تبقى دعوة كمال داود إلى تشكيل ميليشيات الفعل الوحيد ذا الأهمية السياسية والمعنوية في مسألة محاولة تدمير منحوتة عين الفوارة في سطيف، التي أقدم عليها جندي سابق معروف عنه أنّه عديم المسؤولية بالكمال ويعاني من اضطرابات عقلية ويخضع للمعالجة النفسية. لا بدّ أن يكون خيال المرء جامحاً إلى أبعد الحدود لكي يرى في رجل مجنون يحمل مطرقة مؤامرة مهولة ومتشعبة ومتعدّدة الجوانب، وأن يدعو إلى إنقاذ البلاد على الفور.


بعد ساعات قليلة على الحادثة، أكّدت صحيفتا La dépêche de Kabylie («نشرة القبائل») وL’expression (لكسبرسيون) بأنّ الرجل الذي أقدم على تخريب المنحوتة هو جندي سابق، يعاني اضطرابات نفسية ويخضع للمعالجة النفسية، وبأنه عديم المسؤولية بالكمال.
بيد أنّ تعامُل كمال داود مع الحادثة، كان أشبه باستجابة شخص لمنبّه أو حافز خارجي، على الطريقة البافلوفية. ولعلّ أغنية بعزيز (المغنّي الجزائري عبد العزيز بختي) أفضل تعبير عن حالة داود: «هو يقفز حيث ترمي له الطعم». فسرعان ما هاجم داود كلّ الذين قد تسوّل لهم النفس التغريد خارج سربه أو مخالفته الرأي، وأشار إليهم واحداً تلو الآخر قائلاً: «لا الجيش سيحمي البلاد من الطلبنة (نسبة إلى طالبان)، ولا الشرطة ستدافع عنّا، وهي التي تُستخدَم كأداة لقمع من بقي من الشعب الجزائري، أي أهل القبائل والديمقراطيين، والتي وقفت تستجدي بغاية الرقة من يدمّر تراثنا بمطرقته وكادت أن تجثو أمامه». وبالتالي، لا يضمّ معسكر داود سوى «من بقي من الشعب الجزائري»، على حدّ تعبيره، أي فقط أهل القبائل والديمقراطيين. ويمكننا الاستنتاج من قوله هذا أنّ داود يريد مواجهة كلّ الآخرين واستئصالهم اليوم قبل الغد، خصوصاً أنه يصفهم بأقبح النعوت وأبغضها، مثل «الجرذان». لا شكّ في أنّ باستطاعة برنار هنري ليفي، صديق داود، أن يحدّثنا عن خلفيات تشبيه البشر بالبهائم.
لقد أثارت تصريحات داود تلك دهشة كريم قيا، الذي يشكّك في مقاله الممتاز بعنوان «من كولونيا إلى سطيف: التوهّمات الخطيرة لكاتب متهوّر» في وجهة نظر «نادي المعجبين بكمال داود» وفي مدى فهم هذا الأخير للواقع.
كان من المفترض أن تدفع حادثة كولونيا كمال داود إلى التمهّل في ردود فعله وانتظار الحدّ الأدنى من التحقيق والتدقيق في الأمور قبل أن يبدأ بإطلاق اتهامات لا أساس لها ضدّ ثقافات وإثنيّات ومجتمعات بأسرها وضدّ الإسلام، عقب أي فعل لا يتناغم مع قواعد اللياقة الفرنسية. بعد تلك الليلة الشهيرة في كولونيا، دحض القضاء الألماني الرواية السائدة حول الاعتداءات وبرّأ المهاجرين المغاربة أو العرب والمسلمين بشكل عام، الذين اتُهموا بأنهم مغتصِبون بالفطرة.
