الحيوان، وفق الخطاب العلمي الراهن، صنو الإنسان وصورته الأولى ورفيقه اللذوذ. وفي الميثولوجيا الوثنية، كما في أساطير الوحي السماوي، يكاد مصير الإنسان يقترن بمصير الحيوان حياةً وفناءً. ووفق مدخَلٍ إناسي (أنثروﭘـولوجي)، يمكن اعتبار الحيوان حاملاً ضرورياً لطقوس دينية وطَوْطَمِيَّات مبثوثة في تاريخ الجنس البشري، إذ يروي هيرودوت، مثلاً، في تقصّياته، أنّ الأُسَر المصريّة القديمة كانت تحنّط قططها بعناية، وتدخل في حداد عليها بحلق الحاجبين. لكنّ للأدب والفن مدخلاً آخر، يعكس النظرية الداروينية، أو ربما عاد بها إلى أصولها، ليصير الحيوان مجرد إنسان مقلوب، مجرد إنسان عاد إلى طفولته، إلى طفولة البشرية، وهو ما حدا الفن الباروكي، على سبيل المثال، إلى جمع الإنسان والحيوانات في لوحات ومنحوتات ومعمار واحد، مؤكداً رؤية نهضوية سعت لا لإعادة الاعتبار للإنسان فقط، بل للحيوان أيضاً. ولهذه النقلة أثرها في الأدب العربي، فما جعل شاعراً مثل سليم بركات يكرِّس ديواناً كاملاً للحيوان، لا شك في أنه ناجم عن نزوعات باروكية، كان الشاعر عباس بيضون قد لاحظها آنفاً في اختياراته المعجمية.

سيعرف القرن 19 استمراراً للمشروع النهضوي الذي أتلى به التيار الباروكي، بظهور حركات الدفاع عن حقوق الحيوان. لكنّ الفنانين والأدباء كانوا دوماً أسبق في استشراف ما ينبغي أن يكون: فبينما كان فالديك، قطّ جورج صاند، يغدو ويروح فوق ملامس البيانو، كان شوبان يؤلّف الفالس العظيم الوهّاج على مقام «فا» الكبرى.
بهذين الْحِسَّيْنِ الأدبي والفني، اخترنا مواد هذا الكشكول، الجامع بين التراثي والمعاصر، العربي والغربي، الواقعي والمتخيَّل، المكتوب والبصري، تحيَّةً للحيوان الجميل والشرس الذي فينا.

الواسطي: جِمَالٌ

الدّميريّ: زمّج الماء
زمّج الماء: وهو الطائر الذي يسمّى في مصر النورس، وهو أبيض في حدّ الحمام أو أكبر، يعلو في الجوّ ثمّ يزجّ نفسه في الـماء ويختلس منه السّمك ولا يقع على الجيف ولا يأكل غير السمك (الدّميريّ، حياة الحيوان الكبرى).

الجاحظ: استعارة
[..] ومنها الجعل، وهو يتولّد من أخثاء البقر، وفي طبعه أنّه يموت إذا شمّ رائحة الطّيب، وإذا دفن في الورد مات أيضاً، وإذا أخرج منه ودفن في الرّوث عاش (كتاب الحيوان، ج. 5).
جُولْ رُونَارْ: قصتان طبيعيّتان

1. السّحليّة
ابنة عفويّة للحجر المتصدّع الذي أستند إليه، إنّها تتسلّق على كتفي. ظنّتني استمراراً للحائط لأنّي أبقى بلا حراك، ولأنّ لي سترة بلون السّور. هذا مبعث لطف رغم ذلك.
الجدار. — لا أدري أيّة رعشة هذه تسري في ظهري.
السّحليّة. — إنّها أنا.

