في «غرب كنيس دمشق/ محاولات صهيونية لاختراق المجتمع السوري 1914 – 1954» (الريس)، يحاول المؤرّخ السوري سامي مروان مبيض الإضاءة على المحاولات الصهيونية الدؤوبة لاختراق المجتمع العربي منذ أوائل التواجد الصهيوني كمفهوم سياسي مرتبط بالمنطقة. يسعى الكاتب لمقاربة التاريخ لا من وجهة نظره فحسب، بل من خلال مقابلاتٍ حصرية أجراها مع شخصياتٍ كانت مؤثرة في زمن أحداث الكتاب. عاصرت هذه الشخصيات محاولات الوكالة اليهودية للولوج داخل المجتمع السوري، والتأثير على العائلات الدمشقية التي كانت تمتلك أراضي في فلسطين. قبل قراءة الكتاب، يجب الإشارة إلى أنَّ العلاقات الواردة في الكتاب وتحكي عن محاولات الحركة الصهيونية إقامة علاقاتٍ مع القيادات العربية، لم تكن آنذاك بمثابة «تطبيع» مع عدو، بل كـ «جس نبض» ربما من الطرفين. الأوّل يريد أن يفهم ماهية طبيعة المكان وسكانه وقادته، والثاني يحاول بسبب الضغوط الكبيرة عليه (من احتلالات وانتدابات متنوعة) إيجاد وسيلة لحل المشكلة ولو سياسياً.


يشير الكتاب إلى علاقة الحركة الصهيونية ومحاولاتها المستميتة لدخول سوريا. يحكي مثلاً عن حقي العظم رئيس وزراء سوريا الذي عيّنه الجنرال غورو على دمشق. كان العظم متشدداً في التعامل مع الحركة الصهيونية، فكان أول من فرض «سمة دخول» (أشبه بالفيزا) على القادمين باتجاه سوريا من فلسطين (حدث ذلك بعد إيجاد مسدس في غرفة الفندق الذي يقيم فيه أحد القادمين اليهود من هناك). كان العظم رافضاً بأي شكل من الأشكال التعامل مع الوكالة اليهودية. وسرعان ما أدار الصهاينة وجههم ــ بحسب الكتاب- بعيداً عن سوريا ووجهائها ويمموا شطر الأردن، إذ كان عبدالله ملك الأردن خير معين لهم. كان الرجل مستعداً لإبرام اتفاقاتٍ شاملة معهم «إرضاء لطموحه السياسي غير المحدود».
حاول بن غوريون تقديم عرضٍ للسياسيين الفلسطينيين عبر رياض الصلح


يكشف مبيض حقائق ربما لا يعرفها القارئ عن علاقات الزعماء العرب بالحركة الصهيونية، كتلك التي يوردها عن اللقاء الذي جرى بين رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح (لم يكن قد أصبح رئيساً بعد)، ورئيس الحركة الصهيونية حاييم وايزمان، وعمدة مدينة القدس الأسبق موسى كاظم الحسيني. اللقاء الذي جرى في لندن داخل مبنى وزارة المستعمرات البريطانية في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1921، ارتكز إلى معرفة الشاب اللبناني بالمسؤول الصهيوني والتعارف الذي حصل في السابق بين موشي شاريت (ثاني رئيس وزراء لإسرائيل) والصلح، اللذين تعرّفا إلى بعضهما وهما لا يزالان طفلين في فلسطين وتحديداً في أريحا حين كان الصلح يقضي الصيف مع عائلته هناك، فيما كان شاريت يعمل في «مزرعةٍ» فلسطينية لآل الحسيني. مصدر هذه اللقاءات كان الأوراق الرسمية البريطانية المحفوظة في المتحف البريطاني. طبعاً ما يشير إليه الكتاب هو أنَّ الصلح وإن استمع لوايزمان، إلا أنه لم يتعاطف معه، بل رفض فكرة الدولة اليهودية. لاحقاً، عاد الصلح واجتمع مع بن غوريون (أول رئيس وزراء لدولة العدو) وكان قد أصبح رئيساً للوكالة اليهودية وقتها في 15 حزيران (يونيو) 1934. في هذا الاجتماع، حاول بن غوريون إيصال عرضٍ للسياسيين الفلسطينيين عبر السياسي اللبناني، لكن الأمر لم يحصل.
يغوص الكتاب أكثر في محاولات الحركة الصهيونية الحثيثة آنذاك (بدءاً من عام 1914) حين التقى عبدالرحمن الشهبندر (الزعيم المحلي السوري المعروف) مع نعوم سوكلوف في دمشق قبل اشتعال الحرب العالمية الأولى. يومها، رفض «الحكيم» (لقب الشهبندر الشعبي) إعطاء الصهاينة أي تنازلٍ بالنسبة للقضية الفلسطينية. حاول وايزمان استغلال كونه «أستاذ كيمياء جامعياً معروفاً وله قيمته العلمية» (أسس مع آينشتاين –زميله أيضاً- الجامعة العبرية في القدس، فضلاً عن تعليمه لسنواتٍ في أوروبا)، ليتقرّب أكثر من الشهبندر الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت وأحد مؤسسي كلية الطب في الجامعة السورية (عرفت لاحقاً بجامعة دمشق). حصل الاجتماع هذه المرّة عام 1936 (تحديداً في 23 أيلول/ سبتمبر). حاول وايزمان أن يلعب كثيراً على فكرة الهجرة الصهيونية والعدد الذي يمكن أن تصل إليه هذه الحشود المهاجرة، مطالباً بأن تصل إلى 50 في المئة من التعداد السكاني لأهل فلسطين، «حتى تتساوى في الحقوق والواجبات مع الشعب الفلسطيني». في نهاية المطاف، لم يصل المجتمعان إلى حل، إذ كان كلام الشهبندر واضحاً: «أعتقد أننا غير قادرين على التوصل إلى تفاهم بالنسبة إلى موضوع الهجرة لكننا على استعداد لمناقشة النسب داخل المجلس النيابي وفقاً لعدد اليهود الحالي في فلسطين».
في الختام، يمكن القول بأنَّ «غرب كنيس دمشق»، يوضح بأنَّ محاولات الاختراق الصهيونية للمجتمعات العربية كانت دؤوبة وحثيثة بهدف إيجاد ثغرة للدخول إليها. لكن ذلك الأمر لم ينجح، إذ كانت قيادات تلك المرحلة محبةً لبلادها، غير راغبة في التفريط بها.