يدعو العرب سهيل اليماني باسم «كوكب الخرقاء». وهم يعنون: صاحب الخرقاء، أو الكوكب المرتبط بالخرقاء. وهناك شاهد شعري شهير على هذا اللقب:

إذا كوكب الخرقاء لاح بسُحْرة
سهيلٌ، أذاعتْ غزْلها في القرائب
وقالت: سماء البيت فوقك مُنهج
ولمّا تُيَسّر أحبلا للركائب
وتخبرنا المصادر العربية القديمة أن «الخرقاء» التي نسب إليها سهيل اليماني في البيت، إنما هي ذاتها المرأة التي نقضت غزلها في القرآن: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا» (سورة النحل 92). بذا فصاحبة سهيل مذكورة في الشعر والقرآن معاً.
ويقال لنا أيضاً إن التي نقضت غزلها امرأة قرشية محددة: «وقيل المراد امرأة معينة من قريش: ريطة بنت سعد بن تيم. وكانت خرقاء. اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل إصبع، وهي الحديدة في رأس المغزل، وفلكة عظيمة على قدرها. وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن». وذكر أن تلك المرأة هي: «ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة»، وكانت امرأة حمقاء بمكة، وكانت تفعل ذلك. والظاهر أن أهل مكة كانوا يتندرون بذكر حمقها، فضرب القرآن بها المثل لتذكر قريش قومها بها، لئلا يكونوا مثلها في الحمق» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام).

«بنيلوب وعشاقها» لجون ويليام ووترهاوس (1849 ــــ 1917)

لكن المصادر العربية لا تخبرنا كيف أمكن لسهيل اليماني، النجم السماوي، أن يكون على علاقة بامرأة قرشية مكية. غير أن بإمكان المرء أن يتكهن بأصل هذه العلاقة. فنحن نعلم صاحبة سهيل اليماني الفعلية هي الشعرى العبور اليمانية. فهي قرينته وزوجته. وقد ورد ذكر الشعرى المعبودة هذه في القرآن «وإنه هو ربّ الشعرى» (سورة النجم 49). انطلاقاً من هذا، يمكن للمرء أن يقترح أن «ريطة» المكية كانت في الواقع كاهنة للشعرى، أي ممثلتها على الأرض. وهذا هو ما يربط بينها وبين سهيل اليماني. فكاهنة الإلهة تكون خرقاء كالإلهة. بذا فسهيل صاحب ريطة لأنه صاحب إلهتها التي هي الخرقاء الأصلية. وسوف نناقش معنى كلمة كلمة «خرقاء» لاحقاً.