2. الفراشة
هاته الرّسالة الغراميّة المطويّة على اثنين تبحث عن عنوان زهرة.
[Jules Renard: Histoires naturelles]

مالكولم دو شازال: آدم في الحديقة
رقصة التانغو فراشة بأجنحة حمراء وجسد أصفر. رقصة التانغو أثر قيام الأحمر سداً منيعاً في وجه الأصفر، سرعة خارقة في الانغلاق والانفتاح، كرمش فائق السّرعة لجفون حمراء على عين صفراء. نظرة: تانغو الكسوف الشّمسيّ يرفرف في هذا اللّيل النّهاريّ، كالحباحب، بجفونه الحمراء والصّفراء.
■ ■ ■

الفراشة تسبح بقوائمها وذيلها، تحاول أن تذبّ بجسدها، وتضرب بجناحيها – تركيبة مسعى السّمك، الزّواحف والطّير. ثلاثة أجزاء متّحدة في نفس المملكة؛ مثلّث حيوانيّ متقايس الضّلعين.
[Malcolm de Chazal: Sens plastique]

جيروم بوش: حديقة الملذات

سان- جون برس: طير
الطّير — من بين كلّ أقربائنا في الدّم، أكثرها تحرّقاً للحياة — تتّخذ لها على تخوم النّهار مقصداً متفرّداً. مهاجرة، ومسكونة بتضخّم شمسيّ، تسافر ليلاً، ذلك أنّ النّهارات، من أجل نشاطها، بالغة القصر. إبّان قمر رماديّ بلون عارضة الصّارية لدى أقوام الغاليّين، تعمّر بطيفها نبوءة الليالي. وصرختها في اللّيل صرخة الفجر بذاته: صرخة حرب مقدّسة تمتشق سلاحاً أبيض.
في مدقّ جناحها اهتزاز فسيح لموسم مضاعف؛ وتحت منحنى الحوم، انحناء الأرض ذاتها... التّعاقب ناموسها، الالتباس مملكتها. في الزّمان والمكان الّذي تحضنه بالحومة نفسها، هرطقتها هرطقة سبات صيفيّ فريد. هي أيضاً فضيحة الفنّان التّشكيليّ والشّاعر، مجمّعي الـمواسم في أعلى أصقاع التّقاطع.
يا للتّقشّف في اللحوم! الطّير — من بين كلّ ندمائنا، أكثرها شرهاً للوجود — هي تلك التي تحمل في ذاتها سرّاً، لتغذية شوقها، حمّى الدّم الأكثر علوّاً. بهاؤها في احتراقها. لا شيء في هذا رمزيّ: الأمر بيولوجيّ محض. وجدّ خفيفة، بالنّسبة إلينا مادة الطّير، بحيث تبدو، في أجيج النّهار، نزّاعة نحو التّوهّج. رجل في البحر، يتشمّم الظّهيرة، يرفع رأسه نحو هذه الفضيحة الصّاخبة: نورسة بيضاء منفرجة على السّماء، كيد امرأة قبالة شعلة قنديل، تسمو في النّهار بالوردة الشّفيفة في بياض خبز الذّبيحة..
أي جناح الحلم الهدّار، ستعثر علينا هذا الـمساء على ضفاف أخرى!
[Saint-John Perse: Oiseaux]

ڤاسكو بوبّا

1. بطّة
تتمايل عبـر غبار حيث لا سمكة تبتسم. تحمل من خلال خاصرتيها تململ الماء. مفتقدة للرّشاقة، تتمايل ببطء. والقصبات التي تفكّر بها، ستصلها بأيّة حال. أبداً، أبداً لن تستطيع المشي كما كانت تحرث المرايا.

2. حصان
له، عادة، ثماني قوائم. من أصقاع الأرض الأربعة، جاء الرّجل ليقيم بين فكّيه؛ ثمّ عضّ على شفتيه حتّى الدّم. ودّ لو يلوك ساق الذّرة هذا. وذا أمر انقضى عليه زمن طويل. في عينيه الفاتنتين، أسر الحزن نفسه وسط دائرة، لأنّ الطّريق لا تنتهي وعليه جرّ كلّ العالم من خلفه.
[Vasco Popa: Choix de poèmes]

