بغداد | رحل فالح عبدالجبار (1946- 2018)، ودُفن أيضاً، بعيداً عن بغداد. هكذا كانت نهاية المفكّر والباحث المعروف بحركيته الدائمة وبنتاجه النوعي المتواصل. خسارة أكبر من مجرّد فقد، ورحيل ترك الحسرة في قلوب محبّيه وأصدقائه. إنّها خسارة ذات توصيف مختلف؛ لجهة طبيعة الراحل الذي لم يقطع صلته مع مدينته بغداد، ولم ينفك عن رفدها عبر البحث والكتابة بجرعات من الأمل، في عقد عراقي ملتبس وصعب، تناوله صاحب كتاب «العمامة والأفندي» بالتشريح وتلمّس أعماق الظواهر في المجتمع العراقي.

نعم عبدالجبار، الذي رحل قبل أسابيع في بيروت، وخذله قلبه أثناء لقاء تلفزيوني عن العراق، ودفن في لندن محاطاً بدموع أهله وصحبه المفجوعين، كان من أهمّ الأسماء الثقافية والفكرية التي فكّكت عراق ما بعد صدّام وتناولت محطّاته بالتقصّي المتلاحق أو بالكتابة اليومية السريعة في الصحافة العربية والعراقية أيضاً.
أحد أبرز المثقفين الذين دعموا حركة الاحتجاج العراقية خلال السنوات الأخيرة، موثّقاً لها في كتاب «حركة الاحتجاج والمساءلة»، عادّاً إيّاها بداية الانتقال من سياسة الهويّة المذهبية والقومية إلى سياسة القضايا.
واحدٌ من تناولات عبدالجبار المهمّة للمأزق العراقي، كتابه «كتاب الدولة.. اللوياثان الجديد» (الجمل)؛ لما تفحّص فيه من مفاهيم في سيرته للفترة 1968- 2003، مثل: الدولة الريعية، الدولة التسلطية، الدولة الأسرية- التوتاليتارية. وربّما يكون الفصل العشرون من هذا المؤلف مدخلاً لفهم أوضاع البلاد اليوم. ففي «النسب بدل الأمة»، رصد تقدّم مشايخ القبائل على حساب الروابط والمنظّمات الحديثة (النقابات والجمعيات) التي بدأت تتوافد على القصر الجمهوري منذ عام 1991.
وفي جديده «دولة الخلافة.. التقدم إلى الماضي» الصادر قبل أشهر قليلة فقط (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، يتوقّف عند مصائر المجتمع المحلي العراقي في ظلّ «داعش»، معزّزاً شغله بوثائق ولقاءات وشهادات. وفي الخلاصة، يركن إلى مطمح شخصي بتصحيح الإخفاقات القديمة التي أنتجت هذا الحال، من دون أن يؤجّل خشيته من حدوث قصّة إخفاق جديدة في عالم ما بعد «داعش».
لم يسعفنا هذه المرّة نبض قلب مترجم كتابي «الاقتصاد السياسي للتخلّف» و«رأس المال»، وخسرنا عقلاً نظّر كثيراً، منتقداً ومشرّحاً، بهدف الانتباه وجعل مادّة النقد فرصة للمراجعة السياسية والثقافية والاجتماعية. بيروت حيث مشغله في معهد «دراسات عراقية»، كانت شاهدة على هذا الانهمام بتفاصيل الحالة العراقيّة وتعقيداتها، التي أخذت من صحته الكثير، وهو يبدأ نهاراً طويلاً حاملاً حقيبته المملوءة بالملاحظات والأوراق عن أفكار ومواعيد وأرقام هواتف لأشخاص من أكبر مدن العالم إلى أصغر قرية عراقيّة فيها باحث تعاون معه في كتاب أو عمل سابق.
يرحل فالح الذي بقي يفكّر حتّى آخر لحظة بأكثر من مشروع وحلم، بينها كتب تنتظر الطبع، ومعهد كان صلة وصل بين بغداد والعالم العربي، ويظلّ ما أنجزه مجالاً للتداول والاعتبار لسنوات طوال.