رغم معرفتنا بالكثير من أعمال وسيرة المخرج الإيراني وكاتب السيناريو والمنتج عباس كياروستمي (١٩٤٠ـ٢٠١٦) الذي تحل ذكرى وفاته الثانية بعد أيام، إلا أننا لم نعرف كيارستامي الرسام. هناك المصور والمصمم الغرافيكي. هناك صانع الإعلانات والجينيريك والأفلام ذات الوظيفة البيداغوجية (قاربت العشرين) التي أنتجها في معهد السينما الإيرانية من أجل التطوير الذهني للأطفال والمراهقين. هناك قارة كاملة اسمها كيارستامي. في الأعمال الأولى («الخبز والطريق»/ ١٩٧٠ و«ساعة الاستراحة»/ ١٩٧١ وغيرها)، وفي الأعمال اللاحقة، هناك دائماً ولدٌ حاضر يتكلم، يروي دائماً القصة ذاتها، متسلحاً بدايةً بكل عناصر التشويق: كيف أن الطفل الموجود في الإنسان يصطدم بصورة مبرمجة أمام منطق الراشدين، وكيف عليه أن يستجمع كل شجاعته ليستنطق الرغبة المقموعة ويصل إلى الإنسانية الحقة. في عدد مرموق مخصص لعباس كيارستامي من «دفاتر السينما» في تسعينيات القرن الماضي، خص المعلم الإيراني المرهف المجلة بقصة قصيرة تترجم للعربية للمرة الأولى، هي أقرب إلى «قصيدة هايكو» سينمائية، عن زيارة له إلى البرازيل، حين كان عضواً في هيئة تحكيم «مهرجان الريو السينمائي» عام ١٩٩٢.

يطارد كيارستامي فتاة جائعة من أطفال الشوارع هناك، والرجل الذي يعتبر الصورة «أمّاً لكل الفنون». يقدم لنا في المطاردة القصيرة المرتكزة إلى قطعة هامبرغر، فضاءً مصغراً لفيلم جديد كتبه كيارستامي فوق الورق بإحساسه العالي وتشويقه الدائم ونظرته الثاقبة.