خورخي لويس بورخص: كتاب المخلوقات المتخيّلة

1. طائر الرّخّ
الرّخّ تصوّر تعظيميّ للصّقر أو للنّسر، وثمّة من يزعم أنّ عقاباً أميركيّاً، ضلّ في بحار الصّين، أوحى به للعرب. لكنّ لين يرفض هذه الفرضيّة ويعتبر أنّ الأمر، بالأحرى، يتعلّق بنوع خرافيّ من جنس خرافيّ، أو بمقابل عربيّ لـ السّيمورغ. الرّخّ مدين بشهرته الغربيّة لـ «ألف ليلة وليلة». سيتذكّر قرّاؤنا أنّ السّندباد، عندما تركه مرافقوه في جزيرة، حقّق النّظر، فلاح له شيء أبيض، عظيم الخلقة؛ فإذا به قبّة كبيرة، بيضاء، شاهقة في العلوّ، كبيرة الدّائرة؛ وإذا بالشّمس قد خفيت، والجوّ قد أظلم، واحتجبت الشّمس عنه، وظنّ أنّه جاء على الشّمس غمامة، وتعجّب ورفع رأسه وتأمّل في ذلك؛ فرأى طيراً عظيم الخلقة كبير الجثّة عريض الأجنحة طائراً في الجوّ؛ وهو الذي غطّى عين الشمس وحجبها عن الجزيرة فازداد من ذلك عجباً؛ فتحقّق أنّ القبّة الّتي رآها إنّما هي بيضة من بيض الرّخّ. فبينما هو على تلك الحالة، إذا بذلك الطّير ينزل على تلك القبّة وحضنها بجناحيه، وقد مدّ رجليه من خلفه على الأرض ونام عليها. عند ذلك فكّ السّندباد عمامته من فوق رأسه وثناها وفتلها حتّى صارت مثل الحبل وتحزّم بها وشدّ وسطه وربط نفسه في رجلي ذلك الطّير وشدّها شداً وثيقاً، وقال في نفسه لعلّ هذا يوصله إلى بلاد المدن والعمار ويكون ذلك أحسن من جلوسه في تلك الجزيرة. وبات تلك الليلة ساهراً خوفاً من أن ينام فيطير به على حين غفلة. فلمّا طلع الفجر وبان الصّباح، قام الطّائر من على بيضته وصاح صيحة عظيمة وارتفع به إلى الجوّ حتّى ظنّ أنّه وصل إلى عنان السّماء. وبعد ذلك، تنازل به حتّى نزل إلى الأرض وحطّ على مكان مرتفع عال. فلمّا وصل إلى الأرض أسرع وفكّ الرّباط من رجليه. والسّندباد ينتفض، تمشى في ذلك المكان؛ ثمّ إنّ الرّخّ أخذ شيئاً من على وجه الأرض في مخالبه وطار إلى عنان السّماء، فتأمّله فإذا هو حيّة عظيمة الخلقة كبيرة الجسم قد أخذها وذهب بها إلى البحر. ويضيف الرّاوي أنّ الرّخّ يزقّ أولاده بالأفيال.

قيوتى: من مخطوط إسلامي قديم

في الفصل الـ 36 من رحلات ماركو بولو نقرأ: «يحكي أهالي جزيرة مدغشقر أنّ جنساً غريباً من الطّيور، في فصل معيّن من فصول السّنة، يأتي من المناطق الجنوبيّة، ويسمونه الرّخّ. شكله شبيه بالنّسر، لكنّه أضخم بصورة غير قابلة للمقارنة. الرّخّ بالغ القوّة بحيث يستطيع أن يرفع بمخالبه فيلاً، أن يطير به في الهواء وأن يتركه يسقط من عل ليلتهمه في ما بعد. من شاهدوا الرّخّ بأمّ عينهم يزعمون أنّ جناحيه بمقاس خمس عشرة قدماً من الحدّ للحدّ وأنّ الرّيش بطول ثمانية أقدام».
ويضيف ماركو بولو أنّ بعضاً من رسل الخان الأعظم أتوا للصّين بريشة رخّ.