إنها المرة الثانية التي يدعو فيها داود إلى تشكيل ميليشيات، على خلفية حادثة أقدم عليها رجل يعاني من اضطراب عقلي ويُعالج نفسياً. يدعو إلى تشكيل ميليشيات، مع أنّ الأخيرة هي في الواقع مرادف للحرب الأهلية وإراقة الدماء والمذابح والاغتصاب والمناطق الخارجة عن القانون والدمار بجميع أشكاله والمعاناة التي لا توصف. فالميليشيا هي أساساً مرادف لانهيار العقلانية و«الأنا العليا» الفردية والجماعية، تلبيةً لمثال أعلى من شأنه أن يرفعنا إلى مستوى شعب أصلي ودود في نظر الغرب. إنّ التناقض بين توجهات داود الحالية، وتلك التي كانت يعتنقها في السابق، عندما كان يرأس مجموعة سلفية ويدعو إلى إقامة نظام ثيوقراطي، سطحي وظاهري ليس إلّا. فتحوّل داود من سلفي إلى ديمقراطي ليس سوى تخلٍّ عن دعوته إلى هدم دولتنا الوطنية باسم آباء الطهارة الإسلامية، لصالح السعي إلى هدم الطولة الوطنية خدمةً للأولياء الغربيين الذين يسعى إلى نيل رضاهم.
لقد ردّ الدكتور فريد شاوي على الدعوة الشديدة الخطورة التي أطلقها داود، طالباً من الأخير التصرف بعقلانية عبر لفت نظره إلى العواقب الخطيرة لكلامه، قائلاً: «سوف ينقسم عندها الجزائريون إلى ثلاث مجموعات: «الملتحون الجرذان»، و«منظّرو الخضوع» و«البقية الصالحة»، مع قاسم مشترك بين كل هؤلاء، هي رغبتهم في التقاتل والإبادة الجماعية والتطهير العرقي».
وفي الواقع، فإنّ التطهير العرقي، ذاك الذي مارسه هتلر وتنظيم «داعش» وما بينهما، هو بالضبط ما يدعو إليه كمال داود في إحدى المقابلات.
سبق أن حذّرنا داود عقب اعتداءات كولونيا. في إحدى المقابلات، ولدى سؤاله عن ردود الفعل حول مقالته عن كولونيا، قلّل داود من شأن الانتقادات الموجّهة إليه بسبب جوهرانيته، معتبراً أنّه يحب النظر إلى مقالته تلك كرسالة، لا كسرد للوقائع. لا بل أكّد أنّ كرم أوروبا، المتجلّي في تأمينها المخيمات والحساء إلى المهاجرين العرب أو المسلمين، لن يجعل من هؤلاء بشراً محترمين أو جيراناً متحضّرين. ففي نظر داود، جلّ ما تفعله أوروبا هو استقبال أشخاص مشبعين بثقافة العنف وقمع النساء والاغتصاب والانفلات، إلخ. كمال داود يسمو عن الواقع ويدعو أوروبا إلى النظر أبعد من أنفها!
لهذا السبب، هو لم يتعلّم الدرس بعد اعتداءات كولونيا، وأعاد الكرّة مجدداً إثر حادثة سطيف.
كمال داود يحلّق في آفاق السيناريوهات التاريخية الكبرى، ولا تستهويه مهام بائسة مثل التحقّق من الوقائع وترابطها بناءً على ما تعلّمنا إياه العلوم الاجتماعية من أنّ أفعالنا وصورنا الذهنية، مهما بدت عفوية، لها أسبابها الواقعية، أكانت مباشرة أو غير مباشرة. لكنّ ذلك لا ينطبق على داود، الذي يتحدّث باسم الحقيقة التي يحملها، لا باسم الواقع.
ما من حجّة نابعة من معاينة للواقع يمكنها مواجهة الأوهام. لا بل إنّ التأمّل في محاججة ناجحة ضدّ الأوهام، هو الخيال بعينه.
ما الهدف من أن يحاول المرء إقناع نادي المعجبين بكمال داود بأنّ العرب قد يكونون مسيحيين لا مسلمين فحسب، أو دروزاً يؤمنون بالتقمّص، أو مسلمين وعلويّين متحرّرين للغاية، أو زيديين أو أصوليين، أو بأن العروبة لا تساوي الإسلام؟
ما الغاية من محاولة إقناعهم أنّ المسلمين يأتون من بلاد وثقافات وحضارات وتقاليد مختلفة كلياً، وبأنّ المرأة المسلمة في دمشق أو حلب لا يجمعها سوى القليل مع المرأة المسلمة في أفغانستان، أو بأنّه حتّى في باكستان، البلد المسلم إلى حدّ بعيد، تولّت امرأة منصب رئاسة الوزراء؟ فالنقاش مع أشخاص مثل كمال داود، يتقنون أدبيات البروباغندا التحريضية البالية، مستحيل، لأنّ تصورهم للعالم ليس قائماً على الواقع الاجتماعي أو السياسي، بل على الخيال المحض.
