مَيفيس غالانت*

ترجمة: جولان حاجي

زوجتي الثانية، جولييت، تُوفّيت في الشقة في شارع لِيْل، حيث عاشت منذ نهاية الحرب – وحدها في البداية، إذا صحَّ القول، ومن ثم معي. كانت كلُّ الغرف مشرِفةً على فِناء عميق تسلّق جدرانه اللبلاب، فكانت لذلك السبب معتمة. لطالما تحدثنا حول البحث عن شقة أضوأ، في طابقٍ أخير مع إطلالة جنوبية وترّاس عريض، غير أن الباريسيين قلما ينتقلون ما لم يُدْفعوا إلى ذلك دفعاً. كنا نقول أحدنا للآخر، «إننا نعرف مساوئ ما لدينا، وذلك أحسن من مفاجأة منغّصة».
كانت جولييت تضيف: «وماذا عن كتبك؟ ستستغرقك شهوراً لكي ترزمها، ولن تتمكّن أبداً من فرزها في المكان الجديد»، فأرى نفسي كما رأتني جولييت، منكبّاً على ركامٍ من الكتب التي تميلُ صفوف أعمدتها وتهتزّ مكدَّسةً على أرض بيت غريب، شاتماً ولاعناً أثناء محاولات تنقيبي عن قاموسٍ ما. وكانت تقول أيضاً: «لا فرق، وأنا لا أنوي أن أموت هنا».
ذات مرة، عرفتُ شخصاً كان يحسب الغرق هيّناً، بل حتى ممتعاً، إلى أن أوشك على الغرق بالصدفة. كان والد جولييت كولونيلاً يترقّب الموت في معركة أو رمياً بالرصاص على يد كتيبة إعدام ألمانية، غير أنه مات بالتيفوس في معسكر اعتقال. وكنتُ في إحدى المرات، منذ وقت بعيد، قد تخيلتُ لنفسي دفناً سرياً مصحوباً بكامل مراسم الشرف في جنازة عسكرية، بعد عملٍ بطولي في المقاومة، ولكن كلّ ما خرجتُ به من الحرب كان بضعة كسور وأنف مهشَّم في حادثة دراجة نارية.
أمضتْ جولييت في شارع لِيْل سبعاً وثلاثين سنة كلُّ صباحاتها معتمة كصباحٍ شتويّ أطفئت أنواره. بضعة أيام كانت تفصلها عن عيد ميلادها الستين عندما وجدتُها ممدَّدة على أرضية غرفة نومنا، وقد ارتختْ يدها عن مصباحٍ كاشف. كانت تحاول أن ترى ما تحت خزانةِ الأدراج، فتوقّفَ قلبها. (فيما بعد، أزحتُ الخزانة وأبعدتُها عن الحائط فاكتشفتُ قطعةً نقدية من فئة خمسة فرنكات). كان شعرها الغامق الذي خطّه الشيب، وقد رقَّ وتفرّقَ بتقدُّم العمر، مربوطاً من الخلف بشريط ساتان رفيع. بدتْ أشبه بالبنات اليافعات أكثر من أي وقت مضى منذ التقيتها للمرة الأولى (كانت شابة عندما وقعتْ معي في الحبّ). كانت ترتدي تنّورة قطنية ذات طيّات، وبلوزةً مفصَّلة عند الخيّاط وواحدةً من سترات الصوف السميكة ذات الأزرار الذهبيّة التي اعتادتْ حياكتها أثناء التفرُّج على التلفزيون. كانت قد انساقت إلى الاعتقاد بأن النظر أو الاستماع بهدوء شكلٌ من البطالة؛ فكانت تدندن مع الموسيقى لكيلا تبدو بمظهر الكسولة. كانت رزينة، وكانت كريمة إلى درجة معقولة، وكانت بعيدةً كلَّ البعد عن افتعال الخلافات. لطالما سمعتُها تعلّقُ، بشيء من القلق، قائلة إنها لا تضجر أبداً. كانت مخلِصة، إذا كانت «مخلصة» تعني تجنُّب الأشكال المتعارف عليها من المشاكل. كانت صبورة. أعلم أنها كانت طيبة. أيُّ صديق مخلص، أي عاشق، أي زوج، كان سيبدو إلى جوارها نزقاً وأنانياً بل حتى قاسياً. كانت تُبدي أقلَّ ما يمكنُ من الأنواع العادية للغيرة، على شاكلة «هل تتغدّى معها مراتٍ كثيرة؟» في شكوى الزوجات، حتى أنني سألتُها ذات مرة إذا ما كان ينقصها جزء ما مفقود.
