هل يمكننا رسم حدودٍ لقصيدة النثر باعتبارها «دولة» لها نُظُمُها وقوانينها الخاصة، لا سيما في ظل وجود مشتركات عديدة مع جيرانها من الأجناس الأدبية الأخرى سواء الشعر أو النثر أو الخاطرة... فضلاً عن الهجرات الكثيرة والمتبادلة بينها، لكل ما يتعلق بالحساسية والتكثيف والتصوير والانزياح والموسيقى وغير ذلك؟ كيف نستطيع مُقاربة هذا الجنس الأدبي نقدياً، إن كانت هناك اشتباكات في الرؤيا وزوايا النَّظر إليه، تصل أحياناً إلى مصافي المعارك الأدبية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، خاصةً أن ذائقة تَلقّيه تقع بين طرفي نقيضين: المُسْتَميتين في الدفاع عن «قصيدة النثر» باعتبارها كياناً لغوياً وأدبياً خاصاً، وبين المُتَخَنْدِقين في الضفة الأخرى الذين يعتقدون أن لا شعر خارج بحور الفراهيدي، ولا شعرية من دون ضوابط «متفاعلن متفاعلن متفاعلن» وأخواتها؟ ثم ما الذي يؤسِّس للاعتقاد بأن التَّطور التاريخي للشعر وتشابك المعارف الإنسانية هو ما جعل «قصيدة النثر» تسعى لأن تكون الرحم الذي يحتضن ما بات يُسمَّى «النص المفتوح»، كتبرير «لقدرتها على جعل اللغة تعتنق الجنون بغية إنتاج نص عاقل»؟ كل هذه الأسئلة ومحاولات الإجابات عنها تضمنها كتاب «دولة شعراء النثر... نصوص ودراسات» الصادر عن «دار أوراق» المصرية (إعداد وإشراف نعمان رزوق وبدور التركي)، كمحاولة لترسيخ أركان تلك الدولة، وكتابة دستورها وتثبيت مواطنة شُعرائها السبعة والخمسين، والمُنتمين إليها بحُكْمِ جماليات قصائدهم وحُسنِ انتسابها إلى الزمن الحاضر المستمر في تاريخ الحداثة الشعرية المعاصرة.


الشاعر السوري أيمن رزوق يُبيِّن في مقدمة الكتاب (يقع في 250 صفحة من القطع المتوسط) أن «قصيدة النثر هي مضمون وشكل جديد متجدد، له جذوره في تاريخ الكتابة، ومُرافِق للشعرية العربية، ممسكٌ بأوراق التاريخ منذ مزامير داوود ومجازات الكتب المقدسة، مروراً بفنون النثر المختلفة الحاملة روح الشعرية. وهي الشكل الأمثل للقول الشعري، فبعد أن استهلكَ الشكل القديم أغراضه واستنزف كل دمه، صار لزاماً أن ينتقل شكل القول إلى بوح مكثف معجون بالداخل الجواني للإنسان، حاملاً معرفة تتناسب مع متغيرات العصر وسماكة ثقافته وحساسيته الجديدة تجاه الأشياء. قصيدة النثر إنها شباب القصيدة العربية الذاهب إلى مشروع المغايرة والمخالفة الإيجابية، وهي بؤرة التجريب، وحاصل الرؤية المرتبطة بالمتغيرات الهائلة التي أحدثتها علوم النقد الحديثة، وجعلت منها أقرب للحالة العلمية الممسوكة بسماكة الثقافة المعجونة بذات الشاعر، والمنطلقة منه، من غير ضجيج خارجي، والحاملة روح التغيير، بعدما وقفت الذائقة الشعرية العربية عند شكلٍ منتهٍ لا جديد فيه».