ما نفع الردّ على نادي المعجبين به والقول لهم إنّ المرأة الجزائرية، على عكس ما يعتقدونه، ليست سجينة الأماكن المغلقة؟ ما الفائدة من إعلامهم بأنّ معظم العاملين في قطاع التدريس في الجزائر هم من النساء، والتعليم في كليات الآداب والطب ليس بالشيء القليل؟ كيف تُقنع مثل هؤلاء بأنّ النساء الجزائريات يشكّلن غالبية الأطباء والقضاة في البلاد، وبأنّه بين سيارة وأخرى في مدننا، ترى واحدة تقودها امرأة؟ كيف تخبرهم بأنّ النساء الجزائريات يجلسن في المقاهي، أقلّه في العاصمة، وبأنهنّ يدخلن جميع أنواع المقاهي والمطاعم ويتم استقبالهنّ بشكل طبيعي؟ تلك مشاهد نراها يومياً، والمرأة الجزائرية تشارك بشكل طبيعي جداً في الحياة العامة والمهنية.
عن أيّ نساء محتجزات يتحدّث كمال داود إذاً؟ من هنّ اللواتي يقحمهنّ على نحو وسواسي في أي حديث، مهما كان موضوعه؟ وأين هي تلك الأماكن الخاصة التي تُفرض قيود أو محظورات للدخول إليها؟
في مسألة المهاجرين وثقافتهم، التي يصفها بأنها فريدة وكارهة للنساء، وتماماً كما في مسألة المرأة، يؤكّد كمال داود بأنّه لا يحدّث الأوروبيين عن دوافع الزعماء الاقتصادية والسياسية، بل عن الأثر الذي ستتركه قراراتهم على مستقبل الحضارة الأوروبية. ليس داود أول من دقّ النفير ضد خطر البربرية المزعوم، طبعاً، البربرية التي يمثّلها عشرات الآلاف من الأطباء والكوادر والمدرّسين والتقنيّين وروّاد الأعمال والتجار الذين يشكّلون السواد الأعظم من المهاجرين من بلادنا اليوم. فهذا التحذير من خطر البربرية المحدق هو القوت اليومي لإريك زمور، آلان فينكلكروت، وميشيل هوليبيك، وكارولين فوريست وحزب «الجبهة الوطنية». وكذلك الحال بالنسبة إلى بوعلام صنصال، الذي حذّر بدوره من خطأ أوروبا الحضاري هذا. لكنّ كمال داود لا يقف عند هذا الحد، بل يقول إنّ المهاجرين يأتون إلى أوروبا حاملين موروثات آبائهم، وإنّ ذلك هو تحديداً سبب استحالة اندماجهم في المجتمعات الأوروبية، إذ يجب، في نظره، أن يختفي الآباء لكي يتمكّن الأبناء من بناء هوية فريدة. بعبارة أخرى، يعتبر داود أنّه لا يمكن للمهاجرين أن يصبحوا أوروبيين، إلا إذا تخلّوا عن موروثات آبائهم، وهو بذلك لا يرى في المهاجرين سوى أشخاص يحتاجون إلى وصيّ يتبنّاهم. وهنا، تبدو الازدواجية في فكر كمال داود جلية، فهو يرى أنّ المهاجرين لا يمكنهم التخلّي عن آبائهم الأصليين إلّا إذا أصبحوا أبناءً لآباء جدد يحملون موروثات جديدة. والمقصود بالموروثات ليس القوانين العامة للدولة أو المنطق أو الفكر، إنّما موروثات الآباء، آباؤنا نحن، إذ إنّ كمال داود يقارب المسألة، على نحو وسواسي، من منظور وضع المرأة، المحتجزة والمخبّأة والسجينة، والتي يستحيل الوصول إليها من دون المرور بـ «الطوطم» الذي يتحدث عنه فرويد.