2. فرس البحر
على العكس من باقي الحيوانات الغرائبيّة، لم يتمّ تخيّل فرس البحر من عناصر متنافرة؛ فهو لا يعدو كونه فرساً برّياً يقيم في البحر ولا يطأ اليابسة إلا في اللّيالي الظّلماء، عندما يأتيه النّسيم برائحة المهار. في إحدى الجزائر غير المحدّدة الموقع - بورنيو ربّما - يستقدم الرّعاة عند الشاطئ أنبل مهار الملك ثمّ يختبئون في غرف تحت الأرض؛ رأى سندباد المهر يخرج من البحر ورآه وهو يركب الأنثى وسمع صهيله.
يعود التدوين النّهائيّ لكتاب «ألف ليلة وليلة»، وفق برتن، للقرن الثالث عشر؛ وفيه ولد وتوفي عالم الكونيّات القزوينيّ، الذي يقول في مصنّفه «عجائب المخلوقات»: «إنّه كفرس البرّ، إلّا أنّه أكبر عرفاً وذنباً، وأحسن لوناً، وحافره مشقوق كحافر بقر الوحش، وجثّته دون فرس البرّ وفوق الحمار بقليل». ويلاحظ أنّ تهجين الأجناس المائيّة بالأجناس البرّيّة يتولّد منهما ولد في غاية الحسن، ويشير إلى فرس أدهم، «عليه نقط بيض كالدّراهم».
أمّا وانك تا-هاي، أحد رحّالي القرن الثامن عشر، فيكتب في الكشكول الصّينيّ: «غالباً ما يظهر فرس البحر على السّواحل بحثاً عن الأنثى؛ وأحياناً يروّض. لبدته سوداء لمّاعة؛ ذيله طويل يكنس الأرض؛ يعدو على اليابسة الصّلبة كما باقي الخيل، وهو طيّع وبإمكانه قطع مئات الأميال في نهار واحد. من الأحسن ألّا يحمّم في النّهر، فما إن يرى الماء حتّى يعود لطبيعته القديمة فيبتعد سابحاً».
بحث علماء الأعراق عن مصدر هذه الرّواية الإسلاميّة في الرّواية الإغريقيّة — اللاتينيّة القائلة بالرّيح التي تخصّب المهار. إذ إنّ فرجيل، في السّفر الثّالث من الجورجيّات، صاغ هذا المعتقد نظماً. لكنّ عرض بلين [VIII, 67] أكثر دقّة: «غير خافٍ على أحد أنّ في بلاد البرتغال، في نواحي لشبونة وضفاف نهر التّاج، تدير المهار وجهها باتّجاه الرّياح الغربيّة الّتي تخصّبها؛ فتنتج عن ذلك مهار تتّصف بخفّة مثيرة مذهلة، غير أنّها تهلك قبل بلوغها عامها الثّالث».
أمّا المؤرّخ جوستنيانس، فيخمّن بأنّ صيغة المبالغة ابن الرّيح، الّتي تطلق على الهيل البالغ السّرعة، أصل هذه الخرافة.

3. البراق
تتألّف أوّل آية من السّورة الـ XVII من القرآن من العبارات التّالية: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا». ويرى المفسّرون أنّ المسبّح له هو الله، وأنّ العبد هو محمّد، وأنّ المسجد الحرام هو مسجد مكّة، وأنّ المسجد الأقصى هو مسجد أورشليم، وأنّ النّبي، من أورشليم، عرج إلى السّماء السّابعة. في الرّوايات الأقدم للأسطورة، يرد أنّ محمّداً اتّخذ له إنساناً أو ملاكاً كدليل؛ وفي روايات مؤرّخة بزمان أحدث، يتمّ اللّجوء إلى مركوب سماويّ، أضخم من حمار وأضأل من بغل. هذا المركوب هو البراق، وهو اسم مشتقّ من صفة البرّاق. ووفق برتن، يصوّره مسلمو الهند بوجه آدميّ، بأذني حمار، بدن حصان وذنب طاووس.
ووفق إحدى الرّوايات الإسلاميّة، فإنّ البراق، إثر مغادرته الأرض، أوقع جرّة مملوءة ماء. عرج بالنّبي حتّى السّماء السّابعة، وتخاطب في كلّ واحدة منها مع الآباء والملائكة المقيمين فيها، واجتاز الوحدانيّة وأحسّ ببرد أثلج قلبه عندما ربّتت يد الربّ كتفه. وبما أنّ زمن البشر لا يقاس بزمن الله، فإنّ النبي، عند عودته، تلقّف جرّة الماء التي لم تنهرق منها بعد قطرة واحدة.
يتحدّث ميكل آثين بالاثيوس عن متصوّف من مرسيّا، عاش في القرن XIII، اعتبر، في أمثولة سمّاها «كتاب الإسراء إلى جلال الأكرم»، البراق رمزاً للحبّ الإلهيّ. وفي نصّ آخر يشير إلى «براق طهارة النّية».

