحروب مولدة للتفكير والتأمل والأسى واستنهاض الذكريات، إذ إنها تقيم بين ماضي الشخص وحاضره فصلاً يكاد يكون تاماً. في ما خصني، كنت ضائعاً بين أن يكون ما أكتبه متصلاً بالحرب أو هارباً منها، وهل يمكن أن يكون مسّ الحرب غائباً في ما كتَبْت. إذ هي في ما نعلم جميعاً ليست المعارك والمواجهات والسلاح، بل هي الوحدة والمواجهات واليأس.

■ لمن تقرأ من الروائيين الشبان؟
محمد بنميلود في «الحي الخطير»، هلال شومان في روايتيه، أحمد محسن في «صانع الألعاب»، مازن معروف في «الجرذان التي لحست أذني بطل الكاراتيه» وفؤاد العروي من جيل أسبق. منذ سنوات وأنا أكتب مقالاً أسبوعياً عن رواية ما، هذا يجعلني قريباً من الاتجاهات الجديدة، فضلاً عن أنني أخشى من أن أظلّ أسيراً لمعرفتي بمن عاصرتهم ومن كانوا معلميّ، وهو خطر قائم. عند وفاة القاصّ المصري الكبير يحيى الطاهر عبدالله، سُئل كتّابٌ من الجيل السابق عنه ليُدلوا بشهادتهم، فأجاب أكثرهم بأنهم لا يعرفونه.

■ هل تخشى أن ينضب معينك من الكتابة يوماً؟
- الأعمال الكبيرة تُكتب في أعمار ما قبل الكهولة. اتذكر طُرفةً تتعلق بالأخطل الصغير، حين كُرِّم في الأونيسكو، فقال: «ما للقوافي إذا جاذبتها نَفَرَتْ/ رَعَتْ شبابي وخانتني على كبري» ولعلّ هذه الأبيات هي أجمل ما كتبه في حياته.

■ لو احترقت مكتبة العالم، وكان عليك أن تختار كتباً ثلاثة، ماذا تختار؟
- الاختيار لن يخلوَ من عشوائية. الكتب التي نميل إلى تسميتها بسرعة كالكتب المقدسة، لن أختار أياً منها على الأرجح. هناك كتب أحسبني منحازاً إليها، مثل ديوان المتنبي، و«الصخب والعنف» لفولكنر، و«ألف ليلة وليلة».