خطابا بوعلام صنصال وكمال داود عن خطأ الأوروبيين النابع من «طبيتهم» لا يتشابهان إلا ظاهرياً. ففي حين أنّ صنصال قد عبر بهدوء إلى الضفة الأخرى من خلال سفره إلى «إسرائيل» واعتماره الكيباه اليهودية، يعجز داود عن كبح جماح عدوانيته وكراهيته تجاه مواطنيه العرب والمسلمين. هو يحارب بكلّ ما أوتي من قوة كلّ ما له علاقة بأصوله. وليس انتقاده للدعم الموجه إلى الفلسطينيين ـــ الدعم «القبليّ أو الإثني أو الديني» على حدّ تعبيره ــــ سوى التعبير الأكثر إثارة للشفقة والدليل الأوضح عن أنّ كتاباته محض أوهام وتخيّلات. للقضية الفلسطينية داعمون من العالم بأسره، وهم يأتون من بلدان مختلفة وثقافات متباينة وأعراق وإثنيات مختلفة، وبينهم الكتّاب والفنّانون والسينمائيون الأكثر شهرة، ومنهم من يأتي من الجامعات الغربية المرموقة. باختصار، لم نشهد مثل هذا الدعم المتنوع ديناً وإثنياً وسياسياً لفلسطين منذ حملة مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فالتعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني بات قاسماً مشتركاً لدى مقاومي الإمبريالية، كما أنه أعاد إحياء فكرة أنّ الشعوب كلها متشابهة في إنسانيتها، مهما اختلفت اللغات والثقافات والمعتقدات.
يرفض كمال داود التضامن مع الشعب الفلسطيني لأسباب إثنية ودينية يقول إنه يبغضها، كونه يُعتبر مسلماً وعربياً. هل يصعب عليه إلى هذا الحدّ إدراك أنّ أصوله هي في الواقع حقيقة تاريخية، وليست حالة وجدانية مفروضة عليه؟ صحيح أنّ المرء عندما يدرك السياق التاريخي الذي يعيش فيه، يلاحظ العلاقة بين حياته اليومية وبين السياق التاريخي الأعمّ ويضطر إلى الاعتراف بأنّه، كإنسان، نتاج مسار تاريخي، على الأقل جزئياً. وعندئذ، يضيع استجداء الأوروبيين للتخلي عن طيبتهم الساذجة هباءً.
كل جزائري منخرط في مجتمعه ويحمل في ذاكرته سنوات الاستعمار أو تلك التي تلت الاستقلال، يمكنه أن يذكّرنا بأنّ كره الأصول ليس ناجماً عن الوجدان الفردي فحسب. فذلك العنف المعنوي الموجّه ضدّ شعبنا مارسته أيضاً الطبقات الإقطاعية الداعمة للاستعمار الفرنسي، بعدما كانت داعمة للعثمانيين. فالمشكلة الأساس هي في الخطاب المزدوج الذي، يحقّر شعبنا من جهة، معتبراً أنّه إما مجموعة قبائل همجية وفوضوية أو مجموعة عبيد ينبغي السيطرة عليها، ومن جهة أخرى يقدّم خدمات للمحتلّ.
«العرب لا يفهمون إلا بالهراوات، وهم قوم لا يتحسّنون»، هذه العبارة التي نسمعها من أبناء جلدتنا أنفسهم تظهر بوضوح أنّ عقدة المستعمَر ليست مرضاً ينتاب السكان الأصليين الذين يعيشون حالة اغتراب اجتماعي، إنّما نجدها لدى الطبقات التي تتماهى مصالحها مع الهيمنة الخارجية. وبالتالي، فإنّ إهانة العرب والمسلمين عموماً والسخرية من دعمهم لفلسطين، لهما بعد اجتماعي ويندرجان ضمن عملية البحث عن مكانة اجتماعية. ونلاحظ هنا أنّ عملية نيل والقبول الرضى، تأتي عن طريق «الآخر»، المستعمِر، الذي يمنح المرشح التابع شرف تمثيله والتحدث بلسانه والسعي إلى تحقيق رؤاه وطموحاته. ولا أحد يتفوّق على هذا المرشح في فنّ السفسطة.