4. قرد الحبر
يتوافر هذا الحيوان في مناطق الشمال، وهو بطول أربع أو خمس بوصات؛ له غريزة لافتة للنّظر؛ العينان كالعقيق الأحمر. أمّا الشّعر فبسواد السّبج، حريريّ ومرن، ناعم كوسادة. هو مغرم كثيراً بالحبر الصّينيّ، وعندما يكون ثمّة من يكتب، فإنّه يجلس مكتوف اليدين ومتصالب السّاقين، آملاً أن يكمل ليشرب الباقي من الحبر. يعود بعدئذ للجلوس مقعياً، ليبقى هادئاً.
وانك تا-هاي [1791].

5. قيوتى
قيوتى، وفق أسطورة إسلاميّة، ثور ضخم له أربعة آلاف عين، أربعة آلاف أذن، أربعة آلاف أنف، أربعة آلاف فم، أربعة آلاف لسان وأربعة آلاف قدم. للمشي من عين لعين أو من أذن لأذن، نحتاج لـ 500 سنة. قيوتى مسنود بالحوت بهموت؛ وعلى ظهر الثّور ثمّة صخرة من ياقوت، وعلى الصّخرة ملاك، وعلى الملاك الأرض التي نعمّرها.
[Jorge Luis Borges: El libro de los seres imaginarions]

جورج باتاي: الجمل
الجمل، الّذي يبدو مثيراً للضّحك بالنّسبة إلى قاطن بباريس، يجد مكانه الطبيعي في الصّحراء: فهو مضيف تلك الأمكنة الفريدة؛ إلى حدّ أنّه ينفق إن نقلناه بعيداً عنها؛ إذ يندمج فيها عبر هيئته، لونه، مشيته. يسمّيه الشرقيّون سفينة الصّحراء؛ حركاً عبر محيطات من الرّمال، يعبرها بحدائه المنتظم والهادئ، كما تمخر السّفينة عباب البحر. ماذا ستقول نساؤنا المحبوبات عن تلك الأشعار الشرقيّة التي تشبّه فيها الحركات المتناسقة للمعشوقة بمشية الناقة المنغّمة؟
في وجهة مضادّة لرأي أوجين دولاكروا (في كتابه «دراسات جماليّة»)، فمن بين الأشكال الموحيّة بالبلادة، يعتبر شكل الجمل، على الأرجح، أعظمها، وفي ما يبدو أفجعها. مظهر الجمل الخارجيّ يوحي، بتوازٍ مع العبثيّة العميقة للطّبيعة الحيوانيّة، بالطّبع الكارثيّ والمتصدّع لهذه العبثيّة والبلادة. لنا حتّى أن نعتقد أنّ الجمل ممّا يوجد في النّقطة الأكثر حراجة في الحياة بأسرها، ثمّة حيث العجز أقصى درجات الشّقاء.
[Georges Bataille: Dictionnaire critique]
أوغستو مونتيروسّو

1. الدّيناصور
عندما استيقظ، كان الدّيناصور هناك بعد.

