خليل صويلح | فرصة ثمينة أن نقع على حوارات أمبرتو إيكو (1932- 2016) في كتابٍ واحد، وننصت مجدّداً إلى إجاباته العميقة، خصوصاً في ما يتعلّق بتأثير وسائط الاتصال على ذائقة المتلقي. هذا الفيلسوف والسيميائي والروائي الإيطالي المولود في الإسكندرية، لطالما مزج بمهارة ما بين معضلات القرون الوسطى وتحديات ما بعد الحداثة، سواء في كتبه أو محاضراته الأكاديمية، وكذلك في حواراته التي لا تقل أهمية عن مسالكه الثقافية الأخرى في تأويل مفردات العصر ووضعها في مقامٍ آخر، من كرة القدم إلى نشرات الأخبار.

في كتاب «هكذا تكلّم أمبرتو إيكو» الذي صدر أخيراً بلغة الضاد (دار ورد- دمشق)، تولى الشاعر الزميل اسكندر حبش ترجمة أبرز حوارات صاحب «اسم الوردة». وإذا بنا أمام حديقة أفكار بثمار مختلفة، أو كما يقول في مقدمته للكتاب «إنها مفاتيح وأبواب تقودنا إلى الدهاليز الخفيّة التي تقبع فيها أفكار الكاتب». عبر 28 حواراً، يحيلنا إيكو إلى أهمية القراءة وقدسية الكتاب الورقي، غير عابئ بخطر الكتاب الإلكتروني، فـ «الكتاب لا غنى عنه، كالدولاب والملعقة والمطرقة». اعتنى بالكتاب الشعبي في أكثر من بحثٍ جدّي، مستعيداً بشغف رواية المغامرة، والرواية البوليسية، والألغاز، كمرجعيات لبعض رواياته، كما يؤكد «إعادة تأهيل النسيان» (روايته «بندول فوكو»/ 1988)، وتفكيك العلاقات الملتبسة بين الأمس واليوم: «لو عاد نابليون لما كان قائد مدفعية، بل كان ينقّب عن الذهب في حقول تكساس» يقول. هذا الاشتغال على المفارقة والإشارة في قراءة التحولّات المتسارعة، هو جوهر اهتمامات إيكو في إجاباته العميقة لمحاوريه. يقول في تفسير تعدّد اهتماماته: «أنا فيلسوف أعمل بالفلسفة من الاثنين إلى الجمعة، أما في عطلة نهاية الأسبوع، فأكتب الروايات منذ أن كنت في الثامنة والأربعين». إنه «بورخيس» آخر، عاش في متاهة المكتبة وممراتها وكنوزها ومخطوطاتها، قبل أن يتجه إلى كتابة الرواية بوصفه موسوعة متنقّلة، مثقلة بالقواميس والوثائق وألغاز التاريخ: «التاريخ مثل الرواية مصنوع من الأكاذيب». على أن مأثرة صاحب «مقبرة براغ» الأخرى، في حواراته هذه، هي مناوشاته العميقة لتأثير الإنترنت والتلفزيون والصحافة المكتوبة على ذائقة اليوم التي غرقت في الشعبوية إلى حدود الهاوية.