ماجدلينا كارمن فريدا كالو كالديرون (1907- 1954). هذا الاسم العجائبي ستختزله صاحبته لاحقاً بحرفين فقط هما: fk على غرار توقيع فرانز كافكا، لكن بكوابيس أكثر فزعاً، عاشتها في وضح النهار إلى آخر يوم في حياتها. تعرُّضها لحادثة سير، أحالها إلى حطام جسد معذّب بمشدّات معدنية تمتد من أعلى العمود الفقري إلى الحوض، وسُتبتر إحدى قدميها لاحقاً بسبب الغرغرينا، لكنها ستنتصر على عذابات جسدها وتشوهاته بفساتين طويلة ملوّنة، وأوشحة وقلائد وأقراط وخواتم. لا يمكن استعادة سيرة الرسامة المكسيكية فريدا كالو من دون أن نذكر اسم شريكها دييغو ريفيرا (1886 -1957) صاحب الجداريات الملحمية المدهشة، واضطراب حياتهما بسبب الخيانات العاطفية المتبادلة. سيكون تروتسكي أحد عشاق فريدا، فيما سيقع ريفيرا بغرام عشرات النساء. الفيل أو الثور الأعمى، والفراشة الهشّة التي عشقته بجنون كانا نموذجاً استثنائياً في التمرّد على الأعراف. يقول الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس (1928 -2012) في تقديمه ليوميات كالو (1995): «إنها ليست رسّامة أحلام، وإنما رسّامة واقعها، ترسم نفسها، معبد جسدها الممزّق، وما تبقّى لها من روح وفكاهة». أما هي، فتقول: «أكتب للجميع بعينيّ». اثنتان وثلاثون عملية جراحية، من أجل ترميم جسد حزين، عاثت به مباضع الجرّاحين، لكنها لم تستسلم للألم. جسد ملفوف بالأضمدة، فوق أسرّة المشافي، وريشة تعبث بالألوان في مواجهة الوحدة. كتبت عشرات الرسائل إلى أصدقائها وعشاقها، ورسمت مئات اللوحات والتخطيطات لنفسها ببسالة سريالية، ما جعل أندريه بروتون يصفها بقوله «قنبلة متشبثة إلى أعمدة اللغة»، ثم سيقتني «متحف اللوفر» بورتريهاً لها، كما لو أنها موناليزا مُعذّبة. امرأة غريبة الأطوار بحاجبين ثخينين ونظرة غزالة، كتبت سيرتها باللون، فيما كانت رسائلها الضفة الثانية لشخصيتها المتفرّدة.


كان حبها الأول أليخاندرو غوميز أرياس، وستكتب له في رسالة مبكّرة «أنا التي أحببتك كما لم يحبك أحد»، و«وُلدتُ حقاً لأكون حوض زهور». رسائل الحب التي بعثتها كالو إلى ريفيرا وتم العثور عليها في كتاب «مذكرات فريدا كالو: صورة ذاتية حميمة» والتي تغطي سبعة وعشرين عاماً من علاقتهما، تنطوي على أحاسيس عميقة وملتهبة ورغبة جنونية: «أستشعر طعم اللوز من شفتيك في فمي» تقول. قدّيسة شهوانية وعابثة ترسم بشرايينها خرائط الألم والعزلة والوحشة، فيما تكمل رسائلها ما خفي من سيرتها الذاتية بأمواجها العاتية.
هنا مختارات من رسائلها التي ستصدر كاملة تحت عنوان «رسائل فريدا كالو» عن «دار نينوى» في دمشق، بترجمة سيزار كبيبو.

