لدينا أدناه ثلاثة ثواليث مكونة من ذكر وأنثيين:

1- إيزيس، نفتيس، أوزيريس
2- الشعرى العبور، الشعرى الغميصاء، سهيل اليماني
3- راحيل، ليئة، يعقوب
4- هاجر، سارة، إبراهيم
ويمكن القول إن هذه الثواليث كلها ذات طابع واحد، أي إنه يمكن وضع علامة مساواة بينها. الأسماء تختلف، لكن الطبيعة واحدة.
المرأتان في كل هذه الثواليث ضرّتان، أي زوجتان للذكر. لكنهما أيضاً أختان لهذا الذكر في الأصل. فأوزيريس كان أخاً لإيزيس وزوجاً لها. لكنه أيضاً أقام علاقة جنسية مع نفتيس، نتج عنها الطفل أنوبيس، الذي تبنته إيزيس. أما إبراهيم، فزوج سارة وهاجر معاً. لكنه حين ذهب إلى مصر، أخبر المصريين أن سارة أخته. أي أنها أخته وزوجته معاً. ولم يكن قوله هذا كذبة بريئة للنجاة، بل اتباعاً لأصل أسطورة الثواليث هذه. في المقالب، فإن العرب «تقول في خرافاتها: إن سهيلا والشعرى كانا زوجين، فانحدر سهيل فصار يمانيا (كان شمالياً، فانحدر وصار جنوبياً)، فاتبعته الشعرى العبور، فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء، فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناها فسميت غميصاء» (القرطبي، تفسير القرطبي). لكن الآبي يؤكد لنا أن الشعريين أختا سهيل أيضاً: «وذلك أنهم يزعمون أن الشعريين هما أختا سهيل» (الآبي، نثر الدر). وقد تزوج سهيل أخته العبور. وأغلب الظن أنه تزوج أختها الغميصاء أيضاً، وإلا لماذا بكته حين غادرها، وحظيت به أختها.
أما ليئة وراحيل فأختان، وقد تزوجهما يعقوب معاً. والأصل الأسطوري أنه كان أخاهما في ما نعتقد، حتى لو لم تخبرنا التوراة بذلك. ليئة تساوي الشعرى الغميصاء. والشبه واضح جداً بينهما. فليئة كانت ضعيفة العينين حسب التوراة: «وكانت ليئة ضعيفة البصر، وأما راحيل فكانت جميلة الصورة وحسنة المنظر: (تكوين 59). وهذا هو حال الغميصاء. فالغمص أو العمص هو مرض في العين. وعرض العين هذا رمز لضعف إضاءة نجمة الشعرى الغميصاء مقارنة بقوة إضاءة نجمة الشعرى العبور. وهذا يعني أن ليئة وراحيل نجمتان سماويتان في الأصل. مثلهما مثل الشعريين، العبور والغميصاء».

المكان الأصلي ليعقوب وإبراهيم وموسى وهارون وإسرائيل وداود هو السماء


والحال أنّ واحدة من المرأتين تتبع زوجها في رحيله وهجرته، في حين تستنكف الأخرى عن تبوعه ولا ترتحل وراءه. بذا فالأسماء المختلفة لهذه المرأة تحمل معنى الهجرة: راحيل من الرحلة، وهاجر من الهجرة، والعبور من القطع والعبور في السفر. ونفترض أن أصل اسم إيزيس يجب أن يحمل هذا المعنى، بشكل أو آخر.
وتبعاً للأسطورة العربية، فإن الشعرى العبور عبرت نهر المجرة وراء سهيل، الذي كان يقيم على الضفة الغربية لهذا النهر. أما أختها الشعرى الغميصاء، التي تقيم على الضفة الشرقية لنهر المجرة عن كوكبة الذراع، فلم تعبر وراءه. تلكأت ولم تتبعه إلى الضفة الغربية. ويبدو أن هذا هو حال ليئة مع يعقوب أيضاً. فاسمها ذاته يعني التلبث والتلكؤ، فهو من الجذر لأي: «الَّلأْيُ: اللُّبْثُ، وقد لأَيْت أَلأَى لأْياً، وقال غيره: لأئيْت في حاجتي... أَبطأْت. والتَأَتْ هي: أَبْطَأَت» (لسان العرب).
بناء على هذا، فالجغرافيا الأصلية لهذه الثواليث جغرافيا سماوية. فهي في الأصل موجودة على ضفتي نهر المجرة. بذا فمن العبث الجدال حول ما إذا كان إبراهيم في الأصل في مكة أو القدس أو حرّان. إبراهيم كائن إلهي، ومفهوم ديني. وهذا المفهوم يمكن أن ينزّل بالحجر أو الآجر، أي يبنى له معبد، في أي مكان. لهذا نرى إبراهيم في مكة وفي القدس، وفي أماكن أخرى كذلك. ومن السخف القول إنه ليس في مكة. قد يكون المعبد القدسي سابقاً للمعبد المكي في الزمن، لكن إبراهيم موجود في المكانين معاً. أي أن معبده، المعبد الأول والبدئي، موجود فيهما. أما وجود الأصلي، ففي السماء، وليس في القدس أو مكة أو حران. كما أن وجود إيزيس الأصلي في السماء. إنه في الأصل نجم سماوي. وهذا النجم هو نجم (سيريوس) أي الشعرى العبور العربية. أما أوزيريس، فله نجمه السماوي أيضاً، وهو كنوبوس، أي سهيل اليماني العربي.
غير أن هناك من شغلوا أنفسهم بالبحث عن إبراهيم ويعقوب وغيرهما في جنوب السعودية أو في اليمن أو غيرهما. وهذا ضلال كبير. المكان الأصلي ليعقوب وإبراهيم وموسى وهارون وإسرائيل وداود هو السماء. من أجل هذا، فلداود نجمته الشهيرة (نجمة داود). وهذه النجمة هي ذاتها هي نجمة سهيل اليماني على طرف برج الجوزاء.
مقام الآلهة في السماء. أما البشر فيبنون لهم بيوتاً على الأرض في أي مكان أحبّوا.
وأخيراً، فإن ديانة المنطقة مبنية على مبدأين اثنين: الذكر والأنثى. لكن هذيين المبدأين يتفرعان إلى ثلاثة أنواع من الثواليث:
أولاً: النوع الأول الذي ناقشناه هنا. وفيه ينقسم المبدأ المؤنث إلى قسمين، أي يصبح امرأتين: إيزيس ونفتيس، أو هاجر وسارة، وهكذا. أما المبدأ المذكر، فلا ينحل إلى اثنين. أي أن وجهي الكون الذكري يظلان متحدين: أويزيس، سهيل، يعقوب، إلخ.
ثانياً: النوع الثاني ينحل فيه المبدأ المذكر إلى قسمين، في حين يظل المبدأ المؤنث موحداً. ومثال ذلك الثالوث العربي: اللات والعزى ومناة. اللات ومناة ذكران. والعزى أنثى.
ثالثاً: ثالوث العائلة المقدسة، مثل الثالوث المسيحي: الآب والابن والروح القدس. ومثاله عند العرب والأنباط ثالوث ذي الشرى حيث الابن يكون مع الأم.
بالطبع يمكن في لحظات أن يتبدى الثالوث كما لو أنه مكون من إناث أو ذكور، كما هو الحال مع بنات أيوب الثلاث، أو أصدقائه الثلاثة. لكن وراء التسميات التي قد تضلل بعضهم، فإن الثالوث مكون في الجوهر من المبدأين المذكر والمؤنث معاً.

* شاعر فلسطيني