وبما أن القصيدة الحديثة حاملةُ مشروعٍ ثقافيّ، ولها ضوابطها المختلفة عن الشعر التقليدي، فإن قصائد هذا الكتاب تُصنَّف على أنها حداثوية تنتمي إلى زمنها المُعاصر، على اعتبار الحداثة تُختصر بـ«أن تكون على علاقة سليمة وصحيحة بزمانك ومكانك وكل مستجدات العطاء الفكري والفني والمعرفي، بحيث تضيف الجديد، ولا تركن إلى ما أنجزه الأقدمون». من هنا تصبح الكتابة عموماً ابتكاراً في اللغة، كأهم أدوات الشاعر المعرفية. وكما يوضِح رزوق «مشروع اللغة مشروع حياة، من خلاله يقول الشاعر كل ما يرغبه عن مجتمعه والعالم والثقافة عموماً، باحثاً نحو التغيير والمفارقة، وإلى عالم جديد، كما هي لغته. يبتكر الشاعر في اللغة، حين يتعامل معها على أساسها «البكر» وغير المتداول، فيبدع في إعادة صياغتها من جديد، كأنها تتألف للمرة الأولى، ويكون التجديد في محاولة موضعتها على غير مألوفها، فتمد اللغة بمعانٍ جديدة وآفاق منزاحة عن ما كانت عليه»، ولو كان ذلك عبر استخدامٍ لعبة السَّرد الخطرة في الشعر، والتي قد تذهب بالبعض إلى النثر العادي، ولا تمنح روح الشعرية إلا فسحة ركض في المكان، أو من خلال الافادة من الحوار في البنية الداخلية للقصيدة، وغيره من التقنيات كالتكرار والتوازي والتضاد، أو توظيف الأسطورة، والمكان، والرمز... كل ذلك كي «تحمل القصيدة روح شاعرها، وتنتمي إلى زمانها ومستقبلها، وتحمل رؤيتها الذاتية المستقلة».
الحلّاج وابن عربي والنّفري قدّموا لنا أنموذجاً لهذا الجنس الأدبي


وكما أن الشاعر يبتكر نصه الخاص، فإن كل قارئ يعيد إنتاج ذاك النصّ وفق رؤيته وضمن بنية زمكانية قد تكون مغايرة للأصل. فالقصيدة ــ بحسب الشاعر فاتح كلثوم ـــ تحتمل الكثير من التأويلات لامتلاكها لغة عالية تخرج عن الأطر المتاحة للمفردة الشّعرية عند تبنيها المعنى. وهكذا تنزاح لتصبح نصاً مفتوحاً ما دامت قادرة على فتح فضاءات أكثر اتساعاً من مثيلتها في الأجناس المحددة، لأن «الأدب ـ في حد ذاته- ينفلت من إطاره المحدد ليعيد تأمل الأشياء وتشكيلها حسب مقتضيات العصر. ويبدو هذا جليّاً عند تشابك المعارف وتعقدها، أكثر من العصر الذي ينتج معرفة مسطحة».
وفق هذه الرؤية، تسعى قصيدة النّثر منذ ظهورها لتكون الرحم الشّرعي الذي يحتضن النّص المفتوح. وبذلك يكون ابناً شرعياً لها، لقدرتها على جعل اللغة تعتنق الجنون لإنتاج نص عاقل. ولعلّ هذا ما أراد إيف بونفوا قوله بأنّ الشعر ليس استعمالاً للغة، بل لعله جنون في قلب اللغة. وهذا نلحظه أكثر من غيره في فترة التسعينيات وإلى الآن بدرجات مختلفة من كاتب إلى آخر.