2. حصان يتخيّل اللّه
رغم ما يقولونه، فإنّ فكرة سماء تقيم بها الأحصنة ويتسيّدها إله بوجه حصان أصابت الذّوق الجميل وأبسط أشكال المنطق بالقرف»، كذا تفكّر الحصان في باقي الأيّام.
كلّ العالم يعرف – واصل الحصان تفكّره – أنّنا، نحن الأحصنة، لو كنّا قادرين على تخيّل اللّه، لتخيّلناه في شكل فارس.
[Augusto Monterroso: Obras Completas et otoros cuentos]

آرشيمبولدو: حيوانات

فرانسيس بونج الفراشة
عندما يبزغ السكّر المعدّ في السّيقان بقاع الزّهور، كفناجين غسلت بشكل رديء، - ثمّة جهد كبير يبذل في الأرض. كلّ الفراشات فجأة تعمد للطّيران.
ولكن بما أنّه قد صار لكلّ شرنقة رأس مصاب بالعمى ومتروك في السّواد، وبدن أصيب بالهزال بسبب الانفجار الحقيقيّ الذي التهبت منه الأجنحة المتماثلة، مذّاك فالفراشة الّتي لا تستقرّ على حال لا تحطّ إلّا بصدفة جريتها، أو في ما شابه ذلك.
عود ثقاب طائر، شعلته ليست معدية. وقبل كلّ شيء، فإنّها تصل متأخّرة جداً ولا يمكنها إلّا أن تلحظ الزّهور متفتّحة. ما همّ: بتصرّفها كصانع قناديل، تتحقّق من مخزون في كلّ واحد منها. تحطّ في قمّة الزّهور أسمالاً ضامرة تحملها وتنتقم بذلك لإذلالها الطّويل العديم الشّكل كشرنقة عند قدم سيقان الزّهور.
[Francis Ponge: Le parti pris des choses]

سليم بركات: فهرست الكائن

1.
عندما تنحدر قطعان الذّئاب من الشّمال وهي تجرّ مؤخّراتها فوق الثّلج وتعوي فتشتعل الحظائر المقفلة، وحناجر الكلاب، أسمع حشرجة دينوكا.
في حقول البطّيخ الأحمر، المحيطة بالقرية، كانت السّماء تتناثر كاشفة عن فراغ مسقوف بخيوط العناكب وقبّعات الدّرك، حيث تخرج دينوكا عارية تسوق قطيعاً من بنات آوى إلى جهة أخرى خالية من الشّظايا.

2. بنات آوى
في النّفير الأوّل لأبواق الظّلام، كانت بنات آوى الأميرات يدلفن، خلسة، إلى عواصمهنّ الضّائعة في زحام اليقطين ومراكب البقول، كأنّهنّ شهاب معتم؛ شهاب طويل من الوبر والحناجر، دحرجته روح اليقظة الأخيرة إلى حلم النّبات، وكأنّهنّ تفتّح السّهول الخفيّ بعدما أطبقت زهرات الأقاليم أوراقها على الحديد والهرطقة.
إيه يا بنات آوى، يا حبيسات نعمة لم تكن للكلاب أو للثّعالب، فليكن صوتكنّ المتلألئ مقبضاً في يد الرّهبة؛ مقبض منجل أو باب مشرف على النّهار المتهدّل في سريره الدّمويّ.

3. الهدهد
كأنّما عزلتك الطّيور، كأنّما أفقت ذات صباح فاستوحشت المملكة فاعتزلتها، هارباً من الينابيع إلى الينابيع، وليس لك من سيماء الملك غير قنزعة وطبع كطبع الكهول.
غير أنّك مرصد حيّ، يسمع اليباس تحت جناحيك طبول المياه.

4. السّنجاب
تتدحرج حبّة البندق الأولى من الأعلى.
تتدحرج الحبّة الثّانية، والثّالثة، والرّابعة، والخامسة، والسّادسة من الأعلى.
حبّة حبّة يتدحرج البندق تحت الشّجرة البلهاء، الشّجرة التي يجمع السّنجاب ذاكرتها حبّة حبّة، ويدحرجها إلى وكره.
ذاكرة من البندق تتدحرج، كلّ عام، حبّة حبّة، إلى وكر الأمير ذي الذّيل المرح، والشّجرة تنسى.
(الكراكي، 1992)

