تتأرجح أولغا توكارتشوك بين عدة أزمنة. بين بولندا «الأم» قبل الخرائط الجديدة، حيث تنقل قصصاً من «كتب يعقوب» في القرن الثامن عشر، وعبر «رحلات» تصل إلى الزمنين المؤسِّسَين للصورة المعاصرة لبلادها. الأول هو زمن الاحتلال النازي، والثاني هو الزمن الشيوعي. ومِثل جميع البولنديين، تركت المحرقة أثراً فيها. والأثر هنا ليس أثراً دعائياً، يستوجب شعوراً عارِماً ومكرراً بالندم، ولا أثراً يذهب إلى الإنكار خوفاً من سطوة الجانب الدعائي في الشعور بالمحرقة. إنه أثر في السرد، الذي يطغى على لغتها البولندية، حيث تبدو الكاتبة وكأنها في محاولة دائمة لكسر الحواجز الزمنية، بما هي قيود تعذّب لغة صاحبتها.


«كتب يعقوب» رواية تبحث عن الأصل، عن دعائم المحرقة في مكانٍ محدد، وفي ذات الوقت تبحث عن موقع بولندا نفسها في المحرقة، خاصةً وأن أحداثها تدور على الحدود مع أوكرانيا. أما في الزمن الثاني، فقد أقامت روحها فيه وخرجت منه بجسدها بفِعل الوقت الذي تكرهه. لكنها لم تخرج معافاة تماماً. فبولندا اليوم عادت إلى كاثوليكيتها. وإن كان يعقوب لا يرغم اليهود على اعتناق الكاثوليكية كما في القرن الثامن عشر، فذلك لأن اليهود لم يعودوا موجودين. يعقوب ما زال موجوداً؛ وحرب أولغا توكارتشوك مستمرة في الزمن. في «رحلات» تذهب إلى روسيا لتتقفى مآسي السلافيين، وتأخذ معها عدة الألم البولندي: قلب شوبان يتوقف في شوارع باريس.
في الواقع، تنتمي أولغا توكارتشوك إلى جيل عاصر الثورة الطالبية الفرنسية أواخر الستينيات، بينما كانت تعيش في وارسو الشيوعية، ويتلو هذا ما يتلوه من تناقضات. ويصنع ما يصنعه من شخصيات تتشابه في نظرتها إلى الأيديولوجيا وإلى العالم. وفي هذه النقطة، ليس في موقفها الذي تُعلِن عنه نصوصها ما هو استثنائي. لقد خرجت من هذا الزمن كما خرج ميلان كونديرا منه، بنقمةٍ مضاعفة، حتى أنها أحياناً تكاد تتطابق مع الكاتب التشيكي ــ الذي كان يجب أن يكون حِرفياً في حياةٍ أخرى ــ عندما تصف المدينة الشيوعية، أو فلنقل مدينتها الشيوعية. ذلك أن كونديرا في خفة كائنه التي لا تُحتمل، كان يشعر بالخجل عندما يتحدث عن دمار براغ، مقارنة بما حلّ بوارسو نفسها. رغم إفراط توكارتشوك في بولنديتها، ورغم إفراط سردها الغزير بالسيلان حول تاريخ بولندا ومستقبلها، إلا أنها غير قادرة على مغادرة عباءة أوروبا الشرقية. فالتقاؤها المتواصل مع التشيكي الليبرالي على السأم من البناء الاشتراكي بهيئته التي عرفتها أوروبا الشرقية، لا يعفيها من التقاء مع تشيكي آخر أقل حضوراً في الموقف السياسي بكثير، وأكثر توهجاً في الأدب. عندما تتأرجح نصوصها بين ساركازمية كونديرا، وكآبة كافكا، يُستسحن الانحياز إلى الثاني بلا تردد. هذه هي الإضافة الحقيقية لكاتبة تُحارِب وتُحارَب. إنها تحارب بالكتابة، لا بكونها «نباتية»، أو بكونها تردد شعارات نيوليبرالية يبحث المعلّقون الغربيون عنها في أدب أوروبا الشرقية، لكي يبرروا انبهارهم بأدب الآخرين ويوافقوا عليه.