يفكّك جواد رستم تواتي، في مقال لافت، المسار المشبع بالأوهام والتخيلات لعودة البطل الذي يأمل كمال داود تجسيده، كنوع من الانتقام ولكي يصبح هو الأب ومصدر الموروثات الجديدة. لم تأتِ الدعوة إلى تشكيل ميليشيات من عدم فكري، بل هي حاضرة عند داود منذ زمن بعيد وتتجلّى في العنف المعنوي الذي يمارسه ضدّنا منذ مقاله الأوّل. هو منذ البداية يكتب لا لكي يفهم، بل لكي يخالف.
في عام 2005، صدرت الرواية الأولى لكمال داود، بعنوان «أيها الفرعون» (Ô Pharaon)، التي صنّفها على أنها قصة سردية لإضفاء طابع أكثر «واقعية» عليها. يتحدّث داود في روايته هذه عن مدينة غليزان غرب الجزائر من دون أن يسميها، معتبراً أنها كانت مسرحاً لتجاوزات الوطنيين وأعضاء «مجموعة الدفاع عن النفس»، الذين كانوا في طليعة الكفاح ضد الإرهاب، والذين يصفهم داود بـ «الميليشيات». هو يحمّلهم مسؤولية كمّ هائل من الجرائم والسرقات وحالات الاغتصاب وأعمال الابتزاز والاغتيالات التي ارتُكبت، وفقاً له، بتأييد من السكان، الذين يعتبر أنهم وُلدوا نتيجة تفشّي الدعارة والتقاليد الفاسدة والمنحرفة. لا بل يصف داود هؤلاء السكان بالأوباش الذين لا يستحقّون العيش ولا الشفقة ولا الاحترام. هذا الكره الشديد للشعوب التي سحقها الاستعمار تاريخياً هو في الواقع كره طبقي يكنّه الإقطاعيون الذين لم يسامحوا يوماً تلك الشعوب البائسة المعدمة لسيطرتها على أراضي المستعمرين وأملاكهم بعد شغورها ولتشكيكهم في تفوّق «الأسياد» الطبيعي. يرسم داود لوحة عن شعب من أبناء الزنا، تهيمن عليه منظمة إجرامية يقودها مثلي جنس. في أسلوب الكناية ولغة المعرفة (métonymie) المتّبعَيْن في هذه الرواية، لم يقصد بمصطلح «مثلي الجنس» الميل الجنسي، بل يحيل هذا المصطلح إلى مفهوم «الشذوذ» الجنسي البائد والمهين، وإلى الكائن الذي تسيطر عليه النزوات أو الرذيلة.


يعتبر أنّه لا يمكن للمهاجرين أن يصبحوا أوروبيين، إلا إذا تخلّوا عن موروثات آبائهم

كيف لنا أن نستغرب أن يحيلنا داود إلى الرذيلة؟ فالرذيلة في نظره أقل ما يليق بمدينة مليئة بأبناء الزنا. حتى إنّ قارئ الرواية قد يتعاطف مع عصابات «الجماعة الإسلامية المسلحة»، التي لا يصفها الكاتب ولو مرة بأنها إرهابية.
كيف يمكن لشخص أنّ يبشّر بقيم الآباء الأوروبيين وينمّ في الوقت نفسه عن هذا المستوى الدنيء من رهاب المثلية؟ لا يوفّر كمال داود أي سلاح في هذا الكتاب لمهاجمة الوطنيين. فالغاية تبرّر الوسيلة عنده، والأخلاق مجرّد عائق عديم الجدوى. كان يؤدّي الدور الموكل إليه ليس إلا.
ساد في عام 2005 جدل واسع حول مسألة الوئام المدني والمصالحة. وكانت الحاجة ملحّة لإنتاج نصوص تساوي بين الوطنيين والإرهابيين وتنزع الشرعية عنهم.