«مَن يأخذ هذا المكان بعدنا سيصْعَق بحجم فواتير الكهرباء»، كانت تقول عندما نتحدث عن الانتقال. (كانت جولييت تسدّد الفواتير؛ وأنا أتولّى القيام بعدد من الأشياء الأخرى). كان علينا إبقاء المصابيح مضاءة طوال اليوم في الشتاء. كانت الشقة على شكل حرف L، تلتفُّ على جانبين من الفِناء، مثل قطارٍ في منعطفٍ حادّ. كان بمستطاعنا أن نطلَّ من مكتبينا، الواقعين عند رأس القطار ونهايته، لنرى مصباحاً وراء نافذة- الوَهجَ الباعثَ على الراحة تبثُّه حياةُ كلٍّ منا أثناء العمل؛ جولييت منهمكة بترجمة رواية أميركية ترجمة مواظبة متينة؛ وأنا مستغرق في تشذيب مسلسلي التلفزيوني ذي الساعات الخمس، «ستندال والتجربة الإيطالية» الذي فاز بجائزة في اليابان.
لقد كنا معاً فترةً من الوقت لا أجرؤ على حسابها قياساً إلى حياة جولييت؛ فلو قسْتُهُ لشعرتُ بأنني قد ارتحلتُ إلى مرتفعٍ من الأرض- رابيةِ مَن نجى- كما لو لأتفحّص النقطة التي تقاطعتْ عندها حياتانا وتمازجتا وبدأتا تسيران في الاتجاه نفسه: مجرى ضيق وطويل من الزمن في شارع لِيْل. لا بدّ أن ما خيّم على ذلك الامتداد بإيقاعِ فصلٍ قصير هو تدرُّجات الأزرق، المائية المتداخلة التي لوّنت سجّاد الأرضية وورقَ الجدران وأغطيةَ الأثاث وظلّلتْ مصابيحنا. إني أفكر بُبَقع الزرقة الحيادية البعيدة التي تلُوح فوق باريس مرقّعةً سماءَها في أواخر الربيع، عندما لا يزال الجو كثير الأمطار وبارداً في الشارع والسيّاح قد أبكروا إلى القدوم. يلوذ السيّاح بمداخل البنايات، محاولين أن يقرؤوا خرائطهم المبلولة، وهم لم يستعدّوا للطقس كلَّ سنةٍ في بناطيلهم الجينز وستراتهم الرقيقة. فوق رؤوسهم، هناك نُتَف لونٍ أزرق لا يحمل أيَّ تهديد ويعِدُ بكل شيء.
كنتُ أحياناً أعزو ذلك الخيار، المفضَّل لدى جولييت، إلى تقشُّفها الكالفيني -فلأسمِّهِ مزاجاً خاصاً- وأعزوه في أحيان أخرى إلى تهذيبٍ في ذوقها الهوغونوتيّ [البروتستانتي]. وعندما كنت أشعر بالتعب أو نفاد الصبر، كنت أشكو بأن شرطيَّ مرور ظالماً قد عهد بي إلى جنةٍ بروتستانتية، بينما جحيمُ الوثنيين أنسبُ لي. مرة أخرى، وأنا أديرُ عيني حول المائدة في غرفة طعامنا ناظراً إلى الوجوه الذكية الهادئة لأصدقاء عائلة جولييت القدامى، إلى زوجاتهم الكفؤات وغير المتكبّرات، كنتُ أقول: يا له من جنون لو وضعنا هؤلاء الناس أمام خلفية بصُفرة زهور الحَوْذان أو خُضرة التفاح. كان تلمُّظهم الناعمُ بالأحرف الصامتة، الملفوظة بلكنة الطبقة العليا البروتستانتية، يجعل الحديث نائياً وحيادياً أيضاً. كان ذلك صوتاً حيّرني عندما سمعتُه من جولييت للمرة الأولى. افترضتُ -وكنتُ مخطئاً- أنها تستعرضُ وتتباهى؛ ولكنها كانت طبيعية تماماً.


