صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


-1-

كم نما هذا البطن في غفلة مني، وأصبح ككرة ثلج تدحرجت من أعلى جبال «أوكايمدن»! وكم غارت سُرَّتِي فيه كما يغور رأس سلحفاة في قشرتها الصلبة!
تكور هذا البطن كما يتكور ضفدع في بطن ثعبان التهمه على التو. اخضرت عروقه وبرزت كأنابيب «البونبيدو». لا أعرف ما الذي أفعله بهذا البطن؟! كم تمنيت أن يذوق مرارة الخبط والسلخ كبطون النعاج بعد النفخ! كم رغبت في أن يجرب حلاوة الحمل ليضع بطناً آخر، سيساهم لا محالة في ارتفاع نسبة البطون الجائعة في القارة! كم تمنيت أن يكون هذا البطن لدى مغني أوبرا ليشتته أثناء لحظة اندماج على الـ Ténor! كم تمنيت إعارته لراقص أو راقصة يحركه من أجل الناس والفرجة واللذة!

من مجموعة «هويات» للفنانة التونسية هالة عمار (2011 ــ تفصيل)

إن هذا البطن المدور، الصقيل، البض.. كان من الممكن جداً أن يكون بطناً نحيفاً، ملتصقاً بضلوع ظاهرة بشكل مرغوب فيه، يستلذه المصفقون المحيطون بعارضة أزياء تشبه هيكلاً عظمياً مغطى بجلد اصطناعي في مختبر علمي. ولكن الطبيعة تكره الفراغ كما تبرهن على ذلك أنطولوجيا البطون، فهي إما ممتلئة بالأطفال أو المأكولات أو السوائل أو الأزبال أو الميكروبات...
كم تمنيت أن أعيره دون مقابل، أو أرهنه دونما التزام لرئيس مطبخ فندق مصنف، أو لطبيب يضع فيه مشاريع أطفال سيصدرهم للدول التي يتزوج فيها الذكر الذكر والأنثى الأنثى، وللدول المصابة بالعقم أو التي شاخ شعبها، فيحوله إلى دَلْوٍ بيولوجي لترقيد حيوانات منوية مستوردة من الدول الفحلة، وأساهم بذلك في تناقح الحضارات بشكل عملي!
كلما مررت يدي عليه، أتحسسه كما أتحسس عجائب المكورات البشرية الصدرية والخلفية، أتعجب لماذا لم يدون البيولوجيون في مصنفاتهم فصيلة الكرويات؟! وماذا لو كان لذوي البطون الذيل الافتراضي لداروين؟!
-2-

ترى هل الخبز أم النبيذ قد ساهما في نفخ هذه الكَرْشْ؟ إن حملي هذا يضاهي حمل امرأة في الشهر السادس. لو كنت حاملاً لما فك سراحي وخرجت من وحلي، وعشت «أماً/أباً»، «سعيدة/سعيداً»، دونما حاجة إلى أنابيب الأطباء ولا إلى هلوسات الوحم وأوجاع الوضع، وفتاوى فقهاء الفضائيات المبتسمين!
كم تمنيت أن أتسلل إلى مختبر بيولوجي، وأصُبَّ في هذا البطن المنتفخ ككرة صممتها الفيفا للعب خصيصاً في جبال توبقال، محاليل وأمشاجاً ومُلَوِّنَات. وألاحظ وأستنتج وأحلل وأركب بناء تجريدياً تخييلياً يحل مشاكل الأنثوي والذكوري لدى كل كائن. تمنيت أن أقطع بعض البْيُوبْسَات Les biopsies وأزرع أخرى، وأتفرج دائماً بمتعة العَالِمِ في مخبره لعله ينفجر كقنبلة موقوتة نتيجة خطأ في المزج الكيماوي للمحاليل، أو يتخمر كخميرة بيرة وحشية، فيمتلئ بالدود والفيروسات والطفيليات. وبعد انتهائي من تجاربي وتخميناتي الافتراضية، أسلمه لأول مختبر مشبوه ينظفه ويكتريه للباحثات عن الحرية وعن الأطفال، الحريصات على عدم تشوه جلدات بطونهن. تمنيت أن أضعه تحت حذاء راقصة فلامينكو غجرية أصيلة كي تكون عَفْطَتُهَا مضبوطة عكس راقصات الفلامينكو النحيفات، فتثقبه بفنية سادية كما يثقب المصارع قلب الثور الهائج!
-3-