بنيلوب اليونانية والخرقاء المكية
وقد لحظ أكثر من واحد، في ما أذكر، شبهاً ما بين بنيلوب اليونانية والخرقاء المكية التي نتحدث عنها. إذ كانت بنيلوب تغزل هي الأخرى وتنقض غزلها في انتظار عودة زوجها أوديسيوس. وهي ملاحظة سديدة حقاً. لكن هؤلاء لم يمضوا إلى أكثر من ملاحظة الشبه مع افتراض أن القصة العربية صدى للقصة اليونانية. وهو ما لا نوافق عليه. أما نحن، فسنحاول أن نفهم نسختي الأسطورة، اليونانية والعربية، من خلال المشابهة، وعبر بيتي الشعر اللذين نحن بصددهما.
ويخبرنا المرزوقي في تفسيره للبيت أن زوجة الرجل حين رأت سهيل اليماني طالعاً سحراً، فرّقت غزلها بين قريباتها كي يغزلن معها: «يريد أن الخرقاء لعبت صيفها، وضيعَتْ وقتها، ولم تغزل، فلما طلع سهيل وجاء الشتاء وضاق الوقت استغزلت قرائبها» (المرزوقي، الأزمنة والأمكنة). بذا فكلمة «أذاعت» فهمت هنا على أنها تعني «فرّقت». يضيف اليوسي ناقلاً عن المصادر القديمة مؤكداً هذا: «يريد أنَّ المرأة الخرقاء لا تشتغل بالغزل في الصيف، بل تتمادى على التسويف والتفريط، حتى إذا طلع سهيل، وذلك حين يقبل البرد، قامت إلى قرائبها ليعنّها، وجعلت تفرق بينهن غزلها. فيسمي سهيل بكوكب الخرقاء لهذه العلاقة» (اليوسي، زهر الأكم). بذا فهناك ما يشير إلى أن الزوجة في بيت الشعر، كانت في الواقع تقلد الخرقاء المكية. وهذا يعني أن الخرقاء المكية كانت تفرّق غزلها أيضاً عند طلوع سهيل اليماني.
أما البيت الثاني، فيشرحه البغدادي نقلاً عن ابن السكيت قائلاً: «تقول لزوجها : إذا لاح سهيل، سماء البيت فوقك منهج، أي: مُخلق، ولمّا تُيسّر لركائبنا أحبلاً؛ فكيف تنتجع على هذه الحالة؟» (عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب). عليه، فحين رأت الزوجة سهيلاً أقدمت على عملين اثنين: الأول: أنها فرّقت غزلها على قريباتها لكي يساعدنها في غزلها الذي تأخرت فيه. الثاني: أنها طلبت من زوجها أن يصلح سقف البيت التالف، وأن يُعدّ الحبال لرحلة النجعة وراء للعشب.
لكن السؤال: لماذا أرادت زوجة الرجل أن تقلد ريطة المكية الحمقاء الخرقاء؟ ما الذي يجعلها تورط نفسها بتقليد واحدة ضعيفة العقل؟ والسؤال بحد ذاته يثير الشكوك حول صحة وصف ريطة المكية بالحمق. والحقيقة أنه من الصعب جداً ابتلاع فكرة أن ريطة امرأة حمقاء. فالمصادر اليونانية مثلاً لا تتحدث عن ضعف عقل مثيلتها بنيلوب، بل تتحدث عن دهائها ومكرها. فهي وعدت من حاولوا إرغامها على الزواج في غياب زوجها بأنها ستفعل ذلك لكن بعد أن تنتهي من مهمة الغزل. غير أنها كانت تفض هذا الغزل وتعيد غزله من جديد، كي تكسب الوقت حتى عودة زوجها. وهذا ما يجعلني أفترض أن اسم الخرقاء العربية ربما كان نابعاً من التخريق، اي الشق والتخريب: «خَرَقْت الثوب إذا شَقَقْتَه» (لسان العرب). فهي تشق غزلها وتمزقه مثلها مثل بنيلوب.