5. الفراشة
رفرفي، يا مسافة القبل، فلك ينهض الحدّادون بمطارق الضّوء، وتغزل النّسّاجات بمغازلهنّ خيوط الفصول. رفرفي على مداي المطوّق بحمامات الصّلصال، فأنت شاغلة الدّم الذي يتلفّت من مناراتنا مستطلعاً هزائم الدّم، وجناحاك صفحة الكاتب المدوّن قهقهة الحديد. رفرفي، رفرفي.
كنت، من قبل، خاتمي، إذ يرفع العارفون خواتمهم، وكنت التماعة الأرض على مهمازي إذ تخز الجذور مهارها بمهاميز النّعمة، لكن لا مديح في شفتيّ الآن، وقلبي طرقة الحاضر على صفيح الحاضر.رفرفي.
رفرفي يا ابنتي، رفرفي، فالبروق تتلمّس الدرب إلى جبيني بعكاكيزها.
رفرفي، رفرفي.

6. الطّاووس
من هنا، من حدائق معلّقة في الرّيش، تنفض زوبعة اللّون عنها غطاءها، وتتناثر الرّيح تاجاً تاجاً، فما يرى ليس إلّا مهرجان الغد الحوذيّ في ظلّ أمسه الحوذيّ.
فليبك هذا الطّائر.
فليبك ريشه.
وابك، أنت أيضاً، يا مدلّل الحاضر المتلصّص من ثقب في قفل الموت.

7. الثّعلب
مجرّة الأغاني تبسط فراءها للمجرّات، فاقتربوا، أيّها المختالون، بفخاخكم الزّرقاء، لتصيدوا يمامة الحيل.
لكن، بأيّ أحبولة ستأسرون هذا المهرّق كالقهقهة؟ بأيّ ستأسرون الرّخيم مثل الإنشاد للمياه؟ ليكن. خذوه، خذوا الطّائش الجميل، فهو قرع الحكاية على بابكم.. إيه، أكانت لكم حكاية قبل أن يمسّ بذيله الحكاية؟
تبدّدونه فيبقى.
تبدّدونه فتبقى يمامة الحيل.
(بالشّباك ذاتها، بالثّعالب الّتي تقود الرّيح: فهرست الكائن، 1982)

سركون بولص حلم الفراشة
ألفراشة التي تطير كأنّها
مقيّدة بخيط خفيّ إلى الجنّة
كادت تمسّ ذقني وأنا جالس في الحديقة
أشرب قهوتي الأولى
نافضاً من رأسي كوابيس اللّيلة الماضية
متململاً في الشّمس..
رأيتها تعبر فوق سياج الخشب
كأنّها حلم أو صلاة، هي الّتي كانت
دودة قزّ بالأمس، سجينة
في شرنقتها الضّيّقة.

زكريا محمد: يوميات حِداد
أول أمس دفنت «كيوي». حميته طوال 16 عاماً. رددت عنه الكلاب الشريدة وراجمي الكلاب وكارهيها من البشر. لكنني لم أتمكن من حمايته أمس الأول. خرج من البوابة على غفلة منا فجرّحته الكلاب الشريدة. كانت المرة الأولى التي يخرج فيها وحده. وكانت خرجة أولى وأخيرة. طوال الليل بحثنا عنه أنا وزوجتي، ثم وجدناه طريحاً قبل طلوع الشمس. حضنته جريحاً كما كنت أحضن أطفالي، وحملته إلى البيت، وقعدت جنبه إلى أن مضت روحه إلى مكان لا أعرفه.
كيوي ابني الذي عشت معه أكثر مما عشت مع أولادي الآخرين. ابني الذي لم يغادرني عندما كبر. ابني الذي ظل طفلي الصغير. قددت له الزاد بيدي، وأطعمته بيدي. خرجت به صباحاً ومساءً في كل يوم، لا أخلف الموعد أبداً، إلا أن أكون طريح المرض. حتى في أيام حظر التجول الإسرائيلي عام 2002، خرجت به لنزهته خارقاً حظر التجول. كبر وظل طفلي. كان قد صار أكبر مني إذا قارنا عمر الكلب بعمر الإنسان، لكنه ظل طفلي. ظللت أنا أباه. وكنت راضياً بهذا النسب. أمس خرجت روحه تبحث عن نسب آخر في عالم آخر ربما، عن نسب جديد، إذا كان هناك روح حقاً.
منذ أمس الأول لم يعد كيوي يربض ربضة أبي هول صغير في انتظاري.
■ ■ ■

