ترجمة: خيري الضامن

منزلها الصغير المطلي بطين وردي فاتح مخلوط بذرق الطيور يقع على مسافة من سائر منازل البلدة، ويتنحى عنها بين المتنزه القديم المهجور والنهر، هناك حيث يتحول شارع سيميوركا المبلط بالآجر الأحمر إلى درب رملي رمادي يمتد على طول سكة الحديد المؤدية إلى فيلنوس.
اسمها صقلية. ولما كان الكثيرون يجدون صعوبة في نطقه، فقد أطلقوا عليها تسي- تسي. وبالفعل طبعها أشبه بطبع ذبابة شريرة ضارة، مع أنها لم تلحق ضرراً بأحد في يوم من الأيام.
لاغرابة، في مثل سنها، أن تتشاجر وتعاكس وتتورط في خلافات الشارع التي لا تعنيها. - هذا ما تقوله عنها بويانيخا، كبيرة النمامات في البلدة.
والناس طوال حياتهم الواعية يتذكرون العجوز تسي تسي دوماً وهي في عامها المائة. الزمن يمضي ولا تغيير.

(جايسن بارد يارموسكي ـ الولايات المتحدة)

كانت في حينه تقيم مع ابنتها، إلا أن البنت سرعان ما تزوجت وارتحلت بعيداً، فما عادت تذكّر أمها بوجودها إلا في أوقات نادرة حين تبعث بطاقة تهنئة بعيد من الأعياد.
منزلها هو الوحيد غير المسيج في البلدة، ولذا كانت الكلاب تسرح وتمرح في حوشه، فيما توجد الدجاجات حرة طليقة وتغزو مشتملات العجوز. أما القطط المنبوذة السائبة، فتجد على الدوام شيئاً من اللبن في صحن مثلوم مركون عند المدخل. كانت العجوز تتطلع إلى هذه الكائنات التي تلعق اللبن بنهم وتخاطبها متشفية: «ماذا، يا عاهرات؟ لولاي لنفقتن».
العجوز تقيم أودها من جنينة خضار وخمس دجاجات وعنزة.
ولا أحد يفهم لماذا تطلي هذه المرأة الطاعنة في السن جدران منزلها القرميدي بالطين الوردي تحمله دلواً دلواً من جرف النهر الذي اختارته أسراب الطيور موقعاً لبناء أعشاشها. ففي كل الأحوال، يتشقق الطلاء ويتساقط في الشتاء. إلا أن العجوز تمضي كل ربيع، حالما يتدفأ الجو، إلى الجرف وتعود مثقلة بدلو طين الطيور لتعيد الى المنزل «رونقه» السابق. وإذا هب أحد الرجال لمساعدتها تنهال عليه باللوم والتقريع: «يا لك من سكير متملق، حبذا لو ساعدت زوجتك، وإلا ستضطر قريباً أن تضاجع ديكاً يثب عليها ويروي غليلها».
في باحة المنزل شجرة كستناء يتجمع تحتها في ليالي الصيف لاعبو الدومنو وسكارى البلدة. نساؤهم يعرفن أين ينبغي البحث عن أزواجهن المتهتكين. لكنهن لا يشعرن بغيظ من العجوز. وتأتي عدة جارات إليها مرتين في العام، في الربيع والخريف، ليساعدنها في تنظيف المنزل وطلاء ما يحتاج إلى طلاء وقشط ما ينبغي قشطه. ثم تُفتتح زجاجة أو زجاجتان من النبيذ الأحمر، وتبدأ الأغاني العاطفية وتحاك نمائم ووشايات جديدة.
طبيعي أن تنهال العجوز على جاراتها بتقريع عنيف كنباح كلبة مسعورة. لكنها لم تعد قادرة على طردهن. فقد خانتها قواها، وهي تنتظر الموت يوماً بعد يوم طوال العشرين عاماً الأخيرة.
وقال لها الدكتور شيبيرستوف صراحة إنها مصابة بسرطان الرئة: «لا مفر من الموت يا صقلية». ألقت نظرة غاضبة على الطبيب العملاق طالته من أخمص قدميه إلى هامة رأسه، وقالت: «هيهات، لا تنتظروا مني أن أتيح لكم هذه الفرحة». ولم تغير عاداتها حتى بعدما عرفت بحتمية الموت. ظلت كالسابق تطلي جدران منزلها بالطين الوردي الفاتح في الربيع. وكالسابق ظلت في أماسي الصيف تستضيف لاعبي الدومنو والسكارى الذين لم يعودوا من زمان يلتفتون إلى ملاماتها. وكالسابق، ظلت تركن الصحن المثلوم وفيه اللبن عند المدخل لأجل «العاهرات» المنبوذات المغرمات بالمواء. وإذا خطر ببال أحد أن يشفق عليها فإنها تنفجر غاضبة وتنهال عليه بوابل من التقريع، فلا يبقى أمامه سوى الفرار بجلده. ضاقت بها النمامة بويانيخا ذرعاً ذات مرة فقالت: «عجيب أمرك يا عجوز. هذا لا يرضيك، وذاك لا يرضيك، فلماذا تعيشين إذن؟ إبصقي على الدنيا وغادريها». لوت العجوز ثلاثة من أصابعها المعروقة في هيئة بعيدة عن الحشمة وكادت تدسها في أنف النمامة: «خذي، ومصّي! أنا لم أولد من أجل أن أموت بهذه البساطة».