إلى أليخاندرو غوميز أرياس
1 كانون الثاني/ يناير، 1925
حبيبي أليكس،
حتماً تعتقد بأنني وقحة، لكن برغم وجود أنيتا رينا الحسناء، يوجد أيضاً فريدا كالو التي لن تترك وحيدة، فمن المفترض أنها حبيبة أليخاندرو غوميز أرياس، وفقاً لها وله. بعيداً عن ذلك، فقد أحببت حقيقة أنك كنت صادقاً معي، بأنك أخبرتني بأنها جميلة للغاية، وبأنها رمقتك بنظرة مليئة بالكره، كعادتها. من المعروف جيداً أنك مازوخي تستعيد بحب ذكرى الأشخاص الذين تعتقد بأنهم لا يحبونك. لكنني متأكدة من أن هذا لن يحدث معي، أنا التي أحببتك كما لم يحبك أحد؛ لأنك صديق رائع لي، ستحبني برغم معرفتك بأنني متيمة بك، أليس كذلك يا أليكس؟ مهلاً يا أخي الصغير، الآن في العام 1925، سنتيّم ببعضنا البعض، اتفقنا؟
إنه من الجيد أن أواجه الحقيقة لمرة واحدة وإلى الأبد، وهكذا لن أرى أبعد من الناحية الإيجابية والسلبية (لأنني ما زلت غبية بعض الشيء، أليس كذلك؟)
فكرت بك في منتصف الليل يا حبيبي أليكس؛ هل تفكر بي؟ أعتقد أنك تفكر بي أيضاً، لأن أذني اليسرى طنت. حسناً، كما تعرف، «سنة جديدة، حياة جديدة».
في هذا العام امرأتك الصغيرة لن تكون لوزاً مسكّراً، قيمته سبعة بيزو، وإنما أحلى وأفضل لوز عُرف يوماً، لتستطيع أكله كله...
فتاتك التي تعبدها، فريدوتشيتا

إلى أليخاندرو غوميز أرياس
10 كانون الثاني (يناير)، 1927
أنا، ومثل العادة، مريضة. أترى كم هذا مضجر. لا أعرف شيئاً آخر لأفعله، فأنا على هذه الحال منذ أكثر من سنة وقد طفح الكيل. أتذمّر من أشياء كثيرة، مثل العجائز! أجهل كيف ستكون حالي عندما أبلغ الثلاثين. يتعين عليك لفي في قماش قطني وحملي طوال اليوم. لا أعتقد، كما أخبرتك في أحد الأيام، بأنك تستطيع حملي في حقيبة، لأنها لن تتسع لي ببساطة. [...] أحتاج أن تخبرني عن أمر جديد لأنني ولدت حقاً لأكون حوض زهور لا يغادر مطلقاً غرفة الطعام. أشعر بملل مريع مريع!! ستقول بأنه يتوجب عليّ القيام بشيء مفيد، الخ، لكني لا أشعر برغبة بذلك.

إلى دييغو ريفيرا
23 تموز (يوليو) 1935
شاءت الأقدار أن أرى رسالة محددة، في معطف محدد، تعود لرجل محدد، أرسلتها سيدة محددة من ألمانيا البعيدة اللعينة. أعتقد بأنها السيدة التي أرسلتها ويلي فالنتينير إلى هنا لتتسلى، إلى جانب تحقيق أغراض «علمية» و«فنية» و«أثرية». أثارت حنقي وغضبي ولأصدقك القول، أثارت غيرتي...
لماذا يتعين عليّ أن أكون شديدة العناد والتصلب لدرجة تحول دون فهمي أن الرسائل، المشاكل المتعلقة بالتنانير، ومعلمات... اللغة الإنكليزية، وعارضات الأزياء الغجريات، المساعدات من ذوات «النوايا الحسنة»، التلميذات المهتمات بـ «فن الرسم»، والنساء المفوضات اللواتي أرسلن من أماكن قصيّة لسن سوى مجرد نكتة، وأنه في أعماقك أنت وأنا نعشق بعضنا البعض؟ برغم أننا خضنا مغامرات لا محدودة، وتصدعات في علاقتنا، تبادلنا «ذكر» أمهاتنا، وشكاوى دولية، ألم نعشق بعضنا البعض طوال الوقت؟ أعتقد أن ما يحدث هو أنني غبية وحمقاء بعض الشيء لأن جميع هذه الأشياء حدثت وتكررت خلال السنوات السبع التي قضيناها معاً. كل هذا الغضب جعل الصورة أمامي أكثر وضوحاً لأفهم بشكل أفضل أنني أحبك أكثر مما أحب جلدي. برغم أنك لا تحبني بقدر ما أحبك، إلا أنك تحبني قليلاً على أي حال، أليس كذلك؟ إن لم يكن هذا صحيحاً، سآمل بأن يكون كذلك، وهذا يكفيني...
ليكن في قلبك بعض المحبة لي، فأنا أعبدك
فريدا

