في روايتها «قسمت» (منشورات الجمل)، تقص الكاتبة العراقية حوراء النداوي حكاية الكرد الفيليين. تُشيّد الحكاية عبر لوعة عراقية صرفة، لتصير روايتها التوثيقية تأريخاً صارخاً وحياً عن التهجير والانتماءات المستحيلة.

تأخذ الرواية عنوانها من اسم إحدى شخصياتها، وهي قسمت المرأة التي رمت أطفالها في النهر، ثم رمت نفسها وراءهم منذ الأسطر الأولى في الرواية. تغيب قسمت بعد هذه السطور الصادمة والموحية. إلا أنّ طيفها يطغى على النص حتى تبدو هي المتحكمة بمصير الشخوص جميعها. كما لو أنّ النداوي نفسها قد كتبت بتأثير هذا الطيف السحري والخلّاق لقسمت. تعرض الكاتبة حياة ثلاثة أجيال من الكرد. يُنظَر إلى الجزء الأول لا بوصفه مقدمة مسهبة للدخول إلى الجزء الثاني من الرواية وحسب، وإنّما قد رسخّت الكاتبة عبره، وجود الكرد في بغداد، قبل أن تنقل لحظات انتزاعهم العنيفة والمريرة. يظهر تهجيرهم خلال سنوات حكم البعث العراقي ـــ كونهم من التابعية الإيرانية ـــ جزءاً من انتزاع روح المكان وتغيير هويته، نوعاً من التخريب، وتأطيراً للسطوة التي لم تتوقف أنظمة مربكة عن ممارستها على الناس باختلاف انتماءاتهم، ودفع الهويات الصغيرة في أتون حروب عبثية. في الرواية هي حرب العراق مع إيران التي انشغلت الكاتبة في رصد تداعياتها على فئة لم يقبلها الحكم العراقي آنذاك كونها من أصول إيرانية، ولم تمنحها إيران الحقوق كافة لكونها عراقية. وبين هذين الرفضين الكبيرين الحادين والمؤرقين، راح أهل قسمت يتفرقون في الأوطان والأوطان البديلة والطارئة.


لم ينشغل والد قسمت الملّا غلام علي في السياسات التي جعلت قومه نصفين: نصفٌ عراقي ونصف إيراني. آثر البقاء في العراق، حيث أولياء الله المحببون له، إثر إطاحة الشاه رضا بحكم الولاة في إقليم لورستان. وفي «الدهانة»، يعيش في بيت يتقاسمه مع الأبناء والأشباح، حيث تبرز شخصية بركه الذي عاد من الموت كي يصبح بصاراً وقارئاً للغيب يلجأ الناس إليه لتحديد مواعيد زواج البنات ومصير الأبناء، والدروب المهلكة التي تسير فيها حيواتهم. يُسلِّم الملّا بناتهِ إلى أزواج هرمين، يجهلن أمور الجنس وتقتصر متعتهن على الإنجاب، لتأخذ حياتهن شكل إنجاب متواصل ثم فقدان مستمر. يجيء مجيد من مهران إلى منزل قريبه محمد علي، الذي تزوج إحدى بنات الملّا وسكن عنده. يواجه بركه بأكاذيبهِ، ليطلق الأخير نبوءته بأنّ «هذا البلد لن يعيش بسلام وسيصل غبار خرابه إلى السماء». تزرع نبوءة بركه في رؤوس سكان المنزل القلق الذي يكبر مع السنين حتى يتحول إلى مصير جمعي يسيّرهم من دون أن ينتبهوا! أول ما يتردد مصير قسمت في روح عمها رضا، الذي يصاب بهوس بابنة أخيه بعد سنوات من انتحارها. يحرق نفسه لانعدام رغبته في الحياة مع زوجة صعبة الطباع. تمر السنوات على الأسرة البغدادية، الأطفال يكبرون، ويصبحون موضوعاً للجزء الثاني من الرواية، حيث يتضح أن «زمن الخير» قد ولّى. يصبحون شباناً، وفي داخلهم سؤال أصم: «ما الذي فعلناه كي يسرقوا منّا حياتنا؟». توزع الكاتبة الجزء الثاني على ثلاثة شبان، وتكتفي بهم للدلالة على ثلاثة خيارات وجد الكرد الفيليّون أنفسهم أمامها. يعيش لؤي حياته على هيئة علامة استفهام كبيرة منذ كان عالقاً على الحدود وسؤاله يتردد: «لماذا يوجد من يقرر شكل وروح وطني؟». يتوفى الملّا غلام وهو يهذي باسم ابنته قسمت، يتمنى أن يدفن في العراق رغم استحالة ذلك. يقول أمنياته الأخيرة باللغتين العربية والكردية، وقد تهجرت أسرته على دفعات. يظهر شبح قسمت للشبّان الثلاثة. يراها لؤي عندما يدرك أنّه نصف عراقي، نصف إنسان يعيش في إيران مع والده مجيد بعدما انقلب إلى شخص بخيل ومكروه.
عرضت الكاتبة حياة ثلاثة أجيال من الكرد

يرى قسمت بابتسامتها وشعرها المتطاير قبل أن يغادر إيران لاجئاً إلى السويد. يتواصل مع سالار ابن خالتهِ، الذي فكر بأن يكتب على شاهدة قبر والدهِ محمد علي خسرو: «هذا قبر الرجل الذي جاء ورحل دون ترك أثر يذكر». يتصل سالار مع لؤي من دمشق بصوت مرتجف تقطعه الدموع، ويتفقان على طريقة للهروب إلى السويد، إلا أنّ سالار يعود إلى العراق إبان حرب الكويت وهو يعرف أنّه خاوٍ، لم يصنع لنفسهِ تاريخاً ليعانده بالرحيل. إنّه مخلوق للعيش في ذلك «الوطن الأعور» يرى قسمت فور عودته، مبتسمة كأنّها بعثت من ماء دجلة. في حين يراها أكرم مبتسمةً، بنظرات جميلة وثوب أحمر بين المتظاهرين، وقد بقي في إيران وهو يتساءل عن حياة أهله الماضية. يلعب في المنتخب الوطني الإيراني للتايكوندو ويلتقي مع المنتخب العراقي القادم من بلد يشهد خراباً متجدداً إثر الاحتلال الأميركي، يلتقيه بحنين غابر ومؤثر امتلأت بهِ نهايات الرواية.
تقسم الكاتبة الرواية زمانياً. ولأكثر من نصف قرن، تراءت قسمت لأهلها بهية وواضحة، قبل أن تنهي النداوي الرواية بخطوات قسمت الواثقة نحو الموت، هاربة من مصير أهلها. بالموت تدفع الخسارات عن أبنائها، وفي داخلها أمل لا يتوقف عن الهتاف: «سوف ننجو سوف ننجو».