يكاد فخري رطروط، الشاعر الفلسطيني المقيم في نيكاراغوا، لا يقيم فرقاً بين الشعر والتشكيل، في وفاء لتقليد عريق يعود لمقولة هوراسيوس: «الرسم شعر صامت، والشعر رسم ناطق». لمنجزَي رطروط، في التعبيرين الشعري والتشكيلي معاً، مسحة سريالية تصغِي لنبض الشارع، خليط من لقاء أندري بروتون وتروتسكي في المنفى المكسيكي، حين حررا بيانهما الشهير: «من أجل فن ثوري مستقل». مسحة لا ينفيها الشاعر؛ أثناء دردشة لنا معه، امتزج فيها الجد بالسخرية المرة، يقول: «يُوْلَدُ الإنسان سريالياً، الآباء يغيرونه». شعرٌ حسي، شرقي/ جنوبي، كأنه يُلْقَى وسط كرنفال لاتيني، أو على خلفية سلسا أو تانغو. تأثير آخر لا ينفيه الشاعر على نفسه: «الشعر الحقيقي الآن موجود في هذه القارة [أميركا اللاتينية]، شعر ثقيل حار».

(رشيد وحتي)

شعره يشبه رسومات ميرو، رسوماته تشبه شعر شوقي أبي شقرا


حتى الصوت يخاف صداه
لن تعرف أبداً
لماذا تكف النساء فجأة عن الحب
لماذا تتوقف شجرة صغيرة عن النمو
لماذا لا تخرج الشمس من الشمال
لماذا ريح الشمال أشرس من ريح الجنوب
لماذا يحب الناس الريح الغربية أكثر من الشرقية
لماذا ندحرج رؤوسنا أمامنا في طرقات لا تفضي إلى شيء
لماذا دائماً نقرع الباب الخطأ
لماذا لا تكف الريح عن النحيب وسط الليل
لماذا كثير من الحبال تتدلى من شرفات الروح، ولا امرأة تجرأت على التسلق.


لكل كائن إيقاع وموسيقى داخلية
بعض البشر حين تقترب منهم تسمع صوت طبول وحشية
بعضهم تسمع في داخله صوت نايات
بعضهم تسمع في داخله صوت جيتارات مذبوحة
بعضهم تسمع في داخله صوت شلالات ماء
بعضهم تسمع في داخله صوت فيضانات
بعضهم تسمع في داخله غناء طيور
بعضهم تسمع في داخله حفيف أشجار
بعضهم تسمع في داخله رفرفة ملائكة
بعضهم تسمع في داخله بكاء شياطين
أكثرهم تسمع في داخله صوت انهيارات جدران
يجذبني البشر الذين في داخلهم صمت الغابات وصمت الجبال
بعضهم تسمع في داخله صمت مقبرة، وهذا إيقاع أيضاً؛ لأنك حين ترخي أذنيك على باب مقبرة ستسمع
حديث الأموات الخافت مثل أزيز النحل.


ألعاب ليلية
حاولت أمس أن أفكك ذاتي وأركّبها من جديد، مللتُ، تركتها حتى الصباح، وجدتُ أنفي تحت إبطي، أذني تحت قدمي، أصابعي ملتصقة في سرتي، ركبتيّ مكان عيني، عمودي الفقري محطم، أما قلبي فلم أجده، دماغي خارج الجمجمة يذوب، الغريب أن هذا أشعرني بالراحة.

الوجوه الجميلة تشعرني بغربة عظيمة
أحب الوجوه العادية التي تشبه شطائر الفلافل الشعبية.
أحب الوجوه العادية التي تشبه حواف الستائر القديمة التي هزمها الضوء.

جنتلمان
لديه اتفاق مع عنكبوت غرفته
هو يأكل البطيخ والقشور للعنكبوت
هو سعيد والتعاسة للعنكبوت
هو ينام والعنكبوت يحرس
هو يعيش والعنكبوت يموت
مع ذلك العنكبوت يسمن وهو ينحف.

أشباح بملابس رياضية
قبل منتصف الليل، يطرق عداء بابك ويسلمك الشعلة، تظل حتى الفجر لا تدري ماذا تفعل بها، يطرق عداء آخر بيتك فجراً ويطالبك بالشعلة، تسلمها له، لذلك تصحو صباحاً متورم العينين. هذه الليلة لم يأت العداء لأخذ الشعلة، لذلك أنت في الخارج تطوف الشوارع كالمجنون تبحث عنه لتسلمه الشعلة. بعدما يئستَ، أشعلتَ العالم.

غربة الأشياء
الشمامة تحدق مرعوبة بالميزان ولا تستوعب لماذا يجب أن توضع عليه ولا ماذا تعني الأرقام ولماذا تغرس السكين فيها بشكل مثلث ولماذا عليها أن تسافر جريحة في كيس بلاستيكي، ولماذا ستذبح في مطبخ بعيد على صينية في مدينة.

الريح مترنحة على وشك السقوط
تحت لوحة إعلانات نصف مضاءة وبأحرف لا يفهمها في شارع معتم في برد الليل، تذكر بأنه شاعر وغاضب ووحيد وفقير وبلا وطن، أنزل رأسه وذاب في معطفه. بعد سنوات تعلّم الإسبانية وقرأ اليافطة، كانت تقول: بار الثلاثة كلاب.
للخشب في الشتاء رائحة أرملة
الخشب أقدس المعادن، المسه كما لو كنت تلمس نبياً،
لدي كرسي هزاز يبدو كقديس يحتضر منذ عشرين عاماً.