إلى نيكولاس موراي
27 شباط (فبراير) 1939
حبيبي نك،
تلقيت صباح اليوم رسالتك التي وصلت بعد أيام طويلة من الانتظار. غمرتني سعادة كبيرة دفعتني للبكاء حتى قبل قراءة الرسالة. يا صغيري، يتعين عليّ عدم التذمر حول أي شيء يحدث لي في الحياة، طالما تحبني وأحبك. هذا الحب حقيقي جداً وجميل لدرجة تنسيني كل آلامي ومتاعبي، وتنسيني حتى المسافة التي تفصلني عنك. منحتني كلماتك شعوراً بمدى قربي منك وكدت أسمع ضحكتك، صافية وصادقة جداً، الضحكة التي تملكها أنت دون غيرك. أعد الأيام التي تفصلني عن عودتي. شهر آخر! وسنكون بعدها معاً مجدداً...
يجب أن أخبرك يا عزيزي أنك أسأت التصرف. لماذا أرسلت شيكاً بمبلغ 400 دولار؟ صديقك سميث شخص خرافي. لقد كانت بادرة لطيفة جداً، ولكن أخبره أنني لن ألمس الشيك إلى حين عودتي إلى نيويورك. سنناقش هذه المسألة حينها. حبيبي نك، أنت ألطف شخص قابلته في حياتي. ولكن اسمعني يا حبي،
أنا حقاً لا أحتاج إلى النقود الآن. ما زال بحوزتي القليل من النقود التي جلبتها معي من المكسيك، كما أنني عاهرة ثرية جداً، هل كنت تعرف ذلك؟ أملك نقوداً تكفيني للبقاء لشهر آخر. وبحوزتي الآن تذكرة العودة.
كل شيء تحت السيطرة، هذا حقيقي يا حبي، من غير العدل أن تنفق مالاً إضافياً. وعلى كل الأحوال، لا يمكنك تخيل مدى شكري وامتناني لرغبتك بمساعدتي. تعجز الكلمات عن وصف مدى سعادتي لمجرد محاولتك إسعادي ولأنك طيب جداً وفاتن... عشيقي، وفردوسي، حبيبي نك، حياتي، صغيري، أعبدك.
قدّيسة شهوانية ترسم بشرايينها خرائط الألم والعزلة والوحشة


خسرت بعض الوزن بسبب مرضي. عندما أعود، تكفي نفخة واحدة منك، لأطير إلى الطابق الخامس من فندق لا سالي! اسمع يا صغيري، هل تلمس كل يوم ذلك المشعل المعلق على المصطبة؟ لا تنس أن تلمسه يومياً. ولا تنس أيضاً أن تنام على وسادتك الصغيرة لأنني أحبها فعلاً. لا تقبل أحداً أثناء قراءتك للإشارات والأسماء المعلقة على الطرق. لا تصطحب أحداً غيري إلى متنزه سنترال بارك. إنه حصري لنك وشاتيل... لا تقبل أحداً على الأريكة الموجودة في مكتبك. يمكن لبلانش هيز فقط دون سواها تدليك عنقك. يمكنك فقط تقبيل والدتك قدر ما تشاء. لا تمارس الحب مع أحد، إن استطعت الاحتمال. مارس الحب فقط في حال وجدت فتاة عابرة، ولكن لا تقع في حبها. العب بالقطار الكهربائي من حينٍ لآخر إن لم تكن مرهقاً بعد العمل. كيف حال جو جينكس؟ كيف حال الرجل الذي يدلكك مرتين أسبوعياً؟ أكرهه لأنه يأخذك مني.

رسائل حب إلى دييغو ريفيرا
الحقيقة، ويا له من أمر رائع، أنني لم أرغب بالتحدث أو النوم أو الإصغاء أو الحب. أن أشعر بنفسي محاصرة، دون خوف من الدماء، خارج الزمان والسحر، داخل خوفك أنت، وحرقتك الهائلة، وداخل كل نبض في قلبك. ولو طلبت كل هذا الجنون منك، وأنا أعرف، فلن أجد في صمتك سوى الارتباك. أطلب منك العنف، في اللا معنى، وأنت، أنت تعطيني الإحسان وضوءك ودفئك. أود رسمك، ولكن لا توجد ألوان تكفي، فأنت مليء بالألوان، في ارتباكي، الشكل الملموس لحبي العظيم.