في كثير من الأوقات، تفتنني شفافية الأشياء، وأرى زغيبات يدي وبطني و.. و.. و.. وأنا أغمس جسدي عارياً في حوض ماء ساخن. أتأمل البطن الممتد المرتخي كقطعة مطاط، فأتخيله بطناً شفافاً بأمعاء شفافة، وبعجينة شفافة. أتخيله خريطة لمسارب الماء وكابلات الهاتف والإنارة في مدينة عملاقة، وأكاد أقارن مدينة بطني بمدينة بطون كائنات بشرية أخرى ممتدة في مناطق من هذه الكرة الأرضية التي تشبه بطني.
وأنا أتحسس سخونة الماء - في حوض الحَمَّام - تسري في مسامي، وتحت التأثير المغناطيسي لدبيبها الممتد تصاعدياً نحو قنة رأسي، أرى بطني كوكباً معلقاً كما يتعلق بطن عنكبوت في شبكته. أراه تارة مدوراً وتارة إهليليجياً، وأشك فيه كما شك أدورنو وكيبلر في شكل الأرض.. آه! كم كانت ظلال بطني ممتدة إلى مجرات أخرى وكأنه شمس يمتد ضوؤها بنفس المسافة إلى كواكب المجرة التي تنتمي إليها!
أتصور أن البطن كوكب، والبطون البشرية والحيوانية –ما دام التشابه صارخاً– كواكب سابحة في الهواء، تتجاذب وتتباعد من خلال نظام دفع كهرومغناطيسي يعود إلى نوع من المأكولات التي يقتاتها كل كائن. فإذا تناول الفرد ذو البطن الطائر أكلاً يتوفر على كالوريات كثيرة وألوان مختلفة، سيطغى لون الطعام الأكثر نصاعة على بطنه الشفاف، ويوَلِّدُ بطنه شحنات حرارية مرتفعة، فَيُصْدِر ضوءاً بلون ما أكله. فالبطون البيضاء يشع منها لون أبيض، بينما السوداء سوداء لأنها الدرجة الصفر من اللون. ولما تتطاير البطون في مداراتها «الكهروبطنية» تشع الأضواء ويتم فرزها في السماء كما تتفارز أضواء النجوم. قد تخرج البطون ذات الألوان الغامقة عن المدار وتتلاشى في بطن غامق كبير يقع أسفل كل البطون الطائرة: «كل بطن بما فيه يرشح».
أميز في السماء صُرَّة بطن بيضاء مشتعلة تسقط بسرعة الضوء المنبعث منها. أظن أنها صُرَّة بطني تتهاوى.. تندحر.. تنحدر نحو الأسفل.. نحو الأعمق.. وقعت أخيراً في قعر البطن العظيم.
-4-

لم لا يكون هذا البطن في الخلف عوض الأمام، ويحمل كل واحد منا مخزونه ليتيح الإنسان للإنسان تسطيح الحب بكل ما تتطلبه اللحظة من ثقل جاذبي صادر من أعلى: تنزل الحمولة العليا على مسطح سفلي مُسْتَقْبِلٍ يأتي من آخَرَ مُرْسِلٍ ضاغط، فيخفف «ظهر/بطن» المستلقي ثقل الأعلى المنكفئ الضاغط؟!
-5-

حلمت بأن أحد لصوص الحافلات قد بقر بشفرته الحادة – خطأ لأنه كان يقصد الجيب- بطن رَاكِبٍ يندفع نحو الوسط. كانت البطن مكورة كحبة فستق تستقر وسط كرة شوكولاطة سويسرية محكمة التدوير، لا تتيح لأحد المرور. أَطَلَّت أمعاء الرجل القادم نحو الوسط، وحشوة حشاه تتملص ببطء، والرجل البدين قادم نحو الوسط دائماً. انفلتت الحمولة بسرعة مباغتة، فانتبه الجميع إلى ما وقع أمام ذهول صاحب البطن المندلقة. كيف تحول الرجل إلى خفة ناموسة في لحظة وجيزة؟! قفز بخفة غير معتادة وسقط على ظهره، كما يسقط صاحب حمل ثقيل بعد انفلات ما بين يديه نحو الخلف فاقدا توازنه.
-6-

ربما أحتاج إلى شبكة حسابية عَنْكَبِيَّةٍ أستعيد بها بطني!
* قاص وكاتب من المغرب