لا تزال خارطة باريس القرن السادس عشر التي اشتريتُها من أجل عيد ميلادها موجودة لدى صانع الإطارات؛ أرسلتُ إليه شيكاً لكني لم أحضرها قط. أتلفتُ مراسلاتِها الخاصة من دون قراءتها، ووهبتُ أكواماً من الملابس لجمعية خيرية بروتستانتية. أرفِق مع نعي موتها في صحيفة اللوموند تنويهٌ وجيز بأبيها، كبطلٍ من أبطالِ المقاومة سُمّيت باسمه شوارع في الضواحي؛ وبعملها كمترجمة قديرة تكفّلت بتقديم الأدب الأميركي ما بعد الحرب إلى القراء الفرنسيين؛ وبزوجها، الكاتب والمحاوِر الإذاعي والتلفزيوني المعروف الذي لا يزال على قيد الحياة.
كان هناك شخص آخر قد بقي حياً من بعدها، هو زوجتي الأولى. ذات ليلة، عندما كنا جولييت وأنا نشرب القهوة في غرفة الجلوس الصغيرة حيث كانت تستقبل صديقاتِها، وحيث كنا نتفرّج على التلفزيون، قالت جولييت مرة أخرى: «ولكن إلى أي حد تُراها تصدّق أقوالها؟ حول كاثوليكيتها، وكل تلك الأوهام التي تدور في رأسها- إنها زوجتك الحقيقية والوحيدة، وإن زواجكما مسجَّل في السماء، وإنكما -أنت وهي- ستكونان معاً في عالمٍ آخر؟»
فقلتُ: «تلك أشياء يضعها الناس في الرسائل. يجلسون وحدهم فتتدفّقُ منهم. إنها صادقة في تلك اللحظة. لا أعلم لماذا ستتحوّل، فجأة، إلى امرأة غير صادقة».
«بعد كل المشاكل التي تسبّبتْ بها»، قالت جولييت. وكان قصدها أن زوجتي، طوال سنوات كثيرة، لم تسمحْ لي بالطلاق.
«لا يدَ لها في ذلك»، قلتُ.
«كيف لك أن تعرف؟»
«لا أعرف. هذا ما أفكر به. أنا لا أكاد أعرفها».
«لا بد أنك تُخفي شيئاً ما».
«لم أرَها أكثر من ثلاث مرات أو أربع طوال السنين الثلاثين الماضية، منذ أن بدأتُ أعيش معكِ».
«ماذا تقصد؟» قالت جولييت. «لقد رأيتَها مرة واحد فقط، معي. كنا نتناول الغداء. تراجعتَ عن طلب الطلاق».
«لا يمكنك أن تطلبي الطلاق على الغداء. يجب أن يُطلبَ عبر البريد».
«وهي لم تتوقّفْ عن كتابة الرسائل منذ ذلك الحين. هل تقصد ثلاث مرات أم أربع، أم تقصد مرة واحدة؟» قالت جولييت.
فقلتُ: «مرة واحدة، على الأرجح. على الأرجح تلك المرة فقط».
رمتني جولييت بنظرةٍ متفحّصة، وكأنني روايةٌ عليها أن تترجمها، وأجابتني بأن على المرء تحاشي الرؤى غير المتوقَّعة. وفي هذه الآونة بالضبط، خيّل إليّ أن ثلاثة جدران من الفناء قد قُصِفتْ فسُوِّيت بالأرض. عبر ثغرة جديدة مشرقة حدّقتْ لترى منها زواجي الأول. كنا -أنا وزوجتي الأولى- قد اتخذنا وضعياتنا في البعيد، كشخصيتين في رواية.
