يغوص الكاتب والباحث إسماعيل الأمين بعيداً عن معتاده البحثي من خلال دخوله عالم الرواية من خلال «أليس والكاهن: رواية فينيقية» (دار النهضة العربية). بعد العديد من الكتب البحثية آخرها «خرافة الفتوحات العسكرية: دين ودولة أم دين وحضارة» (دار رياض الريس ـ 2017)، ينتقل إلى هذا العالم. وعلى الرغم من أنه جديدٌ عليه، إلا أنّه يستفيد من خبراته البحثية في الدخول إلى العصر الفينيقي، مقرباً إياه من عصرنا الحالي. إذ يأتي استخدامه للأسماء الفينيقية القديمة مثل «هيملكون» و«ماجوباس» و«إنياس» و«اليس» وسواها.


تنسحب خبرات الأمين على استخدامه لمعرفته التاريخية. يتحدث عن العلاقات التي تجمع الفينيقيين ببعضهم وبجيرانهم، فنجد العلاقات بين أهل صور وصيدون وقرطاجة وتفاصيل تلك العلاقة وكذلك تلك التي تجمعهم مع اليونانيين. نجد ما يقرّب الصورة ليجعل تلك الشعوب «حقيقية» تشبه الشعوب التي لا تزال تسكن تلك البلاد اليوم، فنجد العنصرية والعلاقات المتباينة والحسد والعلاقات البشرية البسيطة والمعقّدة حتى بين طبقات المجتمع الواحد أو حتى المجتمعات المتعددة كالحديث عن الطبقات الشعبية اليونانية والأثرياء والعلماء. بل إنه حتى يشير في لحظةٍ ما على لسان إحدى الشخصيات في الرواية إلى: «أنا لم أقرأ هيردوت، لكن والدي أخبرني أن التهور بلغ به حد اعتبار التنافس التجاري، الذي يصفه بالعنيف، بين التجار اليونانيين وأقرانهم الفينيقيين، السبب الرئيسي لاندلاع ما عرف في أدبيات الإغريق بالحروب الفارسية». هنا يصبح القارئ أمام مجتمعات حديثة واعية بخلاف تلك التي نقرأ عنها في كتب التاريخ. تظهر المجتمعات وهي تمتلك بعداً سياسياً ثقافياً معقداً يشبه ذلك المنتشر اليوم. يطرح السؤال الأكبر: هل كان الأمين باحثاً أكثر منه روائياً في هذه اللحظة؟ هل أضاف توقعه لكيفية حديث تلك الشعوب مع بعضها؟ هل كانت فعلاً قادرة على خوض تلك النقاشات مقرونةً بالوعي الذي يميز هذه المرحلة التاريخية؟
نحن هنا في صدد روايةٍ تاريخية يريد من خلالها اسماعيل الأمين أن يقدّم رؤيته للتاريخ كما يحبه. هي ليست تاريخية بالمعنى البحثي، رغم وجود الكثير من المعلومات التاريخية الدقيقة والصائبة، إذ إنه يضيف «رؤاه» الخاصة لما كان يجب أن يكون عليه المجتمع الفينيقي أو اليوناني/ الإغريقي وسواه إبان تلك المرحلة الزمنية. قد لا يكون مصيباً في ذلك. قد يكون قد «اخترع» تلك الحقائق التاريخية للإجابة عن أسئلة تخطر في بال كثيرين: هل كانوا يتحدثون هكذا؟ هل كانوا يفكرون هكذا؟ تطرق البطلة «أليس» مثلاً نقاشاً شديد العمق مثل: «أنا أليس ابنة هيسدرو الصيدوني لا أحتاج إلى وعي نظري كي أدرك الفوارق الجوهرية بينك أنت الأرستقراطي بالسليقة، وبين تامي الرأسمالي لأنني أعيش الأرستقراطية بالسليقة»، مناقشةً زوجها «إنياس» الذي يجيب: «لكن الحاكم أو القاضي لم يعد يشترط فيه الأرستقراطية رغم أنه منتخب من قبل مجلس الشيوخ المؤلف من ثلاث مئة عضو أرستقراطي أصيل». يبدو النقاش شديد التعقيد إلى درجة أن القارئ سيسأل: هل فعلاً كانوا يتناقشون هكذا في تلك العصور الغابرة؟
يقدم المؤلف رؤيته للتاريخ كما يحبه


تقنياً يستخدم الأمين تقنيات الرواية الكلاسيكية، فينوع جمله، لكنه يظل مفضلاً الجمل القصيرة الرشيقة، لكنه في الوقت عينه، يقع في نمطية تكرارية في الكتابة، فيفقد قارئه في لحظةٍ ما أمام استخدامه تقنية «السرد»، وهي التي قد «تجفل» القارئ الجديد. هذه التقنية هي الأقرب إلى التقنيات البحثية إلى حدٍّ ما. يعود في لحظةٍ ما ليستخدم تقنية الحوار، لكنه أيضاً يختار السرد في حواره، فلا ينفعل أبطاله. لا مشاعر حين يتحدّثون، لا تفاصيل على وجوههم يكتب عنها. ولأننا نتحدث عن رواية «كلاسيكية»، يمكن ملاحظة بطء الرواية، فضلاً عن استخدامه التوصيف المكثّف في لحظاتٍ ما ليوصل الصورة كاملة. جانب آخر يمكن الحديث عنه في هذه الرواية هي «قصرها». فهي وإن امتدت على 238 صفحة (من القطع الصغير)، إلا أن هناك الكثير من الجوانب كان يمكن تفصيلها، ذلك أن تناول حضاراتٍ ذات أبعاد كبيرة وعميقة مثل تلك التي قاربها الأمين، تحتاج لأن تكون روايةً على أجزاء أو عدّة رواياتٍ ربما. قد لا يكتفي القارئ بالغوص في هذه الحضارات الغابرة في روايةٍ واحدة، وقد يجدها في لحظةٍ ما مقصرة لا تشبع نهمه في حال أعجب بالمناخ العام والإطار الأساسي التاريخي لها. في المحصلة، تبدو الرواية بين أيدينا تاريخيةً، لكنها أكثر من ذلك بكثير، هي رواية عميقة تحتاج للقراءة أكثر من مرة، كما إنها ليست للقارئ العادي. إنها أقرب إلى تصوّر تاريخي للحياة إبان تلك العصور، ولكن بتصورٍ أكثر عمقاً عما اعتدناه عنها.