برلا عيسى، صاحبة مقدمة «حكايات من اللجوء الفلسطيني» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2017) تلخص الحياة الفلسطينية في مخيمات التهجير في لبنان بالقول: «احتجت إلى ثلاثة وعشرين عاماً كي أكتشف جذوري الفلسطينية. ولدت بهوية لبنانية، ولم أتعرض للتمييز المنهجي والتهميش الاقتصادي اللذين يتعرض لهما اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. وظننت لأعوام عديدة أن قصتي الشخصية لا ينطبق عليها وصف «القصة الفلسطينية»، لأنها لا تحمل آثار العنف الجسدي والاقتصادي الذي يطبع حياة الفلسطينيين في لبنان. بمعنى آخر، شعرتُ بأنني لا أستحق أن أعد فلسطينية. «لكن» لا يمكن أن يتجلى معنى قصتي، إلا عندما توضع إلى جانب حكايات فلسطينية أخرى».

الإسهامات الأدبية في هذه المجموعة نتاج ورشة تدريبية بعنوان «كتابة اللجوء الفلسطيني عبر السيرة الذاتية» تمت في عامي 2016/2017. اختير 11 شخصاً من مجموعة المتقدمين راوحت أعمارهن وأعمارهم بين العشرينيات والخمسينيات، معظمهم من النساء.
هدف المشروع الأساس، كان منح القراء فرصة الاطلاع على القصة الحقيقية للاجئين الفلسطينيين من دون أن تمر عبر الغرابيل (جمع غربال!) المعروفة، والدخول إلى العوالم الخاصة وكشف المخفي والشخصي جداً والوصول إلى تفاصيل لا يعرفها سوى من عاشها. نقرأ في هذه المجموعة كتابات عن اللهو في المخيم، وعن الغزل فيه، وعن الجدران المنقوشة عليها كتابات الأحلام، وكذلك كتابات السخط، وقد نقرأ نصوصاً في مديح المخيم، ونصوصاً في هجائه، كما سنقرأ عن مشاعر أخرى، هي أكثر تعقيداً إزاءه.
نجد في هذه المجموعة تنوعاً كبيراً في النصوص، وكل نص يروي حكاية مختلفة تعبر عن رأي صاحبها. بعضهم كتب عن الحياة في مخيمات اللجوء من زوايا متعددة. وقد قمنا باختيار مقاطع من بعض النصوص، لا تعكس أبداً ثراء أيّ منها، لكنها تحوي ثيمات محددة تلفت الانتباه، تاركاً بذلك للكاتب التحدث مباشرة مع القارئ.


في «غرافيتي زمن مضى»، يصف سالم ياسين ببراعة مرحلة بلوغه سن الرشد في المخيم من خلال ما سماه «جريدتنا الشعبية الحرة». يتذكر الكاتب تلك الأيام الممتزجة بتضاريس المخيم البائسة، فيقول: «أيام طفولتي وأحلامها تنامت بين أزقة المخيم، وأزهرت بين كتل الأسمنت والحجارة القاتمة والرطوبة الثقيلة على الصدر والقلب. وهناك شهدت أيام الحرب والموت والحزن، وعشتُ أيام السلام والحب والقبلة الأولى، ورددتُ أغنيتي بحرقة مع الشيخ إمام في ليالي السهر والشاي تحت شجرة التوت «وعشقي للكلام غالب سكوتي، وكرهي للسكات جالب شقايا». في المخيم، وقبل أن أعرف يساري من يميني، عرفت اتجاهات الطرق في الأزقة من أنابيب المياه البارزة، وسرتُ في شتى الاتجاهات مع امتداد «مجارير» المياه الآسنة المكشوفة في تلك الأزقة المتعرجة التي لطالما غالبتها وأنا فتى، لأمر بعربة كيس طحين الإعاشة، فغلبتني وغلبتها، مرة بعد مرة، وأعود إلى البيت معفراً بالطحين بعد مباطحة «الشوال أبو حز أحمر» كي يستقر في العربة». ثم ينتقل إلى الحديث عن بعض أشكال معاناة أهله مع السلطات، فيكتب: «الجدران ممنوعة من التوسع أفقياً بحكم القيوم وحرس السلطان، تنمو جدراننا عمودياً، من الأرض في اتجاه السماء، بعكس اتجاه أمطار رحمة الرب، أو تغوص عميقاً في الأرض لتشكل قبر شهيد، أو ملجأ طفل في أزمنة الحرب».