كنتُ قد شاركتُ مؤخراً في ندوةٍ حوارية، مسجَّلة للتلفزيون، حول موضوع «أيُّ أدب، لأيٍّ من القرّاء، على حسابِ من؟». استدرتُ عن جولييت وشغّلتُ جهاز التلفزيون، قبل أن يبدأ بثُّ الندوة بحوالى عشر دقائق. وضعتْ جولييت الفنجانين الفارغين وركوةَ القهوة على صينية كانت قد اشترتها في ميلانو، أثناء الصيف الذي كنتُ أجمع خلاله الموادّ لمسلسل ستندال، وحملتِ الصينية عبر الممر المعتم إلى المطبخ. شاهدتُ ختامَ الأخبار العاجلة. لا بد أننا كنا في ربيع 1976. فبسبب أزمة الطاقة، كان قد تقرّر تقتنين الكهرباء نهاراً. وكان ذلك، كأي أمر يستجدّ، مزعجاً إلى حد بعيد. كان الناس يقولون إنهم ما عادوا قادرين على هضم طعامهم أو ملاطفة أطفالهم، وإنهم بحاجة إلى أدوية مهدّئة لتعينهم على تغيُّر نهارهم. أجريَتْ مقابلة مع طبيب؛ فنصح بحمية خفيفة ونوم مبكّر ريثما يتكيف الجسد والدماغ مع هذا التغيير.
التفتُّ، مبتسماً، إلى حيث يُفترض أن جولييت جالسة. حينذاك حان موعد برنامجي، فتفرّجتُ على نفسي وعقّبتُ ببضع ملاحظات قبل أن أنهض وأذهب لأفتّش عنها. كانت في المطبخ، واقفةً في العتمة، قابضةً على حافة المجلى. لم تتحركْ حين أشعلتُ الضوء. أحطتُها بذراعيّ، وعُدنا إلى غرفة جلوسها وتفرجنا معاً على تتمّة البرنامج. كانت تحيك مربعاتٍ من الصوف لتخيطها معاً وتصنع منها بطانية؛ إذ هناك دائماً، في مكانٍ ما، فيضانٌ أو زلزالٌ أو تدفّقُ لاجئين، ويجب تغطيةُ أولئك الذين ظلّوا أحياء بعد المخاطرة.


* تقول القاصة الكندية مَيفيس غالانت (1922-2014) في إحدى مقابلاتها المتأخرة: «بدأتُ في باريس الاعتياد على الحياة في مكان خيالي كمن تُقيم داخل لوحة أو كتاب (...) الكتابة كالحب أجمل ما فيها بدايتها، وما من شيء فيها آمن تماماً. لكنها ليست عبئاً، إنها طريقتي في العيش». شاهدتْ في مدريد واحدة من أولى قصصها منشورة على صفحات «النيويوركر» مطلع الخمسينيات، ولكن النقود التي معها لم تكن كافية لشراء العدد. فيما بعد، لم تنقطع عن مراسلة «النيويوركر» فنشرت أكثر من مئة قصة قصيرة طوال خمسة عقود أو أكثر، وقد أجادت الفرنسية، لغتها الثانية، ولكنها لم تكتبْ إلا بالإنكليزية، وترك أسلوبها القصصي المتسم بإيجازه ووضوحه أثراً كبيراً على كتاب وكاتبات عديدين كأليس مونرو على سبيل المثال. كانت غالانت قد قررت سنة 1951 أن تترك عملها في الصحافة الكندية، حيث كتبت أعمدة أسبوعية وراجعت أفلاماً وحاورت كتاباً مختلفين أحدهم جان بول سارتر؛ فسافرت إلى باريس، وهناك أمهلتْ نفسها عامين لتعيش من الكتابة، وإلا فسوف تمزق كل ما كتبته، كلَّ قصاصة وكل دفتر، لتنصرف إلى مهنة أخرى. أجرت الكثير من التحقيقات واللقاءات حول قضية درايفوس ولم تنشرها في كتاب، وظلت مقيمة في باريس منذ ذلك التاريخ حتى وفاتها، حيث دفنت في مقبرة مونبارناس غير بعيد عن بيتها.