أمس قعدت على حجر
وأخذت بيدي زهرة «كسّار الزبادي» الهوائية ونفخت عليها
تفتتت الزهرة الكبيرة إلى مظلات صغيرة
كل مظلة حملت بذرة
وطارت في السماء
تبعتها بعيني حتى اختفت كلها
قلت لكلبي الذي راقب المظلات الطائرة معي:
هكذا تطير بذور السعادة يا «كيوي»
تنفض أجنحتها، وتغيب في السماء
في حين نظل نحن ضائعين على صخرتنا
السعادة طيور مهاجرة
قد تعود في الربيع القادم، وقد لا تعود
قد تعرفنا عند عودتها، أو لا تعرفنا
لسنا ندري
غير أنني أدري شيئاً واحداً على الأقل:
أن كلبي هو الطائر الوحيد الذي لن يتركني
فقد سلمني منذ اليوم الأول جناحيه - كما تسلّم خادمة سريلانيكة مسكينة جواز سفرها لمخدومها - وأقفلت عليهما في خزانتي.
(7-8-2013)
أفكر كل صباح بأن لا أنهض من موتي. لكن أمرين يكسران فكرتي: الكلب ونبتة الكُبّار
عليّ أن آخذ الكلب في جولة الصباح، وأن أشهد الموجة الجديدة لأزهار الكُبّار.
أترون؟ الأشياء الصغيرة هي التي تجعل الإنسان يفيق من الموت. وأنا ربطت يدي بطوق الكلب. ربطت زهرة الكبّار خيطاً على إصبعي، خيطاً على خصري.
ولا كلمات عندي كي أصف لكم. الوصف هو الظل، والسكوت هو الأصل. أنت هو الأصل يا من يسقي أحواض النعناع قدام البيت، وأنا ظلك. أنا ظلك وظل النعناع. أقعد لك على الحجر منتظراً هبة من ريح نعناعك، ومنتظراً نهاية الصيف أيضاً. لكن الصيف يرسخ نفسه كأنه سيقيم هنا إلى الأبد. والمطر مجرد ذكرى يابسة لا تؤكل.
غداً لن أنهض عند طلوع الشمس من فراشي.
الكلب سينتظر طويلاً عند الباب، ولن يفهم ما جرى وزهرة الكبّار ستُفلت خيطها الزهري عن إصبعي... غداً.
16-7-2013
لم يعد لدي ما أفعله هنا. لقد كسرتُ المرآة والفخارة. وسوف أترك بيبان البيت مشرعة. فمن أراد نهباً فلينتهب. بيتي مملوء بأشياء لا قيمة لها: صنادل قديمة، تماثيل بائسة، علب أزرار، صور، ومعلبات فوق معلبات.
خذوا كل شيء. ومن أراد أن يبول على الكنبة فليفعل.
كل شيء صار ورائي. دفاتري صارت ورائي. فكرة الباب والمفتاح صارت ورائي. أغنامي البيض والسود أيضاً صارت ورائي.
لكن عليّ أن أجد حلّاً لأمر الكلب. لا أطيق أن أفكر بعينه الكسيرة في غيابي.
أنا هنا من أجل الكلب فقط. فلمن أمنح كلبي؟ ولا تخطئوا القراءة: بالكاف لا بالقاف. فليس لي قلب أصلاً. لي حنفية ماء تظل تقطر وتقطر، وتوجعني.
لم يعد لي مقام هنا. غير أن الكلب وحنفية الماء يقضان مضجعي. عليّ أن اقفل الحنفية، وأن أبحث عن مأوى للكلب.
إن بقيت يوماً آخر هنا فإنما بسببهما فقط.
14-8-2013