سالم ياسين، مثل زميلاته وزملائه المشاركين في هذه المجموعة، يعبر عن غضبه وسخطه على الحاضر الفلسطيني وعلى التنظيمات، أو بعضها فيقول: «بقيت أتساءل عن السبب الحقيقي الذي حدا به [عارف] إلى إعادتنا إلى فتح، إلى أن وشوشني ذات مساء بالنبأ العظيم. إذ كان قد سمع من والده أن حركة فتح ستقوم بتوزيع «اللحمة - خواريف بيللا لها ذنب - المستودع متلان وطافح». حتى إن الجبهة العربية (البعث العراقي) ستعاود توزيع «شوالات تمر». عرِفتها؟ الجبهة إم شعار «متلّت وبارودة مطعوَجة»»
ميرا صيداوي تمزج في «لم أمت بعد» بين المُعاش والمتخيل لتحول ما هو اعتيادي إلى استثنائي وتعبر عن حنينها للوطن، الذي لم تره إلا في الخيال والحلم. ثيمة تتكرر لدى الكاتبات والكتاب هنا، وتتخيل عودتها إلى الوطن المغتصب، فتقول: «حضرتي كلاجئ أتمتع بميزة خاصة ومهمة وهي التخيل. ففي كل مرة ينطق أبو عماد كلمة «عكا» ينتابني توعك بسيط في المعدة، وأبدو غير قادرة على منع عينيّ من الذهاب إلى ذاك المكان المجهول. الحقيقة، إنني بارع في إنتاج خيالات مستمرة عن أشياء لا أعرفها مثل الله والوجود وعكا».
ثم تعبر عن رأيها في القيادة السياسية، هذه المرة بصراحة أكبر، فتكتب: «أبو عماد يتحدث ويحلل ويلعن أبو مازن مئة مرة، ويسب أوسلو قائلاً: «ولك ورقة بمسحش فيها طيزي» وتعود خيالاتي إلى الحضور. يبدو لي أبو عماد مجتمعاً بين قادة البلاد أينما كانوا متألقاً وبجملته الشهيرة: هاي بمسحش فيها طيزي».
ميرا صيداوي أيضاً تتحدث عن آثار النكبة الفلسطينية في مخيم نهر البارد الذي يذكِّر بعض اللاجئين بجانب من التهجير من فلسطين، فكتبت: «كان المخيم يغرق في حالة من الصمت. بدت الحرب على مخيم نهر البارد متربصة به. الوجوه متجهمة ومترقبة لشيء ما. هرب كثيرون من الأهالي إلى مخيم البرج. وقد روت أم توفيق يومها في جلسة صباحية كل الذي حدث هناك. جلس الكل حولها وأنصت الى حكايتها. قالت: «إن المخيمات كلها ستنتهي قريباً، وإن الجميع متآمرون علينا، لازم نمشي.... » «نمشي على بلادنا. نروح مشي زي ما إجينا. البارد راح ورح تلحقوا كل المخيمات، فش أمل. قالوا بدهن يهدونا. لازم نرجع مشي». وقالت إنها صرخت في وجه الضابط اللبناني الذي رفض أن يعطيها الكنبة التي تملك: «صرخت عليه قلتلو هاي كنبايتي شو مالك... كنك مش عارف إيش يعني فلسطينية؟ وجلبت سكينتها ومررتها داخل الكنبة لتخرج بعض الأموال التي خبأتها في داخلها. ثم نظرت إلى الضابط قائلة: هادول مصاريتي». أقول في نفسي لِمَ تعاد القصص في رأسنا نحن الفلسطينيين؟ لِمَ يراد لنا دوماً أن نموت هكذا؟ إمّا واقفين متسمرين في أرض موقتة وإما مختبئين في أرض محتلة».
