جالسة على كرسي هزّاز، تشرد ماريان في ماضيها، مسترجعة شذرات من حياتها. تمرّدها على الجذور الأرمنية التي تنحدر منها، وشغفها بالفن التشكيلي الذي امتهنت تدريسه في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وصداقتها بخلية مثقفي الحزب الشيوعي اللبناني، وعلاقاتها العابرة برجال لم تترك فيها أثراً، باستثناء ندبة في جبينها خلّفها رسام عراقي التقته في لوس أنجلس، بعد ترك بيروت جرّاء الحرب الأهلية وقهقهات كثيرة يكاد صداها يتردّد في أذنَي قارئ الرواية.


في الفصل الأول من رواية «نساء بلا أثر» (رياض الريس) للكاتب اللبناني محمد أبي سمرا، يمّحي أي تسلسل روائي أو أحداث، مقابل الذكريات الدافقة للمرأة الستينية التي تستعيدها من دون حنين. الفردانية، هي هويَّة ماريان، ورافدها الأنف من الانتماءات الطائفية والاجتماعية والطبقية والحزبية... حتَّى انخراطها في خلية المثقفين في «الشيوعي» كانت «استبدالاً بمجالستي، في المقاهي، أولئك الذين كانوا مثقفي زمن ما قبل الحرب وفنانيه، وكنت أصغرهم سنًّاً، والمرأة الوحيدة بينهم في جلسات كثيرة» على ما تقول في أحد المقاطع. في الفصل الثاني، تلتقي ماريان صدفة بسارة داخل مقبرة في باريس، أثناء زيارة الأولى قبر والدتها. سارة، التي تصغرها بثلاثين سنة، هي سليلة عائلة شيعية، عاشت طفولتها في دمشق، مسقط رأس أمها. تعود بعدها إلى الجنوب حيث يتزوجها سرّاً مؤسس خلية «المقاومة الإسلامية» أبو العباس وهي في الثالثة عشرة من عمرها. ثمَّ، تتعرف إلى الشيوعيين في مدرستها، وتنخرط في حزبهم، وتتراجع في اللحظة الأخيرة عن أداء عمليّة استشهادية ضد «إسرائيل» باسم «الشيوعي». ومن بين أفراده، تختار في ما بعد زوجها الكحولي، الذي تسافر وإياه إلى موسكو وتنجب طفلها المتوحِّد. ترتبط المرأتان في علاقة جنسية، وتتوطد علاقتهما، وصولاً إلى دعوة توجهها سارة إلى ماريان لزيارة بيروت بعد ثلاثين سنة، فتفعل مع بداية الفصل الثالث. وعندئذ، يسير السرد سريعاً ومقحماً بالأحداث والشخصيات التي تلتقيها الرسامة، فيما تعيد التعرف مجدداً إلى ليلَي بيروت «الثقافي»، و«السرّي» قي تلك الشقة الشبيهة بزريبة في «الدورة».
في أمكنة وأزمنة واضحة، ولا سيما في فصلَي الرواية الثاني والثالث، يدور السرد الروائي، حاملاً الكثير من آراء أبي سمرا في مقالاته الصحافية التي تحفر في البيئة الجنوبية الشيعية، ومطنباً بالنمطيَّة والسخرية. يخلع أبي سمرا عباءة الروائي، ويمارس هوايته في البحث الاجتماعي، دافعاً الرواية إلى أنفاق الحياة الحزبية لـ«الشيوعي»، قبيل الحرب وأثناءها وبعدها. يحوي الفصل الثالث مواجهة بين جيلين من الشيوعيين: جيل ماريان المنحدر من بورجوازية مدينية عاش تحرّر بيروت في الستينيات والسبعينيات، وافتتن بـ«الشيوعي» من باب الهوية الفردانية، وجيل سارة الآتي من منابت جنوبية فقيرة، ورث حروباً لم يعشها، واستفاقت فيه من صور الجوع الشيوعي، صور من آل بيت الحسين الكربلائية، على ما تشرح سارة لماريان.
لا يميِّز أبي سمرا في روايته بين معاش محازبي «الشيوعي» وسلوكهم، وأولئك الذين في «المقاومة الإسلامية»، جنوبيي المنبت. كأن مصائر الرجال الريفيين من شيعة جبل عامل هو واحد، وكذا هو جوعهم للجنس، وإظهارهم في تبادلاتهم والآخرين عكس ما يبطنونه! كأن في مصائر نساء جبل عامل، مهما تمرَّدن، خيطاً رفيعاً يصلهن بمنابتهن كحبل سرّة، فيعجزن عن قطعه حتَّى في ذروة تطهرهن أو سخريتهن منه! يدور الكاتب داخل حلقات، كما هي حياة ماريان، مازجاً وقائع مع ذكريات وأحلام يقظة، ثم عائداً إلى آرائه الصحافية!
