في ضحى يوم شتوي، دخلت قاعة الجواهري في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. وعلى غير موعد، وجدتني أستمع لرجل أبيض الشعر والملبس، يتحدث بنبرة وئيدة في معرض التقديم لشخصية مبدعة كان الاتحاد يحتفي بإنجازاتها. وقد أخذتني طريقته الهادئة في الإشادة والاحتفاء، لكنّ جملة واحدة أطلقها من بين عشرات الجمل تركت وقعاً جميلاً في صميم جوارحي وظلت في بالي تعن لي كلما هممت أن أنظم عملي أو أرتب أفكاري. تلك الجملة ستكون أول وآخر ما سأسمعه من هذا الرجل. أما الجملة فهي «تعلمنا من الغرب أننا حين نكتب عن شيء علينا أن نبتعد عنه». وأما الرجل فهو المفكر فالح عبد الجبار.

هكذا كان فالح عبد الجبار رحمه الله مفكراً دينامياً وهو يستغور الأسرار، وباحثاً موضوعياً وهو يفتش في تاريخ الحركات ودارساً نهماً يتعمق في امتلاك المنهجيات والتزوّد بالنظريات والطرائق والتقنيات. وكل هدفه هو العراق حتى لا شاردة يظفر بها ولا واردة يكتبها إلا ومكانها العراق الذي حمله هدفاً وتطلع إليه موطناً يعيش أبناؤه في سلام.
لقد نفض عبد الجبار بأفكاره التنويرية وأدبياته التحررية عن الذاكرة العراقية غبار سبات كتم على تلافيفها وخيم علي وعيها، فتشوشت الصورة لديها وغارت الحقيقة وما عاد تمييز الصالح من الطالح يسيراً ولا الورع من المرابي ممكناً، إلا لمن تمرأت أمامه الأمور مكشوفة غير مخفية معاينة بمجهرية؛ ليغدو الجزئي كلياً والخفي مكبراً، فينكشف الحقيقي ويميز عن الزائف.
وكان لنجاته من التصفية وإصراره على تطوير إمكانياته البحثية دور مهم في تقديم أطروحات علمية مبنية على التدليل والاحتجاج ومنضبطة بشروط البحث موظفاً المناهج الغربية بأساليب وطرائق تجمع بين المقدس والدنيوي، مبتعداً عن أحكام القيمة متعاملاً مع الموضوعات المدروسة من منطلق بنيوي ووفق نظام معرفي وكفعل اجتماعي رمزي.