نيكاراغوا عالقة في زجاجة خمر مصنوع من قصب السكر
أتذكر كل لحظة أنّ رجلاً ذا قرنين من ذهب ينطحني في خاصرتي الثالثة دون أن أفهم لماذا
أتذكر كل لحظة أني عالق هنا في هذه الحياة لأن الروح ضلت طريقها
أتذكر كل لحظة بأن لا شيء قادر على إيقاف نواح الريح
أتذكر كل لحظة بأن عالم الأموات أكبر من عالم الأحياء
أتذكر كل لحظة بأن الشيطان كان ملاكاً
أتذكر كل لحظة بأن الجغرافيا سقف صفيح هش لا يصمد أمام ريح التاريخ
أتذكر كل لحظة بأن كل ما أحتاجه أن أنفض روحي تحت الشمس ولم أفعل
أتذكر في كل لحظة بأني متأخرٌ عن موعد ما
أتذكر كل لحظة بأنه يجب أن أطفئ الغاز تحت وعاء الحياة
أتذكر كل لحظة بأني أكبر وقوتي تتقلص
أتذكر كل لحظة أن الزمن غول يأكل كل شيء
أتذكر كل لحظة ضوء الشمس المحاصر في حقول الفستق
أتذكر كل لحظة المطر العالق في حقول قصب السكر
أنادي في كل لحظة الريحَ التائهة في حقول الذرة كي تأتي لتسعفَ القمر المفتت فوق أشجار المانجو في حدائق بيوت نيكاراغوا.

الكثير من الثوم يحمل بصلة جريحة في مقلاة ضيقة
أحدق في الريح حتى أتحول إلى طائر
أحدق في السماء حتى أتحول إلى غيمة
أحدق في الغابة حتى أتحول إلى ورقة شجرة.
أحدق في البحر حتى أتحول إلى موجة
لا تحدق في الإنسان؛ ستتحول إلى فضلات.

قتلى قدماء من قرطاج يحاولون استعادة روما في الألفية الثانية
غليون الهندي الأحمر مصنوع من خشب شجرة الدردار المقدسة، مزين بريشة نسر، رأس الغليون يصنع من حجارة حمراء، المنطق يقول: يجب إبادة هذا الشعب المرفَّه.

الأفوكادو جاء من حقول عطارد
العنب جاء من كروم نبتون
الفجل جاء من حقول زحل.
القطن جاء من حقول القمر.
البرتقال جاء من حقول الشمس.
لا نعرف ماذا بإمكان المريخ أن يصدّر لنا.

تغريدة يتيمة
تصفر في أذني عصافير متجمدة على رؤوسها قبعات
بين تغريدة وأخرى تسقط جثة سماء من مرطبان الكوابيس.

غيمة مايكوفسكي تهرب من فرن الغاز
بعض الأشخاص ينبعثون من الماضي كلعنة أبدية، لا يموتون، كافكا وحشرته وهيئة المحكمة، لوركا وفرقة الإعدام، سيوران ومزاجه العكر، فرناندو بيسوا وأنداده، إدغار ألان بو وسرب غربانه، هيمنغواي وبنادقه وقواربه، بودلير وباقات أزهاره، هوميروس والعاهرة هيلين، هنبعل وفيلته، سبارتاكوس وعبيده، فان كوخ وأذنه المقطوعة، مايكوفسكي وغيمته الشهيرة، سيلفيا بلات وفرن الغاز. — يسهرون معي كل ليلة، نختلف آخر الليل حول جدوى تناول بول الأحصنة كترياق للقوة، يبدأ عراك، أضع الجميع في فرن غاز سيلفيا بلات ثم أشعل النار. هناك فيل أخير من قرطاج لم يجد متسعاً داخل فرن الغاز، كذلك بقيت أذن فان كوخ ترفرف مثل راية. ألفُّ الفيل في أذن فان كوخ وألقي بها من النافذة.

كانت الغرفة بلا نوافذ وأبواب
كنا سعداء داخلها، حتى جاء أحد الفضوليين، صنع في الغرفة كوة سماها نافذة، حاولنا سدها بقطع أقمشة سميت في ما بعد بالستائر، ولأن هذا الفضولي لم يرَ شيئاً بسبب العتمة داخل الغرفة صنع كوة أكبر وسماها باباً، فتدفق النور إلى الغرفة، ثم دخل ملاك الموت الفضولي البدين وتمدد على الكنبة وبدأ يشخر.

الشجرة الكبيرة على باب بيتي
لسنوات ألقي عليها تحية الصباح والمساء، أعاملها كصديق قديم، بلْ إنها صديقي الوحيد، مثلي لا تثمر ولا تزهر، أيضاً أجهل اسمها ونوعها، وهذا يعجبني، قالت لي هذه الشجرة في صباح ماطر: — إلى أين أنت ذاهب؟ عد إلى البيت، سيكون العالم بخير، أنا لم أغير مكاني منذ زرعوني هنا، والعالم بخير، المطر لا يتأخر، الشمس تشرق في موعدها.
الشجرة العملاقة أمام بيتي تذكرني دائماً: بأنها لا تخاف الوحدة والريح، بأنها أكبر مني سناً وحكمة وشعراً وكرماً، بأني ضئيل عاجز عن إطلاق زهرة واحدة.
* فلسطين/ ماناغوا

(رسمات فخري رطروط)