أوراق | فرانز فانون: رسالة الى صديق فرنسي

  • 0

«روجيه، ما أود أن أخبرك إياه، أن الموت هو دائماً في صفنا، والمهم ليس معرفة إن كان بمقدورنا تجنبه، لكن أن نأخذ الأفكار التي نعتنقها الى مداها الأقصى. ما يصدمني، فوق سرير المشفى هذا، وفي اللحظة التي تخور فيها قواي، ليس الموت بذاته، بل أن أموت في واشنطن من اللوكيميا الحادة، في وقت كان بوسعي من أشهر ثلاثة فقط، أن أموت في مواجهة العدو، حيث لم أكن أعلم أن المرض قد تمكن مني. لسنا بشيء فوق هذه الأرض إن لم نكن جنوداً لقضية، قضية الشعب، قضية العدالة والحرية. وأريدك أن تعلم، أنه في اللحظة ذاتها حين فقد الأطباء الأمل، كنت ما زلت أفكر، آه وسط الضباب العظيم، كنت أفكر بشعب الجزائر، بشعوب العالم الثالث. لو تشبثت برمق من هذه الحياة، فالفضل يعود لهم».


كلمات ودع بها فرانز فانون (1925 ــ 1961) أحد أصدقائه، روجيه طايب، قبل وفاته بشهرين. كان فانون يصارع اللوكيميا التي استحكمت بدمه في مشفى td إحدى ضواحي واشنطنK لينطفئ الثائر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بنضاله في وجه الاستعمار وبمؤلفاته التي أضحت كالأناجيل لكل دعاة التحرر والنضال من «بشرة سوداء... أقنعة بيضاء» (دار سوي ـ ١٩٥٢)، الى «العام الخامس للثورة الجزائرية» (دار ماسبيرو ـ ١٩٥٩) ومؤلفه العظيم «معذبو الأرض» (ماسبيرو ـ ١٩٦١).
انطفأ فانون في السادس من كانون الاول (ديسمبر) ١٩٦١ عن ستة وثلاثين عاماً فقط. عمر يكون فيه كثيرون على وشك انخراطهم في قضايا بلدانهم، بعد أقل من ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار في الجزائر. الطبيب النفسي الذي أبصر النور في جزيرة المارتينيك الفرنسية ضمن أسرة تنتمي الى البورجوازية المحلية الصغيرة، سيتفتح وعيه على السياسة بسرعة. حتى لو كان مرسوم تحرير العبيد قد أقر عام ١٨٤٨، فإن وضعية ذوي البشرة السوداء وحقوقهم الناقصة ستستأثر باهتمام فانون منذ نعومة أظافره. انخرط في الحرب العالمية الثانية في كتائب المقاومة ضد حكومة فيشي، لينتقل بعد نهاية الحرب في اوائل الخمسينيات الى الجزائر، طبيباً نفسياً وفيلسوفاً اجتماعياً مسخّراً كل عدته المعرفية من أجل هدف واحد: تعرية المستعمِر من منظور أدوات علم النفس. ورشة هائلة سيبدأها المناضل الأسمر، مفككاً الميكانيزمات النفسية للهيمنة الاستعمارية. مشروع سيبدأه منذ التحاقه كطبيب بالمشفى النفسي في جوانفيل ـ بليدا، الذي سيحمل اسمه منذ عام ١٩٦٢. الرسالة التي يوجهها فانون «الى صديق فرنسي» مجهول الهوية لا تشذّ عن عملية تشريح نفسية المستعمر في كل أرض وزمان، في حججه التي يسوقها لسلب الأرض واستغلال الشعب (يشير فانون في الرسالة الى دخل الفلاح الجزائري الشهري الذي كان أقل بثلاثين مرة من نظيره الأوروبي)، وتحيلنا الى مقارنة مع ما ساقه ويسوقه الصهاينة في فلسطين، آخر قضايا الكولونيالية في عصرنا. مقاطع من هذه الرسالة سيحوّلها المسرحي الجزائري كامل زكري عام ٢٠١٢ الى عمل مسرحي غنائي يطوف فرنسا بأسرها ضمن مهرجان Sous La Peau.