يقول كلثوم: «يعتقد كثيرون أنّ النّص المفتوح قد جاء عربياً، مع شعراء الستينيات، وتطور مع شعراء السبعينيات بقصائد أخذت من الرؤية الفلسفية مركزاً لتبرير تشظي النّص، سواء من ناحية الدّلالة أو البناء، أو اعتمدها بعمقها الإشراقي لتحريرها من المباشر المحظور، ثم توظيفها لتطول كلّ المكونات الزمكانية بتناقضاتها الدّينية والاجتماعية، ولينفتح النّص بعد ذلك على احتمالات متعددة، قد تكون متناقضة. وإن كنت من المؤيدين لهذا الرّأي، إلّا أن اعتماده خارج المصطلح المعاصر قد سبق ذلك بكثير. فالحلّاج وابن عربي والنّفري في الكثير مما كتبوه قدّموا لنا أنموذجاً لهذا الجنس الأدبي، وقد تكون نصوصهم هي الأمثل ولا سيما في الفتوحات المكيّة والتّجليات والرّسائل لابن عربي، وكذلك مقامات بديع الزمان الهمذاني، وأدونيس استفاد منهما. هذا إذا اعتبرنا قصيدة «مفرد بصيغة الجمع» ضمن هذا السياق الإشراقي».
مهند الشهرباني يُعيد تذكيرنا بما قاله بودلير في رسالته إلى هوسييه «من منا لم يحلمْ، في أيام الطموح، بمعجزة نثرٍ شعري»، مبيناً ضراوة المعارك أثناء محاولته - مع من يتفقون معه بالرأي- لفرض جنس أدبي جديد، واصفاً ذلك بأنه «فعل يقارب عمل الشيطان الذي يوسوس في صدور حرّاس قلعة العربية لغةً وحضارةً وتاريخاً من جهة، وفي صدور شعراء الـ «متفاعلن متفاعلن متفاعلن» من جهة أخرى. علماً أن الوزن في الشعر ليس شرطاً بل هدف الكلام».
ويتبنى الشهرباني مقولة نزار قباني بأن «القاموس ليس ضريحاً وأن هناك أكثر من ألف مفردة في القاموس ميتة وهو لا يتعامل مع الأموات بل مع الحياة». ويضيف: «كما تمكن المبدعون من مزج الرسم مع الشعر مع الموسيقى، لماذا لا نستطيع أن نمزج القصيدة مع النثر؟! ولمن يقول بأنها ولادة غير معترف بها، لأنها أخلّت بشروط العروض، سأقول له: أثبت لي بأن الشعر لم يبدأ نثراً ثم انتقل إلى الإيقاع الذي وصلنا. فالمنطق يقول بأن اللغة بدأت قبل الشعر، إذ ليس من المعقول أن الإنسان الأول تعلم العروض وكتب بها في أول نطقه!».
ضمن دراسة أخرى، يحدد محمد ياسين صبيح العراقيل التي جعلت عربة قصيدة النثر تتوقف في كثير من الأحيان، وعلى رأسها عدم فهم «اللعبة الشعرية»، وعدم تخطي حاجز السردية الذي يشد القصيدة إلى الخاطرة أو القصة حتى، نتيجة سوء استخدام الإيحاء والرمزية. ما أحال القصيدة إلى فعل تقريري، يُقرِّبها من الخطاب المباشر، مؤكداً أن ثمة الكثير من الشعراء العرب لم يستطيعوا النهوض بها وتقديم إضافات مهمة على ما جاء به الرواد في مجلة «شعر». بل بقيت محاولاتهم تقليداً لما نشر، أو تتضمن بعض الاجتهادات لكنها لم تقدم الكثير، في حين كان عليهم الاتكاء بقوة على «الانزياح» الذي يعتبره جان كوهين «الطريق الحتمية التي ينبغي للشاعر عبورها» لتحقيق «الشعرية». شعرية تتمثل ــ بحسب سوزان برنار ــ إيجازاً في العبارة وتركيزاً في المعنى، ووحدةً عضوية، وقوة تأثير في المتلقي، ولا تتحقق من دون تميز الشاعر بثقافة عالية تمكّنه من الإبحار في شعرية القصيدة النثرية، التي تتمتع بالمفاجأة والإيقاع الداخلي، وإتقان تشكيل الصورة الغرائبية التي تعج بالدلالات، عبر إيجاد علاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، مدفوعة بقوة التخيُّل ومليئة بالإيحاء والرمزية، بحيث «نرى أن اللفظة تتألف وتتوهج في سياقها كأنها منارة تهدي القصيدة إلى مرفئها».