أتاح ظهور السينما مجالاً جديداً للنص الروائي، ولم تَعدْ مساحة العمل الأدبي قيد رهانات القراءة، بل تحولَت المادةُ المسرودة إلى صور مرئية مرفقة بِمؤثرات أساسية في صناعة الأفلام. وهذا يعني توفير فضاء أرحب من الجمهور والمُتابعين لنتاجاتٍ أدبية في حيزها الصوري. وقد انفتحتِ الروايةُ على مستوى الشكل والتكنيك على فن السينما، وجرّبَ كثيرُ من الروائيين كتابة السيناريو للأفلام السينمائية. بالتالي، ترى انعكاسات هذه الخبرة في مؤلفاتهم السردية كما يظهر في رواية «العاشرة والنصف ليلاً في الصيف» (1960 ـــ انتقلت أخيراً إلى العربية عن «منشورات الجمل» بترجمة اسكندر حبش)، للفرنسية مارغريت دوراس التي كتبت سيناريوهات الأفلام، ورازت أدوات الصُنعة في هذا المجال. لذا يأتي بعضُ أعمالها مرتباً بناءً على شكل السيناريو، الأمر الذي تلمسه في الرواية التي نحن بصددها.


إذ تُدخلكَ مؤلفة «مرض الموت» إلى تفاصيل ما يُشكلُ البنية الأساسية في الرواية، وتتابعُ حلقات الرواية بدءاً من لحظة وصول المسافرين إلى بلدة إسبانية. يكون المُتلقي أمام مقطع حوارٍ يدور حول حادثة قتل، حيث المتورطُ هو رودريغو بايسترا الذي قتل زوجته وطوني بيريز عندما صادفها في حضن الأخير. والحال هذه، لم ينقضِ إلا ثمانية أشهر على زواج القاتل بالفتاة البالغة من العُمرِ 19 سنةً. إذاً، فإنَّ جريمة القتل تُحرك بندول السرد وَتُصبحُ دافعاً لاسترسال الحوار بين ما يُسمى بالزبون، والمرأةِ القادمةِ من فرنسا داخل الحانة. تمضي الأخيرة في السؤال عن سبب عدم القبض على القاتل، مع أن المدينة ليست كبيرةٍ. يكون جواب الزبون أنَّ رودريغو يعرفُ تضاريس المدينة أكثر من الشرطة، كما يخبر ماريا بمخبأِ الرجل المُلاحَق. أضف إلى ذلك، أنَّ المؤلفة تعتمدُ على الحوارِ بدلاً من النمط السردي لنقل الوقائع. وفي السياق ذاته، تُعلن عن المُؤشراتِ الزمنية المُرتبطة بتوقيت وصول القادمين من فرنسا. وإذا كانت مارغريت دوراس تَميلُ في رواية «الحُبّ» إلى تقويض بنية الحدث وتتبدى الشخصيات الثلاث في صورة باهتة مواكبةً لوصفات الاتجاه الجديد في كتابة الرواية، فإنها تتخذُ في «العاشرة والنصف ليلاً في الصيف» منحىً مغايراً. إذ يكونُ التواصل بين الشخصيات مرتبطاً بعنصر الحدث. ومثلما أشرنا أعلاه، فإن الحدث المحرك هو مقتل بيريز والمرأة التي كانت معه، وهروب القاتل. وبذلك تتراصُ ثيمات عدة في مَنظومة العمل: الحُب والخيانة والجريمة والمُلاحقة والغيرة. أبان الحوار أن بيريز هو من سكان المنطقة، بينما زوجة رودريغو أتت من مدريد. وبعدما تزوجت، صارت ترغب في جميع الرجال على حد قول الزبون. يقطع دخول بعض الشخصيات إلى المقهى الحوار، ناقلاً ما يدور خارجها من البحث عن المجرم كما تتواتر التعليقات عن أحوال الجو. هناك وجه آخر لاختلاف أسلوب دوراس في هذا العمل، هو ذكر أسماء الشخصيات بعكس ما فعلته في روايتيها «العاشق»، و«الحُب». إذ يُفْهَمُ من خلال متابعة الحوار أن ماريا وصلت إلى إسبانيا برفقة زوجها بيار وابنتهما جوديت والصديقة كلير. تدور الأحداث بين هؤلاء، إضافة إلى القاتل. ومع توالي وحدات الرواية، تتبيّن رغبة ماريا في معرفة تفاصيل الحادث. تتأخر رحلة المسافرين إلى مدريد وتبيتُ ماريا ومرافقوها في رواق الفندق. وما يزيدُ من عُتمة الليلِ هو انقطاع الكهرباء. ويضفي المطر والعاصفة طابعاً خاصاً إلى الأجواء يقابلهُ ما تجيشُ في أعماق ماريا من توقعات وانفعالات. إذ لا تفوتها متابعةُ حالةُ تقلص المساحة العاطفية بين كلير وبيار. وتتخيل تماهي الاثنين في حالة الحُب. كما يهمها رودريغو المختبئ على السطوح المُقابلة للشرفة التي وقفت فيها. وتراقب على جهة أخرى من شرفات الفندق، ما وصل إليه زوجها مع الصديقة وتلاحظ حركاتهما كلما برق الرعد. وهنا تعوّل مارغريت دوراس على نسج مشاهد كثيرة بإيحاء من تقنية السينما، مستفيدة من فن الإضاءة والديكور كما يكون تفعيل الحواس مدارَ موضع اهتمامها. وما يؤثثُ مشهدية الرواية هو مراوغة الراوي بين البعد الخارجي والداخلي لشخصية ماريا التي ما فتئت تعاقر الخمر وتفترضُ ما يتخذهُ شكل العلاقة بين زوجها والصديقة لاحقاً. إلى هنا لا يكون الفضاء الواقع خارج الفندق جزءاً من اهتمام الراوي إلا بقدر ما يوضحُ الإجراءات القائمة لمحاصرة الرجل الهارب.
