يأتي صلاح فائق (1945) إلى الشعر من النسيان، ويأتي إليه أيضاً من الذكرى، من الرغبة في طي أثواب حياة مضت، مع رغبة موازية في الاحتفاظ بلحظات وامضة منها. مرةً قال الشاعر: «كي تكتب قصيدة مؤثرة، عليك القدوم من أوروك». لعلنا يمكننا القول في حالة فائق «كي تكتب قصيدة مؤثرة، عليك القدوم من كركوك». هذه الكلمة يمكن أن تكون أول مفتاح لمغارة الشعر عند صاحب «تلك البلاد»، فهذه المدينة الصغيرة التي تدخل ضمن المناطق المتنازع عليها، لم تكن مسقط رأس الشاعر فحسب، بل كانت أيضاً مسقط كلماته. هناك رفقة سركون بولص، وجان دمّو، ومؤيد الراوي، وأنور الغساني، وفاضل العزاوي وآخرين، بدأت الكلمات تصعد مع الأعشاب الدفينة لتطفو على ماء البحيرة. من عيني الأم الكردية والأدب التركماني، بدأت تتشكل نظرة صلاح فائق الطفل إلى الحياة، ولاحقاً إلى تلك الحروف المبعثرة والمتناثرة على عتبة البيت وعلى جنبات الطريق المؤدية إليه. الحروف التي سيعمل الشاعر على لمّها وتنضيدها لتشكل، شيئاً فشيئاً، ما يشبه الشعر وما يصيره.

منذ ديوانه الأول «رهائن» (1975)، بدا أن وظيفة الشاعر هي الاحتفاظ بالكلمات كرهائن، وترويضها على أن تنطّ في سيرك الكتابة بخفة ورشاقة النمور. السيرك الذي لا يعني صلاح فائق أن تكون كراسيه ملأى بالجمهور أو شاغرة عن آخرها. إنه من طينة الكتاب الذين يخلقون الكلمات ثم يجلسون مغتبطين ومبتهجين بمخلوقاتهم. ولا ضير حينها إن تقاسم الآخرون معه هذه الغبطة وهذه البهجة، أو جمعوها في صرة ووضعوها بين يديه وانصرفوا. يخلط صلاح فائق الواقع بالفانتاستيك بالسريالية، يمزج صلابة الأيام بالحلم والأمل، ليخرج لنا بهذه الخلطة العجيبة التي تتشكل منها قصائده. إنه بصيغة أخرى ذلك الخزّاف الذي يضع يده في الطين، فتأتي تلك المزاهر المذهلة التي ينفخ فيها من الحياة ما يحوّلها إلى رواية سيَر.
حين وصل إلى لندن، كتب مجموعته «رحيل» (1987)، كأنما أراد أن يوهمنا بأنه ينشئ قطيعة بين حياتين. وحين وصل إلى الفيليبين، كتب «دببة في مأتم» (2013)، ليتحول شعره إلى غابة كبيرة ومذهلة لا تضم الدببة فحسب، بل الديناصورات والحيتان والغزلان والنمور والسناجب والتماسيح والذئاب وكل تلك الحيوانات الضارية التي جعلها أليفة في قصائده، وقريبة إليه. حتى إنه صار يحميها من الصيادين والقناصين، ويفتح لها باب غرفته لتقيم معه هناك حيث يعيش ويكتب، وترقد معه أيضاً على سريره حيث ينام ويحلم.
يقف صلاح فائق حائراً ومعذباً بين أرضين: أرض الآن، حيث الجزر والمياه والحياة التي لا تحفها مخاطر البشر، وأرض الذي كان، حيث دخان الدمار والفجيعة يتصاعد كل صباح في سمائها. إنه كما نعت نفسه «عازف بيانو تحت حافر حصان». قصائده التي تبدو خفيفة ورشيقة وقريبة إلى القارئ، ليست للمرح. إنها «قهقهة في كابوس» كما وصفها الشاعر محمد مظلوم، أو كما قال عنها الكاتب فاروق يوسف «الشعر بضحكة إنسان حزين».
في هذا الحوار، تفتح «الأخبار» صندوق الذكريات مع صلاح فائق، وتعود به إلى طفولته، وإلى تجربة كركوك، ورحلاته غير المنتهية، واختفائه لعشرين سنة بعيداً عن الثقافة والمثقفين، ثم عودته إلى الحياة الأدبية عبر نوافذ فايسبوك، وصولاً إلى كتابه الأحدث «سنواتي الأخيرة» ( دار ألف ليلة ـ القاهرة ـ2017)

انخراطي التام في النشاط السياسي بدأ مع الانقلاب الدموي للبعثيين في بداية عام 1963