فجأة، لمحتها، توقفَت عند زاوية شارع صغير وكانت تحدق في واجهة أحد المتاجر. كان متجراً للمجوهرات. توقّفْتُ وبدأتُ بمراقبتها. أردت أن أشاهد وجهها. حتى اللحظة، لم أكن قد رأيتها إلا من الجانب. أردت أن أبصر وجهها من الأمام. دخلت في متجر المجوهرات. الباب يُفتح بعد قرع الجرس والصائغ كان مبتهجاً للغاية لوصول زبون. لكني كنت أحدق في الواجهة، في الجهة الأخرى من الواجهة، والصائغ الذي يعرف المهنة عن ظهر قلب والزبائن تركني أختار. لكني كنت قد اخترت. شاهدت وجه الفتاة المراهقة التي كانت تنظر بانتباه إلى الحلي المعروضة في الواجهة. انعكاس نور الواجهة على وجهها كان يزيدها ألقاً.
انا متأكد من عدم انزعاجكم من تكرار القول كم كان وجهها جميلاً، وعيناها صافيتين، وبشرتها ندية. لكن، حتى اللحظة لم أكن قد تكلمت إلّا عن نصف هذا الوجه لأني لم أره إلا من الجانب. الآن كنت أرى وجهها بأكمله بهياً مثل البدر، في ظروف استثنائية، تحت ضوء باهر مصحوب بالموسيقى. كان كونشيرتو قيثارة بوتشيريني يُبَثُّ في المتجر. نوع من الموسيقى العظيمة. الديكور بأكمله كان يبدلها من حال إلى آخر، حتى إنّي أنا أيضاً أردت أن أنسى بأنها جائعة.
انحَنَت قليلاً وكانت تشاهد الحلي. لا أعرف لماذا قطّبت حاجبيها. حين كانت تركز في خاتم أو سوار، كانت تقطب حاجبيها أكثر. لكثرة وقوفها، بدا كأن الصائغ بدوره قد قطب حاجبيه. رأيت انعكاس هيئتها على الزجاج. كان ينتظر بحزم وبلباقة أن أختار قطعتي. أنا، بهدوء، كنت أشاهد الجوهرة الحقيقية، وجه الفتاة، في نفس الوقت الذي كانت تتأمل فيه القطع المبعثرة. أردت أن أحدق في إحداها في الوقت ذاته، لكني لم أفلح. أردت أن أعرف ماذا تحب هي في قطعة من الحلي. أردت أن أعرف رأيها، كائناً ما كان. كانت تنظر إلى الحلي، دونما اهتمام، وكنت أنظر إليها بالتحديد، ولم أكن لأتوقف.
أريد أن أتكلم وأعيد الكلام عن لامبالاتها. تعرفون مثلي جيداً أن الحلي لن تثير اهتمامها طالما هي جائعة. لم تختر أياً من القطع وإلّا لكانت دخلت المتجر، ولَكان الباب قد فُتح مع رنَّة صغيرة من الجرس. لكنها لم تدخل، بل انصرفت. خرجت بدوري من المكان، مصحوباً برنّة الجرس ذاتها، فرأيت هامة الصائغ، شبيهة بما قد ذكَرته قبل قليل. شُبِّه لي أنه في نهاية مكوثي في متجره، فاحت رائحة الهامبرغر من كيسي وفهم بأني لست بالزبون الحقيقي. الآن، بعدما شاهدت وجه الفتاة، صار يشقُّ عليَّ أن أعطيها قطعة الهامبرغر عديمة القيمة هذه. بدا لي الأمر صعباً. لم أكن لأعتقد بأنها ستقبل هديتي المتواضعة. ماكدونالد كان طعاماً للسيّاح المفلسين.
طاردتها بخطى مستعجلة. اقتربت منها؛ بتُّ منها على خطوتين. لكن لم أعد أجرؤ على الاقتراب أكثر. تذكّرْتُ مراهقتي، اليوم الذي تبِعتُ فيه صَبِيَّة برسالة مجعَّدة الورق في يدي، ثم خشيت الاقتراب منها. كنت خائفاً ألّا تَقبلها. والآن، الأمر سيان. لو لم أرَ وجهها، لكانت الأمور أسهل. لو كنتم في الموقف ذاته، فإنكم بدوركم لن تجرؤوا. اعتدادها بنفسها كان يمنعني من أن أدنو، ويعقد الأمر برمّته.
أعدكم بأني لن أتكلم ثانية عن اعتدادها بنفسها. إنها المرة الأخيرة. لكن تذكروا جيداً هذا الاعتداد. لو أنكم تذكرون خطواتها في المشي، لم أكن لأكلمكم عنها أيضاً. لكني أنا الذي رآها، وليس أنتم. أنتم تسمعون إفادتي فقط. لهذا أكرر الكلام من وقت لآخر، لئلا تنسوا، أو لئلا تأخذوني كأحمق كان يطارد جائعة، كما يفعل أي شخص يمكن أن يلتقي بمثيلتها في محيطه. باختصار، لو تذكرتم دائماً النقطتين الآنفَتَين الأساسيتين، فإني لن أعيدهما أبداً. كنت أقول بأن قلبي كان يدق بشدة. لقد كان ذلك شعوراً جديداً للغاية بالنسبة لي. ليس فقط بسببها، وهي الطارئة على اهتمامي، ولكن لأني تذكرت شبابي.
في تلك الحقبة، كانت الفتاة الأخرى تمتلك تقريباً العمر ذاته، ثلاثة أو أربعة عشر. وفي ذلك اليوم أيضاً، دق قلبي بشدة، أكثر حتى من اليوم هذا. الموقف الحالي شبيه بما حدث من أربعين عاماً. أخيراً وجدت حلّاً. الحل نفسه الذي وجدته من أربعين عاماً. في ذلك اليوم، سبقت الفتاة بحيث أنها لم ترني. وضعت الرسالة في فتحة عارضة من الاسمنت وانتظرت على مسافة خمسين متراً لأراقبها وهي تسحب الرسالة. لكن الحانوتي في الحي هو الذي أخد الرسالة وسلَّمها لأخ الفتاة، وكانت النتيجة ضرباً بالعصا وكدمات زرقاء فوق ظهري. لكن الأحداث المتشابهة لا تنتهي بالضرورة بالطريقة ذاتها. هنا، شارع «باوليستا» في البرازيل، وهناك كان شارع «اختياري» في إيران. وقتها كان عمري أربعة أو خمسة عشر عاماً، الآن أنا في الرابعة والخمسين. وقتها، كانت رسالة في يدي، والآن إنها قطعة من الهامبرغر... والآن يجب أن أضع قطعة الهامبرغر هذه في سلة للمهملات بحيث لا تراني، وبحيث تعثر عليها بعامل الصدفة تماماً. لكن من هو الشخص الذي يلقي بقطعة هامبرغر كاملة في سلة للمهملات؟ لا أحد، إلا لو كانت هامبرغر فاسدة. وهي لن تأكل بالتأكيد من طعام فاسد. حتى لو كانت تأكل الهامبرغر من وقت لآخر، فإنها، على سبيل التغيير، لن تستبدل الهامبرغر بآخر فاسد. بعد كل ذلك، أنتم لم تروا وجهها. اطمئنوا فإني لن أكرر الكلام بشأنه. كنت أعلم بأني يجب أن أحافظ على الشكليات. الحل الأمثل كان يقتضي بأن أشطر قطعة صغيرة وأرمي الباقي في السلة. لكني لم أكن لألتهم الشطر المقتطع. في ظروف كهذه، لم يكن يمكنني أن أبلع لقمة واحدة. صدقوني، لست بصدد إظهار المشاعر النبيلة. لم أكن جائعاً وكنت أذكر بأنه يجب أن أتناول العشاء مع باقي أعضاء اللجنة. كان موعدنا في بهو الفندق عند الساعة السادسة والنصف مساء، والساعة الآن تشير إلى السابعة.