طه يونس يتحدث في «قرقرة لاجئ» عن الحاضر والماضي، بين الطفولة والرشد، ويتنقل بينهما بسهولة ليروي تجاربه الشخصية بصراحة صادمة. يكتب عن حبه لحبيبته فلسطين، وعن حبه للرمز الفلسطيني، حنظلة الفنان الفلسطيني ناجي العلي (اغتالته القيادة الفلسطينية بالتعاون مع الاستخبارات الأردنية والصهيونية وتواطؤ الشرطة البريطانية، في عملية جبانة): «أهدتني قلادة فلسطين، فأهديتها رمز حنظلة، وصار كل ما بيننا مقدساً كوطن... هي اليوم بعيدة، وإن حضرت، تبعاً لمشيئة القدر التي قذفتني في المنافي باحثاً عن رزق، وأعادتني مرة أُخرى. لم تفلح الحياة في أن تقودني إليها حتى الآن، لكني أؤمن بها كما يؤمن الصوفي بوليّه، أحبها كما البلاد التي سُمّيت باسمها، آه ماذا فعلت؟ أفشيت لكم كل شيء سوى العنوان ... كان اسمها وطن!».
نادية فهد «مذ أصبحت أماً كرهت الشتاء»، كانت الوحيدة التي سنحت لها فرصة العبور إلى فلسطين، فتركز في نصها على مشاعرها في قريتها ولقاء بعض الأهل هناك: «وصلنا يافا وعكا، وبدأت أسماء قرى قضاء عكا تظهر. طرت فرحاً حين رأيت اسم قرية الشيخ دنون الملاصقة والمتداخلة مع قرية الشيخ داوود. لم نكن نعرف عن ماذا نبحث، فقط اسم العائلة.
داخل القرية، سألنا صاحب ملحمة الشيخ دنون عن عائلة فهد، فأشار إلينا بالاستمرار صعوداً. كنت أنظر شمالاً ويميناً أبحث عن أي شيء أجد فيه أوصافاً ذكرتها جدتي أو كلمات قالتها.
معقول هون؟ لأ مش معقول. كَفّي بعد شوي... وقف هون. هدول أكيد هني. لا أعرف كيف عرفت أن هذا هو المكان المنشود. لكنني فقط عرفت. كأنني أعرف هذا المنزل ومن فيه منذ الأزل. تتوقف السيارة قرب بوابة حديدية، خلفها يجلس رجل مسن وامرأتان يحتسون قهوة ما بعد الظهيرة. عوافي يا حج. هون بيت عيلة فهد؟ نسأل لنتأكد.
أسماني يافا لأن اللاجئ يتسلح بالكثير من العادات الخارجة عن سيطرته، أهمها أن يغزو الجرح بأظافره كل يوم


آه يا عمي تفضلوا أهلاً وسهلاً. يجيب المسن باستغراب وريبة وهو جالس ينظر إلى مَن حوله، كأننا مجموعة سقطت للتو من مكوك فضائي.
يا إلهي أنا في منزل جدتي، أنا في قريتي، أنا في بلدي… أنا من هنا... هذا بيتي. هنا يجب أن أكون. إلى هنا يجب أن آتي في نهاية كل أسبوع... ولأصطاف في إجازاتي السنوية… لمَ لست هنا؟ لمَ أنا هناك لاجئة في مخيم بائس في لبنان».
لكنها تتذكر الموتى من اللاجئين وحنينهم هم أيضاً للوطن، لكن من دون نسيان الإعراب عن احتقارها للقيادة الفلسطينية: «حتى الأموات من اللاجئين يجب أن يكون لديهم الحق في العودة إلى فلسطين. يجب أن يعود جسد جدتي إلى هناك، إلى قريتها. لا أعرف إن كانت قياداتنا الفلسطينية تدرك هذا الأمر أو تهتم له أصلاً. لكنني كلاجئة أهتم وأطالب وأعلن أن العودة إلى فلسطين، حق لكل اللاجئين الفلسطينيين، الأموات منهم والأحياء».
يوسف نعنع يأخذنا في «الداعوق... تربة... مقبرة !!!» إلى حي الداعوق الفلسطيني من خلال سرد يومياته مع عائلته في هذا الحي، وأغراض تركها والده المتوفى، تجدها في بيت كل لاجئ في كل المخيمات الفلسطينية: «علبة بسكويت معدنية ومغلفات بأحجام مختلفة وُضعت بعناية في خزانة والدي رحمه الله... بعد انتهاء مراسم الدفن وتقبل العزاء، جلستُ وحيداً أمام خزانته، خزنة أسراره.