غزل الصيف
فوق ذلك، يبدو أن تخريق الغزل ونقضه نابع من حظر ديني على الغزل، لا من كسل أو خراقة. ويبدو أن علينا أن نفهم عبارة اليوسي: «المرأة الخرقاء لا تشتغل بالغزل في الصيف» انطلاقاً من فكرة الحظر. إذ لا يحق لها أن تغزل صيفاً، فالغزل في الصيف محظور. يؤيد هذا أن طائفة الحمس المكية كانت ممنوعة من الغزل في شهرها الحرام الصيفي: «كانت الحمس إذا أحرموا ... لا يلبسون الوبر، ولا الشعر، ولا يستظلون به ما داموا حرماً، ولا يغزلون الوبر، ولا الشعر ولا ينسجونه» (الأزرقي، اخبار مكة).
غزل الوبر والصوف إذن محرم دينياً في أوقات محددة، وعند طائفة محددة. كما يؤيد هذا أيضاً قصة عبد الله بن جدعان وضباعة زوجته. فقد لقي ضباعة هذه هشام بن المغيرة المخزومي، فأعجبته فكلمها عند البيت، وأغراها بترك زوجها والزواج منه. فذهبت إلى بن جدعان كي يوافق على تخليتها، فقال لها: «وإني أعطي الله عهداً ألا أفارقك حتى تحلفي ألا تزوجي هشاماً، فيوم تفعلين ذلك فعليك أن تطوفي بالبيت عريانة، وأن تنحري كذا وكذا بدنة، وان تغزلي وبراً بين الأخشبين من مكة، وأنت من الحمس ولا يحل لك أن تغزلي الوبر» (ابن حبيب، المنمق). وهكذا فالحمس لا يغزلون بين جبلي مكة الرئيسيين في مكة: أبي قبيس والجبل الأحمر في وقت النسك والإحرام. مذهبهم يمنعهم من الغزل في الصيف.
انطلاقاً من هذا، يمكن فهم تصرف الزوجة في بيت الشعر. فطلوع سهيل إيذان بنهاية الصيف عند العرب، وهو ما يعني أن الغزل صار مسموحاً به. من أجل هذا وزعت الزوجة حين رأت سهيلا صوفها على القرائب، أو على الغرائب في رواية أخرى، كي يبدأن بالغزل. لقد اقترب الشتاء وعلى الغزل أن يجهز. طلوع سهيل إذن هو العامل الحاسم هنا. هو الذي يحدد أمر الغزل مبدئياً. قبل طلوعه لن يكون ثمة غزل.
ونحن نعلم أن لسهيل مطلعين. مطلع في أول الليل، أي في العشية، ومطلع في آخره، أي في السحر على أبواب الفجر: «وفي الشتاء يطلع من أول الليل. وفي آخر الصيف، قبيل الشتاء، من آخر الليل» (عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب). بالتالي، فالحديث في البيت يدور عن طلوع سهيل عند الفجر قبل طلوع الشمس. وطلوع سهيل هذا يحدث في شهر آب. والسائد أنه يطلع في الرابع والعشرين من آب. وطلوعه في هذا الوقت، يمثل عملياً نهاية الصيف في الجزيرة العربية، وبداية رحلة النجعة وراء العشب في البوادي والحرّات. من أجل هذا ذكّرت المرأة زوجها أن سهيلا طلع وأنه لم يعد الحبال لرحلة الانتجاع بعد. ومن الواضح أن فتل الحبال يقتضي الغزل. فالحبال تصنع من الصوف والوبر المغزول. كما ذكّرته بأن سقف البيت مخلق تالف خربان، ويجب أن يصلحه قبل حلول الشتاء.
ومقارنة بأسطورة بنيلوب اليونانية، فإن هذا يوصلنا إلى افتراض أن أوديسيوس اليوناني مثيل سهيل اليماني العربي ونظيره. فقد غزلت بنيلوب ونقضت أثناء غياب زوجها. أي أنها عملياً لم تغزل لأن الغزل محظور. كانت فقط تقوم بفعل الغزل شكلياً، كانت تلعب وتتلاعب، أو كانت تتظاهر بالغزل لا غير. أما النتيجة فلا غزل، لأنه يحظر الغزل قبل ظهور أوديسيسوس، أي ظهور سهيل اليماني عملياً. بنيلوب هي الشعرى اليمانية اليونانية، وأوديسيوس هو سهيل اليماني. وهكذا، يكون بيت شعر عربي قد مكّننا من حل اللغز الجوهري في الأسطورتين اليونانية والعربية. وبما أننا نعرف أن الشعرى اليمانية هي نجمة أوزيريس الصيفي- وهي تدعى سبدت بالمصرية القديمة- فلا بد أن نفترض أنها كانت هي الأخرى غزالة الخرقاء ومثل بنيلوب.
لكن يتبقى في نفسي شيء بخصوص عبارة «سماء البيت»، فأنا لست مقتنعاً تماماً أنها تعني هنا، وفي هذا البيت بالذات، سقف البيت. كلمة «سماء البيت» تعني في العادة سقف البيت، لكنني أشك في أنها تعني ذلك هنا. دليل ذلك أن كلمة «منهج» يمكن أن تعني أيضاً: واضح بيّن، وليس مخلقاً تالفاً: «طريقٌ نَهْجٌ: بَيِّنٌ واضِحٌ، وهو النَّهْجُ... وسبيلٌ مَنْهَجٌ: كَنَهْجٍ. ومَنْهَجُ الطريقِ: وضَحُه. والمِنهاجُ: كالمَنْهَجِ... وأَنهَجَ الطريقُ: وضَحَ واسْتَبانَ وصار نَهْجاً واضِحاً بَيِّناً... والمِنهاجُ: الطريقُ الواضِحُ... وفي حديث العباس: لم يَمُتْ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، حتى تَرَكَكُم على طريقٍ ناهِجةٍ أَي واضحةٍ بَيِّنَةٍ. ونَهَجْتُ الطريقَ: أَبَنْتُه وأَوضَحتُه؛ يقال: اعْمَلْ على ما نَهَجْتُه لك» (لسان العرب). وإذا صح أن هذا المعنى هو المقصود في البيت، فما هو الواضح البين الذي أشارت إليه المرأة إذن؟ ليس هناك سوى سهيل اليماني. فهو الذي ظهر سُحرة وأدى إلى كل شيء حدث في البيتين. لهذا فمن المحتمل أن «سماء البيت» لقب آخر لسهيل اليماني. وفي هذه الحال، فإن الزوجة حين رأت سهيلا أنهت فترة الحظر على الغزل، وقالت لزوجها: إن سماء البيت، أي سهيلا، واضح بيّن فوقك، لكنك لم تقم بما عليك القيام به استعداداً للرحلة، أي توفير حبال الركائب. ذلك أن طلوع سهيل هو لحظة بدء رحلة الانتجاع التي تدوم شهوراً. هذا احتمال ربما يكون ضئيلاً، لكنه احتمال لا يمكن لي إغفاله، لذا فأنا أطرحه هنا للنقاش لا غير.
* شاعر فلسطيني