عدم خوضه قضايا المرأة عائد إلى أن الواقع السياسي هو في الأصل واقع ذكوري


والمنجز التأليفي الذي تركه المفكر فالح عبد الجبار غني وغزير يتوزع بين التأليف والترجمة والتحرير، وهذا المنجز قد يعمم توصيفه، فيقال إنّه منجز سوسيولوجي، تصب موضوعاته في باب العلوم الاجتماعية وهذا هو نصف الحقيقة لا كلها. كون ذلك المنجز يتعدى في جهوده البحثية حدود علم الاجتماع إلى علوم إنسانية أخرى تجمع ما بين السياسة والاقتصاد والتاريخ والجغرافية والأديان والميثولوجيا والنقد.
الأمر الذي يجعل أقرب توصيف لتجربة فالح عبد الجبار الأكاديمية هو أنها تجربة بحث علمي في التاريخ السياسي والجغرافية الدينية والحياة الاجتماعية للواقع العراقي المعاصر.
وأول كتاب ألفه الراحل كان مداره الاقتصاد وعنوانه «الاقتصاد السياسي للتخلف» (1979) وله كتب متخصصة في علم الاجتماع السياسي وبعضها الآخر متخصص في الجغرافية السياسية. كما كتب في المادية والماركسية والعقلانية والاشتراكية والديمقراطية والقومية والتوتاليتارية التي تناضل في سبيل السلطة وصولاً إلى كتابه «العمامة والأفندي سيوسيولوجيا خطاب حركات الاحتجاج الديني» (2012) الذي يندرج تحت باب التاريخ السياسي الحديث متناولاً التشيع وحركاته السياسية والاجتماعية في العراق.
ومما يلحظ في باب الدراسة الاجتماعية سيادة النزعة الأبوية عند فالح عبد الجبار الذي لم يعط للآخر النسوي أي اهتمام يُذكر، بعكس بعض المفكرين العرب الذين كان للمؤنث عندهم حيز لا بأس به في أطروحاتهم وتنظيراتهم الفكرية ومنهم عبد الوهاب المسيري، ونصر حامد أبو زيد وبدرجة أقل محمد عابد الجابري وأبو يعرب المرزوقي.
وقد يعلل تحفظ فالح عبد الجبار في الخوض في قضايا المرأة والمؤنث ومسائل التحرير والتمركز أن الواقع السياسي هو في الأصل واقع ذكوري ومن ثم يغدو أي طرح منساق في هذا الإطار متموضعاً في منزع الغلبة الذكورية.
وواحدة من أطروحات كتاب «العمامة والأفندي» ما يتعلق باستراتيجية الاحتواء التي اتبعتها أميركا في العراق، فمن العقوبات الاقتصادية إلى عمليات نزع السلاح وحظر جوي، ثم منظور الشيعة في المنفى بمن فيهم من ليبراليين وإسلاميين تجمعهم الأحزاب (الدعوة والمجلس الأعلى والمؤتمر الوطني). وليست مفردة «الشيعة» في منظور فالح عبد الجبار مقولة سوسيولوجية أو سياسية وإنما هي مصطلح ذو دلالة ثقافية فضفاضة قد تميز مجموعة معينة عن جوانب أخرى من ناحية المذهب الديني، لكنها أبداً لا تقرر جوانب اجتماعية ثقافية متمايزة لهذه المجموعة نفسها.
ومما وقف عنده أيضاً قضية الانتهاك الثقافي والعلمنة ولطم الصدور كرمزية لفظية والنظرية السياسية وتفصيل القول في مبدئي الإمامة الشيعي والخلافة السني، متتبعاً مواقف المجتهد ميرزا محمد حسين النائيني وفضل الله نوري ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني، مخصصاً وقفة طويلة للصدر، ومناقشاً فلسفته السياسية التي تقوم على تقسيم السلطة بين الأمة ورجال الدين مع الإبقاء على الخلافة كحكم مقدس. وفي الوقت نفسه، تكون الدولة ليبرالية دستورية دنيوية مؤكداً «أن ليبرالية الصدر السياسية تقف نقيضاً لنموذج الخميني السلطوي» ص483
هذا فضلاً عن اهتمامه بالأصولية المعاصرة وهو صاحب الرأي الذي يقول إن الساسة الشيعة في العشرينيات ارتكبوا خطأ حين فقدوا الحظوة عند القوة الاستعمارية التي هي بريطانيا.
وهذا الانهمام بالسياسة والعمل في منطقتها والنبش في تاريخها هو ما يجعلنا نعدّ المفكر فالح عبد الجبار باحثاً سياسياً أكثر منه عالماً اجتماعياً.
ولعل هذه السمة تنطبق على أكثر مفكرينا العلمانيين وغير العلمانيين لكنها عند عبد الجبار تظهر بادية جلية. وقد لا نغالي إذا قلنا إن أطروحاته التي تصب في علم الاجتماع محددة بالقياس إلى الفيض المعرفي الذي تغدق به مؤلفاته في مجال التاريخ السياسي قبل 2003 وبعدها وباللغتين العربية والانكليزية.
هكذا هم الكبار تبقى مقولاتهم، فيما هم يغادروننا تاركين فينا قدحة من عقل وبريقاً من أمل ووخزاً من ألم يشعرنا أننا سنتحمل تحديات الواقع غير حائدين عن تطلعاتنا مهما كانت تلك التحديات كبيرة ومحبطة.
ورحيل هذا المفكر عن عالمنا يوقظ فينا السبات وينزع عن كواهلنا تبعات التسليم والمطاوعة واللاحراك ويحضّنا على بذل المزيد. لعلنا نصل إلى ما كان هو وأمثاله يصبون إليه من مجتمع حر ودولة مثالية وشعب موحد بلا تكتلات ولا تحزبات.

* أستاذة النقد الأدبي في الجامعة المستنصرية