على فكرة. أهل البلدة سرعان ما عرفوا على نحو ما أن صقلية اتخذت لنفسها بدعة جديدة. ففي ساعة متأخرة من العصر، عندما تبقى لوحدها، ترتدي «الكفن»، وهو عبارة عن قميص بسيط طويل من قماش خشن تسميه الكفن، وتتسلق قاعدة النافذة العريضة وتنفث فقاعات الصابون في جو الحديقة. ولا أحد يعرف ما يعتمل في نفسها وما تفكر فيه أو تشعر به في تلك اللحظات. الفقاعات الشفافة تتطاير بصمت من العود الأجوف وتسبح برفق على ضوء المغيب. فقاعات فضية ومذهبة وحمراء قانية وبنفسجية. فقاعات من كل الألوان. والغريب أن أنفاس هذه العجوز الحقود تبعث بكل سهولة هذا الجمال البديع وإن كان لا يدوم سوى لحظات...
وخلافاً لتوقعات الدكتور شيبيرستوف، عاشت العجوز تسي- تسي سنوات طويلة أخرى. وعندما يمر الناس بمنزلها يسألونها عادة: «ماذا؟ ألا تزالين تنتظرين الموت؟». وكالعادة، وبلا أثر للاستياء، ترد عليهم صقلية وهي جالسة طول الوقت عند النافذة المفتوحة على مصراعيها: «نعم، أنتظر الموت ...». وصار الموت بالنسبة لها حياة.
لم يكن ثمة شيء خارق في أنها تعيش رغم كل شيء ورغم كل الأنوف. إلا ان الناس يعتبرون حياتها لغزاً، سراً من الأسرار الغيبية. وما من أحد يشك في غيبية ذلك السر.
كان الذين يعانون من الوساوس، وخصوصاً المرضى وأقرباءهم، يتحاشون المرور بمنزل العجوز ويتفادون الحديث عنها كيلا يجلبوا النحس وسوء الطالع. وأكثر ما يخشونه أن يبلغ مسامعهم ذات يوم أنّ ملاك الموت حصدها بمنجله. ولذا تخشبوا ولم يحركوا ساكناً بالمرة عندما أبلغ الصبي نيكيتا أرزاماتسيف والديه في أحد أيام الصيف أنه رأى الأطيار تدخل دون عائق نوافذ منزل العجوز المفتوحة على مصاريعها. ومضى شرطي الحارة ليوشا ليونتيف إلى هناك.
مضى الشرطي مصطحباً عدة رجال أقوى منه. إلا أن هؤلاء لم يجرأوا على اجتياز عتبة باب منزل صقلية. وظلوا ينتظرون الشرطي طويلاً، حتى ألم بهم القلق. فقد دخل المنزل لوحده ولم يخرج منه. وفجأة صاح والد الصبي أرزاماتسيف بصوت مخنوق وهو يشير بإصبعه إلى النافذة المفتوحة: «تسبح». ورأى الجميع فقاعة شفافة تسبح بهدوء صوب المغيب. وتبعتها فقاعات أخرى من مختلف الألوان. حقاً، لم يكن من السهل التصديق بأن هذا الجمال من صنع أنفاس العجوز الحقود التي تنتظر الموت. وتنفس أرزاماتسيف الصعداء: «حية إذن. فلنذهب». وانصرف الرجال دون ان ينتظروا الشرطي ليونتيف.
غادرنا البلدة عندما بلغتُ السابعة عشرة من عمري، فلم أحضر تشييع صقلية. إلا انني أتذكر حتى الآن كيف ابتهج الناس عندما علموا أن العجوز لا تزال على قيد الحياة. وقال أبي ضاحكاً: «ربما لا تزال تطلق فقاعات الصابون حتى اليوم. ولن يؤثر فيها شيء، والحمد لله». فقالت ماما لأبي بشيء من الحدة: «اكتب إلى الجيران في البلدة. فلا بد ان أحداً منهم رأى الجنازة...» واكتفى أبي بأن هز كتفيه: وما الداعي؟ حقاً، ما الداعي؟ ألم تقل بويانيخا: «ما تراه أنت بأم العين أعرفه أنا بالحدس وحده؟». ثم هل يكلفنا شيئاً أن نطيل ولو بالخيال حياة العجوز العنيدة التي لم يبق لديها سوى فقاعات من مختلف الألوان تنطلق من شفتيها وتنطفئ؟ فلتبق إذن على قيد الحياة!

* يوري بويدا (1954) كاتب روسي يكاد يكون غير معروف للقارئ العربي رغم أنه في طليعة أدباء «الموجة الجديدة» و«ما وراء الحداثة»، إلى جانب أشهر الروائيين المعاصرين مثل ماكانين وبيليفين وسلابوفسكي ويروفييف وفارلاموف وغيرهم. له ثلاث وثلاثون رواية ومجموعة قصصية منها: «دون دومينو» و«الدم الأزرق» و«الأحراش» و«القلب الثالث» و«دار المجاذيب» و«عبور الأردن» (قصص) و«السندباد البحري» (قصص). ترجمت رواياته لحد الآن إلى عشر لغات ليست العربية من بينها. واشتهرت بخاصة روايته «اللص أنا، والقاتل أنا» (2012). وهي سيرة ذاتية متخيلة تتناول تعقيدات المجتمع السوفياتي في مستهل النصف الثاني من القرن العشرين. بطل الرواية كاتب يعترف بأنه يتلصص على أفكار الآخرين وينتحلها ثم يقتلها عندما يسطرها على الورق.