أبو العباس، زوج سارة الأول، كان يفض بكارة الطفلة سرّاً في منزله أثناء عمل زوجته في حقول التبغ، وجعل رحمها يحمل جنيناً أخذها تجهضه في مشفى حزبي بضاحية بيروت الجنوبية، ولم يتوان عن وطئها على سرير المشفى، قائلاً لها: «تألمي، تألمي، أنت زينب الدمشقية، حفيدة آخر الأنبياء وأخت أشرف الشهداء». أمَّا المسؤول الشيوعي الذي درّبها في ما بعد على أداء العملية ضد الاحتلال الإسرائيلي، واشتهى جسدها، فقال لها بعدما أعلمته أنها ليست بعذراء، وهي زوجة سرية لأبي العباس الذي أطلعته على العملية ضد الاحتلال: «ستكونين شهيدتين أو الشهيدة التي يجري في عروقها دم الحسين ولينين معاً من دون تمييز. بارك الله فيك، وسدَّد خطاك على طريق أهل البيت وديكتاتورية البروليتاريا لتحرير جبل عامل وفلسطين والطبقة العاملة التي ليس لديها شيء تخسره في نضالها سوى قيودها».
يرمّز كثيراً في روايته، ولو أن ترميزه يأتي من باب لزوم ما لا يلزم


في نبشه «خزائن» الحزب «الشيوعي»، يروي أبي سمرا على لسان ماريان، أن أعضاءه المسيحيين متفانون إلى درجة «الهبل» في حزبيتهم، مثل ذلك المدرس، الذي كان يشتري من راتبه الملابس والكتب والقرطاسية لفقراء مسلمين في منطقة نشاطه الحزبي، وما لبث أن اختطف من قبل ابن متلقي هذه المساعدات واغتيل. أو قد يختارون التطهّر من بيئاتهم البورجوازية اليمينية عبر المغالاة في كرهها وتوجيه الأذى إليها، كما ذلك المناصر الذي طلب من مسؤول الفصيل الفلسطيني قصف قريته حيث يعيش أهله. بعضهم، وفق الرواية، قد يعتنق هؤلاء الإسلام، كما فعل ذلك المسرحي الذي استلهم من التراث الإسلامي قصص مسرحياته التي كان يستخدمها كأداة في التعبئة الحزبية. «الشيوعي» بشهدائه ــ الذين كانت ماريان تصمّم ملصقات لهم بعد استشهادهم ــ ومراثي شعرائه لهم وأغاني مغنيه ذات الصوت الطفولي مهّدت الطريق، وفقه، لثقافة «عبادة الشهداء»، التي قامت عليها «المقاومة الإسلامية» في ما بعد، وصولاً إلى مشاركتها في الحرب السورية.
يرمّز الكاتب كثيراً في روايته الأخيرة، ولو أن ترميزه يأتي من باب لزوم ما لا يلزم، إذ إن ماريان وأصدقاءها من مثقفي الحزب هم ناس من لحم ودم، وأخبارهم ومصائرهم تُفلش دائماً على بساط أحاديث مثقفي بيروت. ينعى أبي سمرا هذه المدينة على لسان سارة: «هذه بلاد نسي أهلها متى تعرضت لما يشبه الزلزال، فأدمن الناجون منه العيش في خرائب أوقاتهم وأماكنهم، غير مدركين أنهم أنقاض تسعى بين الأنقاض».
«نساء بلا أثر»، هي تتمة لمقالات أبي سمرا الباحثة في البيئة الجنوبية، والمشمئزة من ممارسات الإسلام الخميني في لبنان، والحانقة على دخول «حزب الله» في الحرب السورية، والمتهكّمة من الشيوعيين وفلولهم وذريتهم. وحدها اللغة الآسرة فيها تهمد كدرنا من أحداثها، التي يقحم فيها الكاتب الأزمة السورية إقحاماً، إذ إن اللغة تسكب ذكريات ماريان وأحلامها ومناجاتها ومجونها وتصالحها مع نفسها وبورجوازيتها ووحشتها، في جمل تفيض صوراً.