نسجُ مشاهد كثيرة بإيحاء من تقنية السينما


يتوقفُ بناءُ الحدثِ على عامل الرغبة لدى الشخصية الروائية التي قد تصادف رغبةً مُعاكسة. تُمثلُ رغبة ماريا للالتقاء بالقاتل ومُغامرتها لتهريب رودريغو بسيارة «الروفر» إلى حقول القمح قبل طلوع الشمس، حلقةً أخرى من الحدث الأساسي. من الواضحِ أن الكاتبةَ تدع مجالاً لافتراضات المتلقي عن الدافع وراء هذه العملية: هل ترى ماريا بأنه يحقُ لرودريغو بايسترا الانتقام من امرأة خانته؟ بالتالي تساورها الرغبة نفسها في قتل زوجها المغرم بالصديقة؟ لا يمضي كثيرُ من الوقت حتى تثير تحركات الشرطة في المدينة انتباه الجميع، وتبدأُ الدوريات بالتفتيش، وتُطلقُ الصافراتُ وينشغلُ المقيمون في الفندق بالأمر إلى وقت متأخر. في البداية، لا تكشفُ ماريا ما قامت به، بل تخبر بيار بأنها غادرت مكان الإقامة لتمضية الوقت وشرب المنزيلا في الحانة. غير أنَّها لا تلبث أن تسرّ لهم بِمَخبأ المُطارَد ووعدها بالعودة إليه وقت الظهيرة. لا يقتنع بيار بما يسمعه من زوجته ويعتبرهُ نوعاً من الهذيان جراء الإسراف في الشرب، كذلك الحال بالنسبة إلى كلير. لكن ماريا تضعهما في الصورة وتحكي عن متابعتها لما كان في مرمى عينها في السطح المُقابل. تتجه السيارة نحو مكان رودريغو. وحين الوصول إليه، تلقاه ماريا منتحراً بالمسدس بين سنابل القمحِ. وهكذا يتبددُ حلمها بتهريب القاتل إلى فرنسا. ولايغيبُ رودريغو في حديث المسافرين نحو مدريد. كما لا تنقطعُ ماريا عن التلصص على غراميات كلير وبيار، فالأخير يبوحُ لعشيقته بحبه لماريا أيضاً، كما تنتهي الرواية بكلام متبادل بين ماريا وزوجها الذي يؤكدُ أنَّ حبها قارٌّ في قلبه غير أنَّه لم يعد يستطع الاكتفاء بامرأة واحدة، ولا يكون من الزوجة إلا أن تعلن نهاية القصة بينهما. وأخيراً تقفلُ الكاتبة عملها بصورة مشهدية حيث يجتمع حشد من الناس من بينهم المسافرون، لرؤية رجل يرقص على منصةٍ. يشارُ إلى أنَّ الاسترجاعات الخارجية لا تتخللُ الخيط الزمني لهذه الرواية باستثناء ما يستعيدهُ بيار من لحظات العشق في فيرونا مع زوجته التي توقظ مذاقات منسية، والإشارة إلى القيمة التأريخية للوحة غويا في «كنيسة سانت أندريا». وهذا ما يجعلُ الرواية رشيقة الأسلوب، بل جاهزةً لنقلها إلى الشاشة نظراً إلى ما تضمه من تشويق وإثارة وترابط بين التسلسل الزمني والبعد المكاني.