دييغو:
لا شيء يضاهي يديك، لا شيء يشبه اللون الأخضر الذهبي في عينيك. جسدي ممتلئ بك لأيام وأيام. أنت مرآة الضوء. الومضة العنيفة للضوء. نداوة الأرض. جوف إبطيك ملاذي. أصابعي تلامس دمك. كامل متعتي تتجلى من خلال شعوري بالحياة تتدفق من نافورة زهورك التي تحتفظ بها نافورتي لملء كامل طرق أعصابي التي هي أعصابك.

■ ■ ■

إلى الأبد وإلى اللا نهاية. الآن في العام 1944. بعد كل الساعات التي بقيت فيها على قيد الحياة. تواصل ناقلات الجراثيم مسارها في اتجاهها الأصلي. لا شيء يوقفها. لا تملك من المعرفة أكثر من المشاعر الحيّة، ولا رغبة لديها سوى الاستمرار إلى أن يحدث اللقاء. ببطء. باضطراب عظيم، ولكن مع اليقين أن «القسم الذهبي» يقود كل هذا. ثمّة ترتيب خلوي. ثمّة حركة. ثمّة ضوء. جميع المراكز هي نفسها. الحماقة غير موجودة. نحن ما زلنا كما كنا عليه وكما سنبقى. لا نعتمد على المصير الغبي.
■ ■ ■

حبيبي دييغو:
مرآة الليل
عيناك الخضراوان تنغرزان كالخنجر في لحمي. الأمواج تتلاطم بين أيدينا.
أنت بأكملك في فضاءٍ مليء بالأصوات، في الظل وفي الضوء. كان اسمك المصباغ الذي يلتقط اللون. أنا حاملة اللون الذي يعطي اللون.
أنت كل تراكيب الأرقام. الحياة. رغبتي تتمثل في فهم خطوط حركة الظلال. أنت تحققها وأنا أتلقى. تسافر كلماتك عبر الفضاء بأكمله وتصل إلى خلاياي التي هي نجومي ثم تذهب إلى خلاياك التي هي ضوئي.
■ ■ ■

إنه ظمأ سنوات عديدة كنا فيها محتجزين في أجسادنا. كلمات مكبّلة لم نستطع قولها إلا على شفاه الأحلام. كل شيء كان محاطاً بالمعجزة الخضراء للمشاهد الطبيعية لجسدك. على هيئتك، تستجيب أهداب الأزهار للمستي، وهمهمات الجداول. كل أصناف الفاكهة تجمعت على عصير شفتيك، دم الرمان، أفق تفاح المامي والأناناس العذب. أضمك إلى صدري فتتوغل أعجوبة هيئتك في كل دمي من خلال أطراف أصابعي. عبير لبّ البلوط، ذكريات الجوز، النَفَس الأخضر لشجرة الرماد. الأفق والمشاهد الطبيعية تعقبتهما بقبلة. سيشكل نسيان الكلمات اللغة الدقيقة لفهم نظرات أعيننا المغمضة. أنت هنا، غير ملموس وأنت كل الكون الذي شكلتُه داخل فضاء غرفتي. غيابك ينابيع ترتجف مع دقات الساعة في نبض الضوء، أنت تتنفس من خلال المرآة. منك أنت إلى يديّ، أعانق كامل جسدك، وأنا معك لدقيقة وأنا مع نفسي للحظة. ودمي هو المعجزة التي تجري في أوعية الهواء من قلبي إلى قلبك.
المعجزة الخضراء للمشهد الطبيعي لجسدي يصبح في جسدك الطبيعة برمتها. أطير فيها لأعانق الهضاب المدوّرة بأطراف أصابعي، تغوص يداي في الوديان المظللة في سعي للتملك وأنا أتكور في طوق الأغصان الناعمة، خضراء وباردة. أتغلغل في جنس الأرض كلها، قلبها يحرقني ويحتك كامل جسدي بانتعاش الأوراق الرقيقة. نداها عرق الحبيب المتجدد أبداً.
ليس الحب أو الرقة أو التأثر، إنه الحياة ذاتها، حياتي، بأنني وجدت ما رأيته في يديك، في ثغرك وصدرك. أستشعر طعم اللوز من شفتيك في فمي. لم يخرج عالمانا أبداً. يمكن لجبل واحد فقط أن يعرف جوهر جبل آخر.
يطوف حضورك للحظة أو لحظتين كما لو أنه يطوق كينونتي كلها، وهو ينتظر بقلق بزوغ الصباح. لاحظت أنني معك. في تلك اللحظة كنت ما أزال ممتلئة بالمشاعر، ويداي غائصتين بالأعضاء، وجسدي يشعر باحتضان ذراعيك.
■ ■ ■