أسلوب داود هذا يندرج ضمن الهجوم الشرس على الوطنيين. إنّه أسلوب ميليشياوي بكل ما للكلمة من معنى. أسلوب الحرب الإيديولوجية الشاملة ضدّ التيار السياسي والاجتماعي الذي أنقذ وطننا. أسلوبه يدعو إلى الحرب والقتل، وهو، على عكس أعمال كتّاب مثل مولود معمري ومحمد ديب، يخدم برنامجاً بدلاً من السعي إلى فهم الجزائر، هذا البلد الذي يتغيّر ويتطوّر ويبحث عن آبائه ومصادر إلهامه. لا بل إضافة إلى ميليشياويتها وخدمتها لبرنامج معيّن، فإنّ كتابات داود تأتي «غبّ الطلب»، مثل قصة «ميرسو» الشهيرة، التي وللمرة الأولى في تاريخ الأدب أتت بنسخة خاصة بالشعب الأصلي وأخرى خاصة ببلاد المستعمِر.
إنّ استعصاء تحليل أسلوب كمال داود يكمن في صعوبة تفسير تخيّلاته وارتباطها باللاوعي الفردي لديه. فتخيّلات داود الفردية تندرج في سياق سيناريوهات تغيير الأنظمة والتخلّي عن الموروثات وقتل الآباء. فما أكسب داود شهرته هو هذه الخدمات التي يقدّمها للطموحات الاستعمارية الجديدة. فأي مفكّر فرنسي، حتى وإن كان عنصرياً، يتجرّأ على التفوّه بهكذا أقوال عن المسلمين من دون أن يدفع ثمن الوصمة العنصرية الباهظ؟
لقد هبّت وسائل الإعلام الفرنسية ضدّ الباحثين الـ13 في مجال العلوم الاجتماعية الذين حذّروا من أنّ تصريحات كمال داود حول كولونيا نابعة من خطاب عنصري وجوهراني بالٍ ومبتذل. أُصيبت وسائل الإعلام الفرنسية تلك بالذعر أمام احتمال أن يكون بعض الجمهور ما زال يطبّق دروس العلوم الاجتماعية لكشف ألاعيبها. ولا شك في أنّ التحالف القائم بين وسائل الإعلام وكمال داود هو أكثر التحالفات رجعية في قرننا الحادي والعشرين، وهو كفيل بأن يمحو قرنيْن من التقدّم في مجال العلوم الاجتماعية، من خلال منعنا من محاولة تفكيك العلاقة بين التصورات الذهنية والرهانات المطروحة في واقعنا الاجتماعي. فلكي تنتشر السرديات الإمبريالية وتسود، ينبغي طمس كلّ ما توصّل إليه علماء وفلاسفة مثل سيغموند فرويد، وكارل ماركس، وبيار بورديو، وجاك لاكان وغيرهم الكثير من علماء الإثنولوجيا والباحثين في مجال العلوم الاجتماعية أو علم النفس أو الاقتصاد.
لا، ليست دعوة كمال داود إلى تشكيل ميليشيات (هو الذي يعرف جيداً أنّ الميليشيات مرادف لأفظع أشكال المعاناة) خطأً أو زلّة انفعالية، بل هي تعبير عن رغبته في الانتقال من القول إلى الفعل، أي إلى الممارسة العملية لكلّ هذا العنف المعنوي الذي يرشقنا به من برج أوهامه الصبيانية، تلك الأوهام التي وجدت بيئة خصبة لتتمظهر، من جهة، في عقدة المستعمِر وكرهه لذاته، الناجمين عن القصور في سياساتنا الثقافية، ومن جهة أخرى في خدمة الطموحات النيوكولونيالية.

* كاتب وأستاذ فلسفة جزائري

المراجع

http://librealgerie.info/2017/12/25/reponse-dun-inquiet-a-un-desespere/

1. http://www.chouf-chouf.com/chroniques/kamel-daoud-la-destruction-de-la-statue-deain-
el-fouara/

2. https://video-streaming.orange.fr/tv/kamel-daoud-revient-sur-sa-chronique-surcologne-
VID0000002jkNx.html

L’Expression http://www.lexpressiondz.com/article/0/0-0-0/282252.html

La dépêche de Kabylie : http://www.depechedekabylie.com/evenement/184146-un-fou-sestattaque-a-la-statue-dain-el-fouara.html