لنبدأ من الطفولة، مصدر كل شيء. هذا المزيج الذي تنتمي إليه، نقصد الأم الكردية والأب التركماني، والتفاصيل الأولى التي فتحت عينيك عليها في البيت في عراق الأربعينات... هل كان في ذلك ما يوحي بأنك ستصير شاعراً؟ نبحث هنا عن الدوافع الأولى للجنوح نحو الشعر..
- طفولتي مؤلمة وبائسة. كان أبي فقيراً جداً ولم يكن لأمي أي عمل. كان أبي أمياً، وكذا أمي، وبقيا هكذا حتى نهايتهما رغم محاولاتنا، أنا وإخوتي، تعليمهما القراءة والكتابة. لم أكن واعياً لكون أمي كردية أو أبي قومياً. كانا فقط أمي وأبي. وخلال السنوات الأخيرة من وجودي في البيت وفي العراق، شعرت بميل أمي الى المشاعر القومية الكردية، كتجاوب مع الثورة الكردية المسلحة آنذاك في كردستان العراق، لكني كنت حينئذ ماركسياً ومقاتلاً لسنتين في تلك الثورة، ومهتماً بالثقافة والشعر. اهتمامي كان في البداية بالرسم والغناء. كنت مغني مدرستي. ثم بدأت أميل منذ مراهقتي إلى قراءة الأعمال الروائية والقصصية. وأنجزت آنذاك كتابة عدد من القصص القصيرة. الجنوح نحو الشعر ظهر ما أن التقيت بعدد من «جماعة كركوك»، أمثال الأب يوسف سعيد، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، وجان دمو وغيرهم. في لقاءاتنا، قرأت عليهم قصصاً لي، فأشاروا إليّ بأني شاعر ولست كاتب قصة. ومن خلال أجواء تلك القصص وازدحام الصور الشعرية فيها، اقتنعت باقتراحهم، وهكذا دخلت بوابة الشعر، إلى مجرته القريبة.

انخرطتَ مبكراً في العمل السياسي. وتعرضت للاختطاف بسبب ذلك. هل لهذا السبب ستترك الانشغال السياسي لاحقاً وتهرب إلى الشعر؟
- بعد الإطاحة بالملكية من قبل العسكر، ساد العراق صخب رهيب من المظاهرات اليومية تقريباً، من قبل الأحزاب اليسارية ضد الوجود الاستعماري في العراق وامتداداته في المجتمع. كانت كل مدرسة أيضاً تعج بهذه الأنشطة، وكان هذا بداية تعرفي بالسياسة وما تعنيه، من خلال أصدقائي الطلبة. وكنا في بداية مراهقتنا في المرحلة المتوسطة من التعليم. هكذا بدا اهتمامي بالسياسة وانخراطي فيها. ولأن معظم أصدقائي كانوا يساريين وشيوعيين، فقد وجدت نفسي مؤيداً للحزب الشيوعي العراقي. انخراطي التام بدأ مع الانقلاب الدموي للبعثيين في بداية عام 1963. خوفاً من اعتقالي، التحقت بقوات الحزب في جبال كردستان وبقيت هناك حوالى سنتين.

لنعد إلى كركوك، يكفي ذكر هذا الاسم لتحضر لحظة مهمة وتجربة متفردة كان لها دور كبير في تعميق علاقة الشعراء العرب بالقصيدة الحديثة، جيل الستينات في العراق، الذي جعل لقصيدة النثر العربية منحى آخر وفتح لها طرقاً أخرى نحو كنز الشعر. كيف وجدت نفسك بين هؤلاء؟ وهل كان لديكم التصور نفسه للكتابة؟ وماذا عن مسافات الاختلاف؟ ومن كان الأقرب إليك؟
- كانت كركوك نموذجاً لوحدة العراق. فهي كانت تضم القوميات العراقية كافة، غنية بعدة لغات، وتضم مؤسسات أجنبية، إنكليزية أساساً، من خلال شركات النفط البريطانية. الإنكليرية هي الأخرى إحدى لغات المدينة، إلى جانب العربية والكردية والتركمانية والآشورية والأرمنية. هذه اللغات هي أساس ثقافة كركوك. فكل منا، من «جماعة كركوك» مثلاً، كان يعرف عدداً من هذه اللغات. كانت المدينة أيضاً مركزاً ثقافياً من خلال سينماتها ومسارحها، ومكتباتها ومراكزها الرياضية. بسبب انتماءاتنا اليسارية، لم نسقط في فخ الكتابة الإعلامية عن نشاطات الحكومات وتمجيد مآثرها شعراً وغناءً، رسماً أو مسرحاً. عشنا تجربة حيوات غنية سياسياً وثقافياً. سجن معظمنا وتشرّد قسم منا، وكانت قراءاتنا مختلفة أيضاً، خصوصاً بالإنكليزية، حيث كان اطلاعنا متميزاً على الإنجازات الأدبية والشعرية من بلدان غربية وغيرها، وتأثرنا بها. لقد نأينا بأنفسنا، كجماعة، عن الكتابات الضحلة، الإعلامية، التي كانت تسود آنذاك. بحثنا عن الشخصي في الكتابة الأدبية والشعرية. وبسبب هذا الموقف، حوربنا إعلامياً، وحوربنا في نشر أعمالنا القصصية والشعرية والمسرحية وغيرها. مع الاهتمام بالتعبير الشخصي، المختلف عما كان رائجاً، كان علينا أن نجد ما يميزنا، أسلوبياً، واحدنا عن الآخر، وقد نجحنا في ذلك. كان الاقرب إلي أصدقائي في الجماعة، أمثال سركون وجان، مؤيد الراوي وجليل القيسي وآخرون.
اهتممنا بشعر المتصوفة، والصعاليك وشعر الحب والهجاء، وفي الوقت نفسه، لم نكن متأثرين بشعراء مجلة «شعر»