صنّف اليمينيون المتعصبون روايتها «سِر بمحراثك على عظام الموتى» عملاً معادياً للمسيحية


أولغا توكارتشوك لا تبيع الوهم. وهذا ما فات أغلب المعلّقين الغربيين الذين قرأوا «رحلات» باستحسان شديد. ما هو متعارف عليه أن كافكا سوداوي. وإن كانت المعلومة أقرب إلى أن تكون «كيتش» من قربها إلى أي وصفٍ آخر، إذا سمحنا لأنفسنا باستعارة المفردة من أفواهٍ غاضبة على حضور الكيتش، كميلان كونديرا وأولغا توكارتشوك. والأخيرة تخضع أبطال قصصها إلى تحولات دائماً، على غرار التحولات الكافكاوية، على نحوٍ تصر فيه على جذرية التحولات. تتلاعب بالوجوه، وبشكل الأذنين، وترسم صوراً تفيض عن الواقع لشخصيات تقدمها كما لو أنها الواقع، تماماً كما تفعل في «رحلات». تتذرع بالتجريب، وتحضر السيكولوجيا في كل زاوية من زواياها كأداة ضدّ الفلسفة وضدّ التاريخ. يُشعِر هذا قارئها أنها تحاول تأكيد موت الإنسان المثالي، ودفع الجميع إلى العدمية، إلى الإيمان بفراغ شاسع ولا محدود، تتكسر فيه قوالب المُثل الجاهزة. وإن كان نيتشه يعتبر البشر كائنات «برمائية» تسير إلى الخواء، فإن أولغا توكارتشوك تميل إلى الروح أكثر من ميلها إلى العقل، وإلى العقل أكثر من الميل إلى السائد عن العقل. تميل إلى التحطيم وإن اقتضى الأمر عنفاً مبالغاً فيه، كما تفعل في روايتها: «سِر بمحراثك على عظام الموتى». القول إن الإطار الذي تستكين فيه أفكارها، وجودي هو قول فضفاض. حتى إن عدميتها لا ترنو أن تكون مستقاة من قواعد جينالوجية، بل يمكن الاكتفاء بدور علم النفس في صوغها المتقن. ما تقدمه البولندية هو رواية «عنيفة»، أشبه بمطرقة. وهذا ما يفسّر العدائية تجاهها من اليمينيين المتعصبين في بلادها، الذين صنفوا «سِر بمحراثك على عظام الموتى» عملاً معادياً للمسيحية. وإن كان النقاش في المسيحية يستدعي نقاشاً أطول، فإن ما يستدعي القلق فعلاً هو الإجابة عن سؤال ما انفكت توكارتشوك تطرحه: ما الذي يمكن فعله تجاه التقليد الكاثوليكي البطريركي المفرط في سلطويته؟
دائماً لا إجابة. ذلك أن العدم هو العدم. لا يسأل ولا يجيب. لا يسأل، ولا يجيب. العدم الذي يرافق قلب شوبان في رحلته الأخيرة إلى باريس، هو نفسه العدم الذي يمنعها من الحديث عن التاريخ المرعب للبولنديين، كمثال عن التاريخ المرعب للعالم. وما لا يفهمه اليمين البولندي، هو أن التاريخ للجميع، وليس للبولنديين وحدهم، مِثل «رحلات» أولغا توكارتشوك تماماً. إنها رحلات بلا أي وجهة، إقامة رحبة في ترحالٍ يدور حول العالم وحول نفسه.



