استجمعت شتات نفسي، وصرخت بأعلى صوتي: «ارجعي إلى ربك راضية مرضية»، لكنها لم ترْجِع.

شُلّت يدي، وحدث ما لم يحدث لي طيلة ثلاثة عقود من العمل المتواصل في الجر والفتح والإغلاق. حدث ما لا يتصوره عقل، وأنا الذي ألفت رائحة الموتى، واعتدت برودة غرفهم وصمتهم المريب. أنا الذي دفنت في صدري طول عمري آلاف الأسرار ولم يسبق لي ــ رغم كل ما ألمّ بي من الفواجع ــ أن عضضت على لساني بقوة، كما أعضه اليوم. قد أكون اليوم ممسوساً أو معضوضاً، لكن صدقوني، فحينما عاينت اليوم أول جثة، ركض قلبي باتجاه حلقي. غارت الأرض تحت أقدامي، وانفجر العرق من مسامي. خفت أن أُتَّهَم في آخر حياتي بالخرف والجنون. لا أحد سيصدقني. وأنا - حارس بوابة الموتى - مضطر اليوم للبوح بالشيء الذي لم أعتد عليه طول حياتي.

كما أني متأكد أن لا أحد منكم سيصدق قصتي ولو أقسمت برأس أمي وكل عظام جدتي. حرفة الجر والفتح والإغلاق أضحت عملاً روتينياً في حياتي. ثلاجة الموتى وأبواب ثلاجة الموتى بل جرُّ جارورات وأدراج الموتى، عملٌ اعتدت عليه وجعلني أعيش لحظاتي موتاً وحياة، وبات لا فرق عندي بين يوم الميت والحي على حد سواء. ويبدو أنّ قسطاً من معدن هذه الثلاجة الباردة قد تسرّب إلى دمائي. هذا الصباح لم يكن ككل الصباحات. جرّ الطاهر قمطراً حديدياً ليضع - وكما دائماً بصمت عميق - رقماً على الجثة، لكن حصل ما لم يكن في الحسبان. لم يتصور قط أن صباح اليوم سيكون يوماً ليس ككل الأيام.
باكراً جداً، وحتى قبل مطلع الفجر، يبدأ عمي طاهر عمله بإحضار - من إدارة المستشفى - بطاقات مرقمة كقلادات أولمبية، يوشح بها صدور الجثث الوافدة حديثاً. وقد دأب كما دوماً على رفع الجثة من الرقبة باليد اليسرى حتى تتمكن اليمنى من تقليدها الرقم اليومي، بكل ما يليق من التشريف لبطل أولمبي يصل إلى خط النهاية.
هكذا فتحت كالعادة باب الثلاجة لجرّ الجارور. آه ليتني ما جرَرْت ُوما قلت، وما جُرْجِرْتُ للقول. من المحتمل جداً أنّ ما رأيته لا يعْدو أن يكون، كما ادّعوا، هلوسات الحمى الباردة وتداعياتها. ومن المحتمل جداً أن أوصف بأنني مختل أو بدأت أشيخ، وبدأ خريف العمر يزحف سريعاً نحو خلايا المخ ليخربها، ويتركها أثراً بعد عين. امتدت لي يد مستغيثة تطلب مني، بلسان عربي فصيح وبدم بارد:
«رجاء. جرعة ماء دافئ. عمي الطاهر».
انتفخت أمعائي، وقف شعر رأسي، تَفَلْتُ على ثوبي، استعذتُ بالله من الشيطان الرجيم.
حفظت السرَّ وخفت أن أعود بالماء ولا أجد لما نحن بصدد ذكره أثرُ.
عاد بجرعة الماء، ما إن تناولتها الجثة، حتى سرى في أوصالها دفءُ الحياة.
ترجَّتْه أن يُبقيَ السرَّ أمراً، إذ وحسب رأيه (صاحب الجثة)، كان موته، بل آخر عهده بالحياة، غير عادي، حيث زهقت روحه من بين أصابعه وهو صحبة جمهرة غفيرة من عباد الله، أمام صندوق الاقتراع يهم بأداء واجبه الوطني، بل انزلقت روحه من بين أصابعه تماماً كما انزلق خاتمه يوم الخطوبة وهو على أهبة الدخول للقفص الذهبي. كل ما في الأمر أن حياته تأخرت بعض الوقت في جثته. بل عادت الروح للجسد، كما هو معروف في يومها الثالث للوفاة، لتصفّي حساباتها.
لذا ولما كانت إجراءات التشريح لم تكتمل بعد - والتي لا محالة ستكون جد معقدة - فقد عبّر عن رغبته الشديدة في ذلك، وأن لا يُضيِّع فرصة ثمينة ليعرف السبب المؤدي إلى الموت، لتفاديها مستقبلاً ويظفر بمزيد من الحياة، لا أن تُرْديه كما يوم الأمس بغتةً (يمشي فيها) وأن يقع فيها واقفاً على حين غرة... «يبدو أنني عاركت رسول الموت طويلاً قبل أن يتوارى عن نظري، لتحملني سيارة الإسعاف ويُرمى بي هنا. لا أدري إن كنت ستصدقني إن أنا قلت لك إني حي».
أحكم عمي طاهر إغلاق الثلاجة بالمفتاح، حتى سُمعت طقطقةُ القفل.
المفتاح عملاق كالمسدس مدسوس في حزامه.
دق باب مكتب مدير المستشفى.
دق باب المدير بالمفتاح.
بلهفة زائدة، حكى القصة. ثارت ثائرة المدير. أرغد، أزبد وليستوضح الأمر تبعه مهرولاً يذرع بسرعة نادرة ممرات المشفى صائحاً:
- افتح الثلاجة!
أدار عمي طاهر المفتاح بتؤدة.
جرّ الجارور. ألفى الجثة صامتة، هامدة، في حالة جيدة من الحفظ والصون والجفاف، كما يليق بجثمان مثلج في صقيعه. «شبعااااااان موت».
صاح عمي الطاهر وشفتاه ترتعشان، كما ارتعشت لحيته المدببة بزغيباتها الرمادية المعدودة
- يا إلهي ما هذه الكدمات على الجبهة؟
صاح المدير بدوره
- لمَ لم تطردوه منذ زمااااان؟
همهم عمي وصاح بحسرة وألم: «ولِمﹶ... لمْ...... تدقَّ جدران الثلاجة ياجباااااان؟».
* كاتب مغربي