كنت أرى وجهها بأكمله بهياً مثل البدر تحت ضوء باهر مصحوب بالموسيقى


الشمس غابت. تم تشغيل المصابيح الكهربائية لإنارة الطريق.
قطعت الشارع الذي تبلغ مسافته طولياً كيلومترات ثلاثة، منطلقاً من شارع «باوليستا» تقريباً حتى نهايته. الآن، تخطيتها لأضع الهامبرغر في السلة، لكني خائف. خائف من أن أثير انتباهها.
الشارع مقفر تقريباً. على الرصيف ندر العابرون. ذهبت إلى السلة التالية، وضعت الهامبرغر فيها، وتظاهرت بأني أحدق في واجهة المتجر المقابل، بينما احتفظت بالقسم المشطور في يدي، ولم أدر ما سأفعله به.
لم أعر في حياتي اهتماماً لحفنة طعام بهذه الطريقة. هذا القسم الذي شطرته اتخذ بالنسبة لي بعداً جديداً بالكامل. لم يكن بوسعي أن آكله أو أن أرميه. بالضبط، كنت أحمله تحت إبطي. أتت الفتاة من بعيد، وأنا دون الالتفات للخلف، كان بمقدوري رؤيتها. المتجر المقابل كان لبيع الدمى. كان يمكن رؤية بابا نويل في الواجهة مبتهجاً وسعيداً، مع كيس في ظهره، منتصب القامة يحرك برجليه على دواسة دراجة هوائية، وحوله شجرات الميلاد البلاستيكية الخضراء، وبينها كريات بيضاء وذهبية، ونجوم من الألوان كلها. كنت أود أن أضع القسم المشطور من الهامبرغر في كيس بابا نويل، وأن أترك له القرار بأن يأخذه للمكان الذي يريده، وللشخص الذي يريده. في أمكنة أخرى من هذا العالم، سيكون هذا الشطر الهدية الأجمل من بابا نويل لجائع آخر.

المرجع:
Le Sacré- Citoyen Cahiers de Cinema- Juillet /Août 1993 numero 493