عند الحديث عن علاقة نظام عمّان بالقضيّة الفلسطينية، على المرء الانطلاق من حقيقة أن بريطانيا أقامت هذا الكيان المصطنع بهدف واحد هو حماية العدو الإسرائيلي. فقد تأسس وفق اتفاقية «سايكس بيكو» وقرارات مكتب الإسكندرية لشؤون المستعمرات برئاسة ونستون تشرشل الذي صرّح بدوره بأن تقسيمه للمنطقة الخاضعة لبريطانيا إلى ثلاثة كيانات هي العراق و«عبر الأردن» (Transjordan) وفلسطين (لتنفيذ وعد بلفور) هو أفضل حلّ وأرخصه. عندها، عيّن تشرشل كبير الخونة عبد الله بن الحسين والياً مؤقتاً لمدة ستة أشهر على «عبر الأردن» وأنيطت به مهمتان: الأولى قمع أي مقاومة أو نشاط «فلسطيني» معادٍ للصهيونية ضمن أراضي الإمارة الكاريكاتورية، إضافة إلى منع أي نشاط وطني سوري ضد قوات الاحتلال الفرنسية هناك. ابن الحسين عدّ ذلك يومها تشريفاً، تماماً مثل شقيقه الخائن الآخر فيصل، الذي بصم على قرارات مؤتمر باريس الذي شرّع نظام الانتداب ومشروع تحويل فلسطين إلى وطن يهودي، مع أنه كذب على حلفائه وداعميه في بلاد الشام.



حقائق كهذه وغيرها معروفة ومسجلة وموثّقة في مؤلفات علمية كثيرة، منها كتاب العالمة البريطانية ماري ويلسون المشار إليه في موقع «مليك البلاد المفدى طيب الله ثراه الحسين بن زين» (!) في الإنترنت.
إن وضع هذه المقدمة المختصرة لعرضنا يأتي بهدف تقديم لمحة عن طبيعة نظام عمان القائم إلى يومنا هذا لسبب واحد وحيد هو تشكيل قاعدة عربية متقدمة لمؤامرات الغرب الاستعماري، الذي يعد كيان العدو جزءاً منه. أي إن ما يرد في كتاب «الهيمنة الصهيونية على الدول العربية ـــ الأردن أنموذجاً» (الصايل للنشر والتوزيع) لسفيان التل عن دور نظام عمّان في التآمر على الأردن وعلى فلسطين وقضايا أمتنا التحررية، ليس بالأمر الجديد على نظام عمّان المتصهين الذي تشكّل هذه الوظيفة سبباً لخلقه وبقائه. لن يتخلى الغرب الاستعماري عن نظام عمّان إلا عندما لا يعود بإمكانه تأدية أدواره الوظيفية. يشرح التل في بعض فصول كتابه مدى التغلغل الصهيوني في شرق الأردن، ودور النظام في تسهيل ذلك، بما سيؤدي إلى تحكم العدو في اقتصاد البلاد المهلهل أصلاً كنظام عمّان.
من الأمور اللافتة للنظر التي أوردها الكاتب الأردني، ما يتعلّق بقانون صندوق الاستثمار (2016) الذي منح صلاحيات احتكار مشاريع كثيرة منها: سكك الحديد وأنبوب النفط ومشاريع الطاقة، بما في ذلك المفاعلات النووية، ومشاريع النقل، ومشاريع الثروة المعدنية، ومشاريع الربط الكهربائي، والبنية التحتية... إضافة إلى أي من المشاريع الأخرى التي يحدّدها مجلس الوزراء (ولا تخضع جميعها لرقابة ديوان المحاسبة). اللافت أن مجلس النواب، المزور أصلاً، قرر في جلسته الصباحية يوم 23 أيار 2016 استثناء كيان العدو (لم يعد عدواً على نحو رسمي وفق اتفاقيات وادي عربة) من أي مشاركة فيه، ثم تراجع عن هذا الاستثناء في الجلسة المسائية. أي أنه فسح المجال أمام مؤسسات العدو الصهيوني للسيطرة على البنية التحتية في عبر الأردن. علماً أن الكتاب يطلق على هذا الصندوق «الوكالة اليهودية».
الأمر الثاني الذي أودّ الإشارة إليه في هذا العرض المختصر هو إلغاء منع مزدوجي التبعية من تولي مناصب عليا في الدولة، بدءاً من رئاسة مجلس الوزراء. إذ يترتب على حاملي التبعية الأميركية تأدية قسم الولاء للبلاد الذي ينص من بين أمور أخرى على أن «أعلن يميناً مطلقاً أن أنبذ وأتخلّى عن الولاء لكل أمير وملك ودولة والسيادة التي تأتي منها المواطنة» (كما وردت الترجمة في المؤلف ــ ص 55).
يشرح مدى التغلغل الإسرائيلي في شرق البلاد


ينبّه المؤلف إلى بعض الوقائع عن التعديات والتعامل مع العدو الإسرائيلي، منها: شراء مواطني كيان العدو أراضي في البتراء؛ والتنسيق والتعاون العسكري الأميركي ــ الأردني ــ الإسرائيلي؛ وبيع جهاز المخابرات الأردني؛ ضباط لبنانيون يتلقون دروساً إسرائيلية في الأردن؛ المشاريع الإقليمية المشتركة منها مشاريع المطارات، وطريق إبراهيم، وطريق موسى، ومشروع سكة حديد حيفا ــ بغداد، وقناة البحرين المتوسط والميت، وقناة البحرين الأحمر والميت، ومشروع بحيرة شالوم، إضافة إلى مشاريع سريّة أخرى.
يشير المؤلف أيضاً إلى «تدمير القطاعات الرئيسة» ومنها القطاع الزراعي والصناعي وقطاع الطاقة واستهداف قطاعي التربية والتعليم، فيما يحوي مجموعة من الملاحق ذات الصلة.
لا بد الآن من التنويه بضرورة إعادة طبع المؤلف بعد عملية تحرير شاملة تنقيه من الخطاب الحماسي الذي غرق فيه، على أن يُلتزَم الأسلوب العلمي الصارم مع تحسين نوعية طباعة المصورات ووضع الإحالات على نحو مفصل.
أخيراً، قد يسأل سائل: ما الذي دفع السلطات الأردنية إلى السماح بطباعة هذا المؤلف وتوزيعه؟! ثمة إجابة واحدة لدينا تقول: إن صاحب الجلالة مليك البلاد، مثل أبيه وجدّ الأخير، كبير الخونة، فخور بأن نظامه يؤدي واجبه الاستعماري بتحويل شرق الأردن إلى مستعمرة صهيونية، بعدما نجح، هو ومن هم على شاكلته من ميليشيات رام الله، في تسهيل تحويل فلسطين (الانتداب) إلى كيان أشكينازي صهيوني استيطاني استعماري.