[1956]

حين صارحتني برغبتكَ في الرحيل عن الجزائر، صداقتي لك اعتراها الصمتُ فجأة. بالتأكيد صوَرٌ بازغة، صلبة، وحاسمة كانت تطرق باب الذاكرة. كنت أنظُر إليك وزوجتك بجانبك، تفكرُ في أحوالك الجديدة في فرنسا، محاطاً بوجوه جديدة، بعيداً جداً من هذا البلد الذي ساءت أحواله كثيراً منذ أيام. قلت لي: «جوّ البلاد بدأ يفسد، يجب أن أرحل».


العرب السذج، المستورون، ممن حولتموهم إلى ديكور صحراوي


قرارك وإن لم يبد نهائياً (لأنك عبّرت عن ذلك) كان يأخذ شكله تدريجاً: «هذا البلد الذي بات شائكاً بطريقة عصية على الفهم، الطرقات التي لم تعد آمنة، حقول القمح التي أكلتها النيران، العرب الذين يمثلون الشر. روايات. الكثير مما يروى. النساء يُغتصبن، خصى الرجال تُقطع لتحشَر بين الأسنان. هل تذكر أحداث سطيف؟ هل يريدون سطيف ثانية؟ فلتكن ولكن من دوننا». قلت لي هذا كلَّه وانت تضحك، لكن امرأتك لم تضحك قَط. خلف ضحكتك رأيتُ ما رأيت. رأيت جهلك الأساسي بأحوال هذا البلد. أحوال عظيمة لأني سأفسرها لك.
من الجائز أن ترحل، لكن قل لي، حين يسألُك أحدهم: «ماذا يحصل في الجزائر؟»، أو حين يسألك أخوتك السؤال نفسه، بماذا ستجيب؟ وبشكل أدق حين يرغب أحدهم بفهم أسباب رحيلك عن هذه البلاد، ماذا ستفعل كي تخمد هذا العار الذي تحمِله معك؟ عارُ أنك لم تفهم، أو بالأحرى لم ترد أن تفهم ما جرى حواليكَ كل تلك الأيام. سنوات ثماني في هذا البلد. ولا حتى شذرة من هذا الجرح العظيم استطاعت أن تردعك أو تحملك على قرار. أن أكتشفك أخيراً على هذا الحال: قلِقاً على أحوال الإنسانية بأسرها، باستثناء الانسان العربي، أن أراك مهموماً، متألماً حزينا. لكن في وسط ذاك الحقل، أرى رجليك تغوصان في الوحل ذاته، في مرض الجذام ذاته. لأنه ما من أوروبي يثور، أو ينتفض، أو يدق جرس الخطر بوجه الأشياء التي تتداعى، الأشياء كلها باستثناء القَدر الذي تسومونه للعرب. العرب ممن لا ترونهم. العرب ممن يتم تجاهلهم. العرب ممن يمرون في أيامكم بصمت. العرب السذج، المستورون، ممن حولتموهم الى ديكور صحراوي. وأنت الذي خالطتَ أولئك الذين لم يصافحوا عربياً باليد طيلة حياتهم. لم تشرب معهم القهوة قَط. لم تسأل عربياً في حياتك عن أحوال الطقس. العرب بجانبك. «فليُبعدوا. فليُطردوا دون جهد يُذكر. فليحاصروا. مدينتهم بدائية مسحوقة. مدينة البدائيين النائمين. لا يحصل شيء البتة لدى العرب». سترحل يا صديقي، وكل هذا الجذام على جسدك، وكل هذه الأسئلة بلا أجوبة. الصمت المشترك لثمانماية ألف فرنسي هنا. هذا الصمت الجاهل، هذا الصمت «البريء». ملايين تسعة من الأمة الفرنسية تحت كفن الصمت هذا. إني أضع هذه الوثيقة بين يديك لئلا يموت شيء: لا الأموات بالأمس ولا المبعوثون اليوم. أريد لصوتي أن يكون قاسياً، لا أريده رقيقاً، لا أريده عذباً، لا أريد له أياً من الأبعاد الأخرى. أريده ممزقاً من البداية حتى النهاية، لا أريد لصوتي نصيباً من المرح لأن الأمر يتعلق بالإنسان وقدرته على الرفض، عن عفن الإنسان اليومي، عن استقالته الأخلاقية القبيحة. سأكلفك إذا أن تروي...