المعركة مع الخرافة
نشأت أولغا توكارتشوك في بيئةٍ يسارية خصبة، حيث كانت محاطة بالثقافة الشيوعية. لكن والديها لم يكونا شيوعيين. إلا أن حضور والديها في نصوصها ليس جلياً، أكثر من حضور بولندا نفسها، كمختبر لآلام أوروبا الشرقية الطويلة. وهذا ما ينعكس إعجاباً «تسطيحياً» في كثيرٍ من الأحيان بالغرب، إلى درجة أنه يكاد يظهر سوء فهم للتاريخ، بدلاً من أن يكون قراءة عدمية للتاريخ. وربما، لشدة تعلّقها بعِلم النفس الذي درسته، تقول عن الغربيين «التحليل النفسي متجذر في ثقافتكم. أما نحن، فما زال الدين والخرافة يسيطران على تفكيرنا». ورغم أن مترجمتها إلى الإنكليزية جنيفر كروفت واجهت صعوبة أمام الحقل المعجمي البولندي الثري، إلا أن أولغا حافظت على انبهارها بتفوق الشِق الغربي من أوروبا في معركة العالم مع الأسطورة. وفي هذا تقول في إحدى مقابلاتها «إن الفرق هو أننا (في بولندا) لا نثق في الواقع كما تفعلون أنتم (في الغرب)... عندما أقرأ روايات إنكليزية دائماً ما تصعقني قدرتكم على الكتابة بلا خوفٍ من الجوانب النفسية الداخلية التي تكون بالغة الحساسية. في صيغةٍ كهذه، يكون في الإمكان بناء القصة بأسلوب خطي مع بداية ونهاية، لكننا لا نتحلى بطول الصبر هذا. نشعر في كل لحظة أن هناك شيئاً ما يسير بصورةٍ خاطئة».


مقتطف من «رحلات» (1)


ترجمة أحمد محسن
درسْت علم النفس في مدينة شيوعية كبيرة وكئيبة. كانت شقتي تقع في مبنى استخدمَته الشرطة السرية النازية كمقرٍّ خلال الحرب. ذلك الجزء من المدينة كان مبنياً على أنقاض الغيتو، وإذا نظرت جيداً، يمكنك ملاحظة ارتفاع هذا الحيّ بثلاثة أقدام فوق بقية الأحياء في البلدة. ثلاثة أقدام من الأنقاض. لم أشعر بالراحة هناك أبداً، وبين المباني الشيوعية والساحات التافهة كانت هناك رياح دائماً، وكان للهواء الفاتر طعم خاص بالمرارة، يلسعك في وجهك. في نهاية الأمر كان مكاناً للموتى، بغض النظر عن كل محاولات البناء. ما زالت لدي أحلام متعلقة بالمبنى الذي كان يحتوي على صفوف الدراسة: ممراته الواسعة التي لطالما بدت منحوتةً في الصخر، وقد هدأ دبيب الأقدام من روعها، الحواف البالية للدرج، الدرابزين المصقول بأيدي العابرين، آثار مطبوعة في الفراغ. ربما لذلك كنّا مسكونين بتلك الأشباح.
عندما كنّا نضع الجرذان في متاهة، واحد منها فقط كان يناقض بسلوكه النظرية المعتمدة، فيرفض الاكتراث لفرضيتنا الذكية. قد يقف على رجليه الخلفيتين، غير مبالٍ إطلاقاً بالجائزة في نهاية الطريق، مزدرياً نظرية الاشراط البافلوفي (2)، وقد يصوّب نظره نحونا لمرةٍ واحدة ثم يستدير، أو يصرف انتباهه باتجاه المتاهة متأملاً إياها بلا عجلة. قد ينظر إلى شيء ما في الرواق الجانبي، محاولاً جذب الانتباه. وقد يصدر صريراً مشوشاً، بعد ذلك، الإناث تحديداً، بغض النظر عن الواجبات، كنّ يسحبن أنفسهن إلى خارج المتاهة. أما عضلات الضفدعة الميتة المفلطحة، فقد تنثني وتستقيم تبعاً للنبضات الإلكترونية، لكن على نحوٍ لم يتم شرحه بعد في كُتبنا المدرسية. كانت تصدر إيماءة في وجهنا، وأطرافها تعلِن التهديد والتهكم، كما لو أنها تهدم إيماننا المقدّس بالبراءة الميكانيكية لردات الفعل النفسية.
