1

كان يحدثُ وأن يفصلها بهدوء عن ساعده الصّلب، وهو مستلق على ظهره، ويسلّمها لي أياماً، موصياً أيّاي بشدة: «دير بالك عليها يا سيدي إوع تجرحها». ويغفو؛ طويلاً يغفو جدّي. كانت يده بمثابة لعبتي وتميمتي وجائزتي وحكايتي وسرّي، أقدّمها لأصحابي في الحارة ليصافحوها بهيبة، مندهشين من عروقها النافرة وتجاعيدها القاسية.

«حجر أساس» للفلسطينية منال محاميد (كولاج ورسم وطباعة على كانفاس ــ 2015)

في الليل وبعد نوم العائلة، أنهض، أسحبها من تحت الوسادة، أحكّ بها خدّي، أعضها متذوقاً طعماً غريباً قريباً من طعم بحر ورمل وسمك، أتحسّس أصابعها الخشبية بدماملها المتيبّسة، فأشعر بذلك التنميل اللذيذ في جسدي كله. في الصباح أضعها في حقيبتي المدرسية، وفي الصف بينما المدرس يحكي لنا عن برتقال يافا، أُدخل خفية يدي في الحقيبة، وأتحسّسها متضامناً مع دماملها ورابتاً على عروقها، فأفاجأ باختفائها وبوجود حبة برتقال في حقيبتي. تعوّدت على ذلك، وصرتُ كلما اشتهيت البرتقال، استعرتُ يد جدي لأيام طويلة، لم يكن أحد يعرف سرّ البرتقالة واليد، إلى أن فاجأتني أمي وأنا أتناول مثل ساحر برتقالة من عيني اليسرى. ارتعبت أميّ، فحكيت لها الحكاية لكنها لم تصدّق، واكتفت بإخبار جاراتنا عن طفلها البرتقاليّ العجيب وعن ساحر البيت الغامض. في ليلة ما تذكرتُ تحذير جدّي لي: «إوع تجرحها يا سيدي»، فاهتاج داخلي فضول قاتل. أحضرتُ سكيناً من المطبخ، غرستُ رأسها المدبّبة في إصبع اليد الصغير، فانفجر في وجهي عصير البرتقال.
2

لا يتوقف والدي السبعيني مصطفى خداش عن رواية القصة: «كنت في الصف الرابع في مدرسة قريتنا التي هجرنا منها عام 48 (بيت نبالا،). كنّا نصغي باهتمام لشرح أستاذ الدين سورة العلق. أتذكر المشهد بوضوح، سمعنا طلقات نارية خلف نافذة الصف. فجأةً، فوجئنا بأستاذنا إبراهيم أبو طوق يصرخ فينا: اختبئوا تحت المقاعد، ثم سمعنا صوت إطلاق نار في الصف، كان الأستاذ إبراهيم يخرج مسدساً من خاصرته، ويطلق النار على دورية راجلة من «الهاغاناه»، تمر خلف المدرسة، ثم رأيناه من تحت المقاعد، وهو يخرج ويواصل إطلاق النار في الخارج. أيام فقط (والكلام ما زال لأبي) فصلت بين تهجيرنا وهذه الحادثة». غادر الأستاذ إبراهيم إلى الأردن مع الآلاف من أبناء شعبنا، عمل مدرساً في صويلح، وتوفي في أوائل السبعينات. أية لغة تستطيع إسماعكم ارتجاف قلبي أمام طلقات المعلم العظيم؟ فلأصمت اذن، ولأختبيْ تحت المقعد قرب أبي، فضجيج الطلقات عال، ولن يسمعني أحد.
3

غداً سأعود الى قريتي بيت نبالا، مرهقاً من محاضراتي في جامعة يافا، سأفاجأ بحارس يهودي يمني يقف وراء بوابة القرية، سأساله مستغرباً: من أنت وماذا تفعل هنا وأين اختفت بيوت القرية؟ سيضحك طويلاً وسيسأل: - من أنت وماذا تفعل هنا؟ - أنا مجرد شخص يعود إلى بيته. سيشهر في وجهي مسدساً ويطلب مني التراجع. سأضحك من دون صوت لأني كشفت اللعبة الثقيلة، وسأدّعي أني أصدق ما يجري. وسأظل واقفاً عند البوابة بانتظار ملل الحارس الممثل وضحكة المخرج الذي يقف بكاميرته الخفية بعيداً بعيداً خلف الأشجار.
4

اشتقت لستي مريم، ذات صيف قبل سبعة عشرين عاماً، ماتت أمامي متأثرة بحريق شب في ذكرياتها، آخر كلماتها لي في لحظة صحو مهولة كانت: «دير بالك على النعنعات يا ستي» ثم سقطت في الغياب. لم أعرف حتى اللحظة هل كانت، تقصد نعنعات قريتها المسروقة «بيت نبالا»، أم نعنعات حوضها الترابي الخفيف على سطح غرفتها في المخيم؟
* كاتب وقاص فلسطيني