في روايتهِ «الحلم الألماني» (منشورات المتوسط)، يعرض الكاتب والمترجم المغربي رشيد بوطيب أزمة المهاجرين المغاربة في فرانكفورت الألمانية، عبر شخصيات تجهل الانتماء، وتعيش صراعات شتى، لأجل الخبز والحرية والكرامة قبل أن تصحو على الألم والوهم. تستقصي الرواية ملامح الغريب الذي فقد وجهه في اللجوء، باستخدام حوارات هزلية أشبه بمحاكمات فلسفية، حيث يأخذ السرد برمته، شكل حوارات متعددة ومتداخلة، تميزها لغة عنيفة حقيقية حكيمة. لغة ساخرة ومقتضبة تضّج بالحياة والصخب، مثلما تشيع عذوبة وهدوءاً وهشاشة، تشير إلى أناس يسعون إلى دفن الماضي ونسيان أنفسهم في غمرة من الانفعالات والأحاديث عن السيطرة والحب والتملك، عن الوحدة والغربة والظلم. تستقصي الرواية ملامح الغريب، التي تشترك فيها شخصيات عدة، إذ يغيب الفرد في رواية تبحث عن سعي الأفراد إلى تحقيق ذواتهم، وتحضر السمات المشتركة للولو وزبائنها، الذين لم ينالوا سوى البرد الألماني القارص.


لا يعرف علي الزمن، وإنّما يعرف اللحظة، تجاوز الخمسين ولا يشعر بحاجة إلى امتلاك منزل. تبيع لولو الهوى، وتخبئ صديقها علي تحت السرير، تواجه رجال الشرطة الذين يلاحقون مهاجرين مغاربة بالقول إنّها تؤدي «واجبها الوطني». بين زبون وآخر، يتجادل علي ولولو، يدوران في حلقة تغيير فارغة، بين تغيير أنفسهم أو تغيير العالم. يفضل علي الألم على الوهم، وتجد لولو في الإيمان بالتغيير نوعاً من السلوى. تعتبر الشعراء كاذبين، ويجدهم علي ضرورة كي يبكوا على أطلال البشرية. يعتبر الكذب رحمةً، وتريد لولو رجلاً بمبادئ صلبة، المبادئ التي يراها علي تحول الحياة إلى جحيم، في حين ترى لولو الكلمات هي ما يصنع ذلك. عانى علي من زوجة اكتشفت الجنس بعد طلاقهما، وراحت تبحث عن الرجال انتقاماً منهُ، ويأتي الرجال إلى لولو بحثاً عن الحب والحرارة: العجوز الذي يرفض أبناؤه السماح له بالزواج بعد وفاة والدتهم، الشاب الذي لا تغادره كتبهُ ولا يتوقف عن إهدائها للولو، بائع الحيوانات المنوية الذي يعطي الزهور للولو بعد أن يحصل عليها من مديرته في البنك. تسخر لولو من بائع الحيوانات المنوية بأنّ أبناءه سوف يحكمون ألمانيا، ويدفع أكاذيب العرب عنهُ، بالادعاء أنّ حياة العرب أكذوبة لشدة حبهم نسج الحكايات، ثمّ يخبرها عن ادّعاء مديرته في البنك أمام المحكمة بأنّه ينوي استيراد الحيوانات المنوية من دول تنتج الإرهاب متى ما ساءت علاقتهما وفكر في بنك خاصٍ بهِ. يشهد علي ولولو من النافذة مظاهرات ضد التواجد المغربي في فرانكفورت، على الرغم من أنّ المهاجرين يختبئون ولا يعيشون، إلّا أنّ الرواية تشير إلى اختلاف الحاجات من النظام. فالنظام الألماني الذي يشكل حلم المغاربة، هو نظام يحتمل الخطأ لدى الألمان، لهم حق الاعتراض ورؤية المثالب فيه، فيما يبقى المبغى أكثر مؤسسة ديموقراطية، لا يفرق بين الأديان، ويُظهِر المصير المظلم للمرأة وللفقراء. في المقابل، يُعتبَر دواءً للتطّرف، فالمتطرفون يفتقرون للحب، وبغياب المتعة يتحول الناس إلى متطرفين. إنّ لولو المتعبة من الحياة أهم من مارتن لوثر، حسبما يخبرها علي، وتجده لولو إنساناً فاشلاً، لكنه بتفكير عبثي ماهر، يخبرها بأنّ «الإخفاق أقصر الطرق إلى الله». تمثل لولو ركيزة الرواية التي تبدو رواية شذرات وأقوال. رواية يبنى حدثها عبر النقص لا في الاكتمال. إنّ علي الذي اختبر الحب العظيم، الحب الذي لا يعرف الغيرة، وهو مختبئ تحت السرير، يدرك أنّ لولو وهي تمنح جسدها للآخرين، كانت تحيط ذلك الجسد المنهك بهالة من القداسة.
أزمة المهاجرين المغاربة في فرانكفورت الألمانية


تشهد الرواية أحداثاً قليلة؛ تطرد الشرطة إحدى زميلات لولو لتنتحر على الجسر عوضاً عن العودة إلى بلدها، فيما تختفي زميلتهما الثالثة حزناً عليها. تبرز لولو شخصية شفيفة، محبة، قلقة من المستقبل، مخاوفها كثيرة لأنّها محاطة برجال جاؤوا من ثقافة تجد الرجال الحقيقيين لا يرقصون. تكتشف الرجال في ألمانيا، يرقصون ويحبون ويتألمون «إنّ لهم أخلاقاً». يتوفى العجوز المغربي، المعروف بالمستشار، وهو منصب نتج عن إهمال ألمانيا للمهاجرين، وحاجتهم لمن يدير شؤونهم ويمثلهم. يترك وصية أن يدفن في مقبرة مسيحية لكي يعزز ثقافة الاندماج، ترفض الكنيسة الجثمان، ويشترك عشّاق لولو في خطة لدفن المستشار في مقبرة مسيحية، بالخفية، مثل كلب، يعترض أحدهم، ويجيب آخر، كلنا سنموت مثل الكلاب.
تنتهي الرواية بهم إلى مصحة نفسية في مصير آسر؛ لا يخلو من الإشارات إلى الأشخاص المأزومين، الذين اختلطت هوياتهم وآمالهم، وتداخلت في أذهانهم الأنظمة الديموقراطية التي يحلمون بالعيش في كنفها والتي تصدر السلاح والموت إلى بلدانهم في الوقت ذاتهِ. ينتبهون إلى انتهائهم لمجرد أشياء؛ لا يشعرون بالألم، لا يفهمون الانتماء، ويزعمون الحياة بضحكات خالية من الروح. عوضاً عن إرسالهم إلى دروس الاندماج، وجدوا أنفسهم في مصحة نفسية يهربون من الأطباء النفسيين مثلما كانوا يهربون من الشرطة. إنّهم عشّاق لولو وزبائنها، عندما يسأل أحدهم الآخر: من أي بلد أنت؟ يجيبه: أملك الجنسية الألمانية! وقد استبدلوا الصراع مع الكلاب الشاردة في بلدانهم بمواجهة عنصرية الألمان. أي؛ «عنصرية المتحضّر»!