المغلفات كانت متهالكة، كمحتواها، وثائق وشهادات ميلادنا، شهاداتنا المدرسية في مراحل تعليمنا الأولى. أمّا الكنز، فهو ذاك المغلف الذي لُفّ بعناية كأنه شيء مقدس... فتحته لأجد فيه أوراقاً تعود إلى جدي تاجر المفروشات القديمة في يافا… إيصالات بيع، إيصالات إيجار… وتلك أوراق بيت خالة والدي، وهذا جواز سفرها الفلسطيني بلغاته الثلاث العربية والإنكليزية والعبرية».
يافا طلال المصري تحاول أن تقدم في «أقصر وأطول مربعانية» شرحاً لمعنى المنفى عبر مناقشة أحلامها وصداقاتها وعلاقاتها الأسريَّة، فكتبت: «بدأت حكايتي حين أسماني والدي، وهو القومي المقاتل في صفوف الجبهة الشعبية، على اسم مسقط رأسه «يافا». أسماني يافا ببساطة لأن اللاجئ الفلسطيني يتسلح بالكثير من العادات الخارجة عن سيطرته، أهمها أن يغزو الجرح بأظافره كل يوم خوفاً على هذا الجرح من أن يشفى؛ وتلك عادة راسخة لا سبيل لإقناع اللاجئ بالعدول عنها».
ثم تنتقل للحديث عن معاناتها المعيشية في المنفى، فتقول:
«أعيش كل أشكال التهور والتسرع، هناك كثير مما يجب أن أعيشه في الفترة القصيرة المتاحة لي. أعيش كل ألوان النفاق، أكون غيري في بزة قاتمة تلبسني رغماً عني ومكتب يعلّبني، أحاول التقدم مهنياً في كذبة الطموح، إنما أحتاج إلى الاختباء من تشريعات وزارة العمل اللبنانية التي تمنعني كلاجئة من مزاولة مهنتي، واسمي لا ينفك يلاحقني ليفضح كذبتي. كم هو ظالم القانون الذي يحوّل حبنا لأوطاننا إلى خجل منها، وكم أنا خجلة من والدي الذي قد يقرأ يوماً ماذا فعل بي الاسم الذي اختاره لي، والبطاقة الزرقاء التي أورثني إياها».
هي الوحيدة التي تتذكر بعض ذنوب الفلسطينيين الكثيرة في لبنان، فكتبت، بحزن: «(يومها) فهمت لأول مرة معنى أن تعيش في وطن اقتاتته الحرب الأهلية حتى آخر ابتسامة. فهمت أن دير القمر التي يسعدني وصالها في كل مرة، دير القمر التي لم أشعر إلاّ بتعلّق غريزي بها، قد اغتالها يوماً الفلسطينيون خلال حرب الجبل». لكنها تعود لتتذكر كبعض زميلاتها في هذه المجموعة، الكارثة التي حلت بنهر البارد، وتوجه أصابع الاتهام إلى القيادات الفلسطينية، وإن رمزياً، وتضيف القول: «يا ريتهم أخذوا أبو مازن وتركوا لي رام الله».
يافا المصري لم يتسن لها زيارة الوطن المغتصب، فتعبر عن الشوق له على نحو سائد بين الفلسطينيين في المنفى، فتقول:
«صديقتنا التي لطالما حسدناها على سكنها في فلسطين، لم تفهم قيمة التراب والخيوط من فلسطين بالنسبة إلى اللاجئ الذي يظن فلسطين أسطورة، لم تفهم يوماً لمَ نطيل عناقها أكثر من العادة كلما عادت من هناك، لم تقتنع باختلاف تركيبة الهواء ورائحته بين فلسطين ولبنان... أو بالأحرى بين فلسطين وباقي الدنيا».