تعلمنا هناك أن العالم قابلُ للوصف، وحتى للتفسير، بواسطة إجابات سهلة لأسئلة ذكية. كما لو أن العالم في نواته كان خاملاً وميتاً، محكوماً بقوانين أسطورية كانت تحتاج إلى الشرح، والخروج إلى العلن، بمساعدة الرسوم البيانية إذا أمكن ذلك. نُصِحنا بالقيام بالتجارب. وباختراع النظريات لإثبات شيء ما. زُج بنا في أسرار الإحصاءات، عُلِّمنا التصديق أننا عندما نتسلح بهكذا أداة يمكننا أن نفهم كيف يعمل العالم، وأن الـ 95% أكثر أهمية من الخمسة المتبقية. ولكن إن كان هناك شيء واحد أعرفه الآن هو أن أي أحد يرغب فهم العالم، يجب عليه أن يفهم علم النفس. الذهاب إلى الفيزيولوجيا وإلى اللاهوت بالمقابل، سيوفر دعماً قوياً في مسألة الروح، بدلاً من تضاريس السيكولوجيا اللزجة. ثمة ما يقوله الناس عن علم النفس، كاختصاص يختاره الناس ليس من أجل العمل، ولا بسبب الحشرية، أو لامتهان مساعدة الآخرين. وقد اكتشفت أن للاختيار سبب واضح ومحدد. أعتقد أن كل شخص لديه خلل خفي وعميق، ولكن بلا شك الجميع يحبّ أن يعطي انطباعاً بالذكاء والحيوية. لكن الخلل يكون مبطناً ومموهاً بإتقان، عندما ندخل الامتحان. تنهار طابة المشاعر المعقدة بشدة، مثل تلك الأورام الغريبة التي تظهر أحياناً في الجسد البشري، ويمكن رؤيتها في أي متحف يعرض جثثاً مشرّحة. ذلك يطرح سؤالاً آخر: ماذا لو كان الناس الذي يديرون حياتنا من تلك النوعية، وكانوا يعرفون ما الذي يفعلونه فعلاً؟ في هذه الحالة، سنكون ورثة على نحوٍ مباشر. عندما، في عامنا الثاني، ناقشنا عمل الميكانيزمات الدفاعية، وجدنا أننا نخضع لقوة جزء من روحنا، بدأنا نفهم أن الإنكار لم يكن للوصول إلى صورة واضحة وعقلانية، بل كان عبارة عن ألاعيب صغيرة سمحنا لأنفسنا بأن نلعبها، بدلاً من أن نرى العالم كما هو، بلا أي شيء لحمايتنا، بصدقٍ وشجاعة. أنكرنا، لأن ذلك كان سيكسر قلوبنا.
ما تعلمناه هو أننا مصنوعون من دفاعات، من دروع ومصفحات، هو أننا مدن تقوم في أساسها الهندسي على جدران، أسوار، معاقل، ومخابئ. بمرور الوقت صرنا في الصف الثالث. وبعد كل امتحان، استمارة، ودراسة قمنا بها على بعضنا البعض، صارت لدي تسمية للخطأ الذي أواجهه. كان الأمر بمثابة اكتشاف اسمي السرّي، الاسم الذي يدعو صاحبه إلى المبادرة.
لوقتٍ طويل تمرّنت على التجارة لكني لم أمارسها. في إحدى البعثات (3)، علِقت في مدينة كبيرة من دون أن يكون لدي أي مال، وكنت أعمل كخادمة، فبدأت الكتابة. كانت قصة رحلاتي التي أضعها في كتاب، وكنت أريد أن يقرأها الناس في القطار، لأني كنت أكتب لكي أقرأ ما أكتبه. كان كتاباً صغيراً بحجم شطيرة صغيرة من ساندويش، يمكن ابتلاعها بسهولة. وكنت قادرة على التركيز، بغض النظر عن أن أذني أحياناً اكتسبت شكلاً عملاقاً، وصارت تلتقط تذمر الآخرين والأصداء والهمسات. كانت أصواتاً مصفاة تخترق أحد الجدران. أصوات تأتي من بعيد.

1- عنوان الرواية الأصلي هو Bieguni، صدرت في 2007 بالبولندية، ثم نقلتها جنيفر كروفت إلى الإنكليزية في 2017، وهذه الترجمة هي تعريب لمقطع من نسخة كروفت.
2- مصطلح مستخدم في علم النفس السلوكي، لوصف أحد أشكال التعلم الترابطي، حيث يكتسب منبه خارجي معين القدرة على استحضار استجابة الفرد الخاصة بمنبه آخر. ظهر المصطلح على يد عالم النفس الروسي إيفان بافلوف عام 1903، وقام جون واتسون فيما بعد بدراسته على الأطفال.
3- تقصد بعثة علمية.