سأقول مثلاً: هناك مشكلة تعليم في الجزائر، لكي تجيبني في نفسك: هذا مؤسف ويجب معالجته. سأقول أيضاً: واحد فقط من 300 عربي يجيد توقيع اسمه، لتفكر: هذا باعث على الحزن ويجب أن يتوقف. فلتسمع قبل ذلك كله: بثتني مديرة إحدى المدارس شكواها بأنها مضطرة كل سنة الى القبول ببعض الصغار العرب الجدد في مدرستها. الأمية التي تفتك بهذه الكائنات البشرية تكبر لتصبح بمقدار هذا الصمت. «أن نعلّم العرب»، وهو الأمر الذي لا يعنيكم البتة، تقولون «ولماذا نعقّد الحياة بهذا القَدْر، إنهم بخير كما هم. كلما فهموا أقل، كانت الأمور أفضل. ومن ثمّ أنى لنا بالميزانية اللازمة لذلك، الأمر يكلف العينين الاثنتين من الوجه. بالإضافة الى ذلك، هم أنفسهم لا يطلبون هذا الأمر. استطلاع للرأي لدى زعماء أحيائهم يظهر أن العرب لا يطالبون بالمدارس». الملايين يا صديقي من ماسحي الأحذية. الملايين من حمالي الحقائب، الملايين من Madame، أعطني كسرة من الخبز. الملايين من الأميين (ممن لا يعرفون توقيع أسمائهم، أو يتم التوقيع بدلاً منهم)، الملايين من البصمات الرقمية فوق الدعاوى القضائية التي تقود الى السجن، فوق وثائق السيد القاضي، فوق ما يتعهد به المشاة الجزائريون في كتائب الحرب الفرنسية. الملايين من الفلاحين المستغَلّين، المستهلَكين والمنهوبين. الفلاحون المجموعون في الرابعة فجراً والمسرَّحون في الثامنة مساء، من خيط الشمس الأبيض حتى جلوس القمر في الأفق. الفلاحون المسلحون بجرعة من ماء، وبأسمال بسيطة، وبفطير بائت يجب أن يكفيهم قوت شهر بأسره. الفلاحون المثبتون في أماكنهم بحيث تتحرك الذراعان وينحني الظهر، لكن الحياة تتجمد. تمرون بالعربات وترونهم بأم العين ولا تهتز لكم شعرة. عربٌ فوق الطرقات. عِصّيكم ستدخل تجاويف سلالهم. سلة فارغة، أمل فارغ، كل هذا الموت للفلاحين. مئتان وخمسون فرنكا في اليوم. فلاحون بلا أرض، فلاحون بلا سبب «إن لم يعجبكم الأمر يمكنكم الرحيل. أولادكم يملأون المقصورات. نساؤكم يملأن بيوت الصفيح، الأجر ذاته لأيام العمل الستة. فلاحون مقتلعون، بلا حلم، ولا تملكون هنا شبراً من الأرض». تقولون أيضاً: «نحن بغاية اللطف معكم، ممّ تشتكون؟ ماذا تفعلون من دوننا؟ آه سيكون هذا البلد جميلاً لو رحلنا؟ سيكون جميلاً أن يتحول الى مستنقع بعد وقت قصير، نعم! أربعة وعشرون مرة شهرياً تكسب المئتين وخمسين فرنكاً تلك. اشتغل إذن أيها الفلاح. في دمك الانسحاق الراكع لحياة بأكملها. ستة آلاف فرنك شهرياً. على وجهك الخيبة. في أمعائك الخنوع. وما همك أيها الفلاح إن كان هذا البلد جميلاً؟»

* المرجع: «من أجل الثورة الأفريقية، الأعمال الكاملة لفرانز فانون»، الكتابات السياسية ـــ دار ماسبيرو ـــ ١٩٦٩.

0 تعليق

التعليقات