وتعود للتعبير عن المعضلة التي تواجه الفلسطيني الذي هاجر مجدداً ويحمل جواز سفر غربياً، فتقول بتعبيرات لافتة: «لكي أسكن يافا، عليّ أن أُقسم الولاء لملكة إنكليزية على أرض باردة في شمال القارة الأميركية أولاً... عليّ أن أصير شخصاً آخر كي أصير نفسي. كم هي مهزلة بالفعل قصة الفلسطيني، إن كان فلسطينياً فهو لا يسعه العيش في فلسطين. وإن اتخذ من الغرب هوية، فيستطيع العيش في فلسطين، إنما يبقى السؤال، هل سيبقى هو فلسطينياً؟ أوراقه لا تقول هكذا. هذا هو وحشي الأخير. هل يمكن لأوراقهم الأجنبية أن تغلّفني لأسهو عن المرمى؟».
حنين رشيد تبحر في ‹«حنين» في معنى اسمها وصلته بحياة أبيها وجدتها، فتعبر عن مشاعر خاصة: «كان الحنين في البداية مختصراً عندي بأفراد عائلة أحب فكرة أني أصغرهم، ثم بوطن لا أعرف إلاّ أن أحبه وأحلم بالعودة إليه، وبأعزاء قلب سرقهم الموت وترك لنا صورة أو اثنتين نقبّلها حين نشتاق، نقبّلها دوماً. ثم بمخيم صغير يسكنه البسطاء من الناس، هو أصل البدايات والحكايات والذي صنع منا ما نحن عليه الآن. إلى أن تطورت علاقتي بالحنين وتورطتُ أنا به، حين لامس قلبي صديق للروح والذات، وشريك للحلم والواقع. هنا، كان الحنين أكبر من أي وصف، والحب أقرب من كل سعادة، وكنتُ أنا أحب الحياة به وبنفسي، وأزرعُ ورداً يشبهه أينما حللت».
وداد طه تسرد قصة حياتها منذ أعوام طفولتها الأولى في الإمارات إلى سنوات شبابها في لبنان، ورفضها المجتمع الفلسطيني هناك. في «قلبي معلق بتوتة»، تعبّر عن سخطها على الوكالة وعلى كونها لاجئة: «في داخلي ولسبب غامض، لكنه جامح، كنت أرفض العمل في وكالة الأونروا، شعرت دوماً بالخزي من وجودها. رفضت أن نستفيد من أي من خدماتها. لعله كبريائي، ولعلها وطنيتي، ورفضي أن أرى الحقيقة كما هي، الواقع الفلسطيني العابث والمضني والشريد، التشبث الأعمى بأذيال وظيفة أو كيس طحين وبطانية عرّتنا وكشفت عورات العالم. وهو ذاته ذلك الرفض للعوز جعلني أقبل بوظيفة معلمة يومية في وكالة تكيلنا بمكيال الحرمان».
الغضب على القيادات الفلسطينية ثيمة تتجدد في المجموعة، وإن بنواح مختلفة. وداد تقول في هذا السياق، بكلمات صريحة: «فلا أنا أعرف مَن أنا ولا أعرف مَن الله ولا أعرف ما معنى أن تكون فلسطينياً غير أن تذوق طعم المرارة والتهميش وأن تستحي من ذنب كونك إنساناً وضعيفاً ومهجّراً قسراً عن وطنك، وأن تحمل في قرارة نفسك شعوراً بالعظمة مَرَضِياً، متكئاً على إنجازات قيادة أنت لا تفهم معنى لوجودها غير أنها ارتكبت ملايين الحماقات التي كرّست ضياعك والتهمت حقك في وطنك».
انتصار حجاج تتحدث في «خديجة أم أمي» عن النكبة من خلال قصة جدتها خديجة، اللبنانية التي عاشت حياة فلسطينية، فيما تأخذنا ربى رحم في ‹للحلم بقية› إلى الحاضر المؤلم، إلى النكبة الثانية وتشرد بعض فلسطيني مخيم اليرموك، فتتذكر، ضمن أمور أخرى أن «اليرموك كان الحضن الدافئ للفلسطينيين ونسبة جيدة من سكانه سوريون، لكن طوال حياتنا لم يسأل أحد جاره أنت سوري أم فلسطيني، سني أو علوي».
من جهته، يوثق محمود زيدان في «نزوح في غربتين: يوميات من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982» احتلال قوات العدو الصهيوني مخيم عين الحلوة في عام 1982 كما عاشه عندما كان في سن الثالثة عشر.