إلى حبيبي دييغو
واهب الحياة الصامت للعالَمَين، والأهم هو اللا وهم. يطلع الصباح، الأحمر الودود، الأزرق الكبير، اليدان المليئتان بأوراق الشجر، العصافير الصاخبة، الأصابع في الشعر، أعشاش الحمام هي فَهمٌ نادر لبساطة الصراع البشري في سبيل الأغنية الخالية من أي معنى، حماقة الريح في قلبي- لا تسمحي لهم يا فتاة القافية- الشوكولا الحلوة للمكسيك العتيقة، عاصفة في الدم تدخل من خلال الفم- التشنج والفم والضحك وإبر الأسنان الرقيقة للؤلؤ، من أجل هدية ما طلبتها في السابع من تموز، وحصلت عليها، أغنّي، غنيت، سأغني من الآن حبنا الساحر.


فريدا كالو تجمّل نفسها
سيقام في شهر حزيران (يونيو) المقبل أكثر معارض الأزياء ترقباً للعام 2018. إذ سيعرض «متحف فيكتوريا وألبرت في لندن»، ما يزيد على 200 قطعة من المقتنيات الشخصية للفنانة المكسيكية فريدا كالو، التي تعد إحدى أبرز المبدعات في القرن العشرين وأكثرهن تميزاً.
يحمل المعرض اسم «فريدا كالو: تجمّل نفسها»، وستعرض رسائلها ولوحاتها، إضافة إلى قطع من ملابسها التي تضج بالحياة والمستوحاة من منطقة برزخ تهوان ‌تيك في المكسيك، وتشتمل على مجوهرات تحمل بصمتها الخاصة وعقوداً صنعتها بيديها.
وُثّقت حياة كالو العاصفة بشكل جيد، وقد اشتهرت بتجاهلها للتوقعات الاجتماعية، وتوجهها السياسي والصراعات التي خاضتها لمواجهة وضعها الصحي المتأزم. غير أن ذوقها الصارخ في انتقاء فساتينها كان دائماً محط اهتمام متابعيها، وقد استخدمت كالو هذا للتعبير عن المصاعب والمشاق التي واجهتها. كتبت في يومياتها: «أكثر ما أحبه في وجهي هو حاجباي وعيناي»، ومن الصعب تجاهل حاجبيها وعينيها. وفي الوقت الذي كانت تسعى النساء للظهور بأبهى صور الأنوثة، رفضت فنانتنا «الأعراف» الاجتماعية المرتبطة بالجمال ومقتتها. ولا يزال خيارها في تحدي الصور السائدة مطروحاً في النقاشات الدائرة حتى اليوم والمتعلقة بالجندرية والجمال.


عكس التيار
ولدت لتكون في موقع الضّد «إنني مجرد خلية صغيرة في تلك الحركة الثورية». بهذه العبارة لخّصت فريدا كالو تجربتها كشيوعية مكسيكية. علاقتها بدييغو ريفيرا وليون تروتسكي، ثم قراءة أعمال لينين وستالين وضعتها في خندقٍ آخر، بعد مرحلة من التخبط والفوضى والتمرّد الذاتي. هكذا تسللت إلى أعمالها بورتريهات القديسين الجدد (ماركس ولينين وستالين) إلى جانب أيقونات المسيح والعذراء. مزاج صعلوكي تتناوبه أحوال من الرفض والفكاهة، وتلمّس حداثة ينبغي تأصيلها، بصرف النظر عن التقاليد المحلية. وإذا كان ريفيرا قد تهكّم من وصفه «بيدق الشيوعية» في أميركا، فإن كالو ولدت لتكون في موقع الضد، سواء في ارتدائها ملابس رجالية أو انخراطها في الحركات الطلابية، بالإضافة إلى شغفها في التحرّر من كل الأصفاد التي تعيق اندفاعاتها السريالية وجنونها الفردي وثورتها الداخلية التي ستنعكس لاحقاً على مواقفها الثورية المعلنة: «أصبحت اليوم في صحبة أفضل مما كنت عليه طوال 20 عاماً، أصبحتُ ذاتاً، ذاتاً شيوعية» تقول.