يبدو أنكم لم تكونوا متأثرين بالثقافة العربية الرائجة في تلك المرحلة، خصوصاً ما يتعلق بالشعر، فأنتم جئتم عقب حركة مجلة «شعر»، ولم تكونوا تحت لواء ما بدا جديداً آنذاك في الساحة العربية، أي اللواء الذي حمله أدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج. هل كنتم مدينين بالمقابل لانفتاحكم المبكر على الثقافة القادمة من خارج العالم العربي؟ من أميركا وأميركا اللاتينية وأوروبا، باعتبار أنكم كنتم تقرأون بلغات أجنبية، ولم يكن أيضاً الانتماء الديني يشغلكم.
- نعم كنا متأثرين بالثقافة العربية لكن ليست الرائجة آنذاك. اهتممنا بشعر المتصوفة، والصعاليك وشعر الحب والهجاء. في الوقت نفسه، لم نكن متأثرين بشعراء مجلة «شعر». كنا نكن احتراماً للترجمات في تلك المجلة وحركة النقد فيها. لم نكن نعرف الفرنسية واقتنعنا أن الخط الفرنسي، في الشعر والثقافة، يهيمن عليها. كنا مسحورين بشعر الاحتجاج الأميركي والسرد الجميل للشعر البريطاني والاستخدام الباهر للقصة فيه، إلى جانب المشهد اليومي للشعر الإنكليزي. قراءتنا كانت إنكليزية، ومع الاهتمام بشكل خاص بالقصة القصيرة المصرية، والترجمات العربية للأدب الروسي، من روايات ومسرحيات.
صحيح أنّه لم يشغلنا أي انتماء ديني أو قومي. كنا علمانيين من بدايتنا بسبب انتمائنا لليسار بشكل عام. الانفتاح في المفردة الصحيحة لتوجهنا في الشعر والأعمال الأدبية الأخرى. ومن هنا اختلافنا، كمجموعة، عن بقية المجموعات في المحافظات العراقية، وغنى نصوصنا.

انتظرت إلى أن خرجت من العراق لتنشر عملك الشعري الأول «رهائن». لماذا لم تصدره بالعراق؟ وكيف كان تلقيه في تلك المرحلة التي كان الشعر الرائج فيها مختلفاً عما تكتبه؟
- قلما نشروا لي في العراق أثناء وجودي هناك. رفضوا السماح لي بأي وظيفة. كنت أشتغل عاملاً في مهن وأشغال عدة: في المخابز، شركة الغاز في كركوك، عاملاً في سكك الحديد في بغداد، عامل بناء وصباغ بيوت وهكذا. اهتم بي بشكل خاص الشاعر عبدالوهاب البياتي، حيث حمل معه قصائد كثيرة ونشرها في المجلات والصفحات الأدبية في سوريا ولبنان. أصدقائي في الصحف المحلية في بغداد، نشروا لي أيضاً قصائد قليلة في صفحاتهم الأدبية التي كانوا يحررونها. ولا أنسى اهتمام الباحث والشاعر حميد المطبعي ونشره لقصائدي في مجلته «الكلمة». لكن للبياتي الدور الأكبر في تعريفي بالأوساط الشعرية آنذاك، وهو الذي ساعدني في الحصول على جواز سفر، ونصحني أن لا أعود إلى العراق في تلك الأوضاع. وله أيضاً دوره في نشر مجموعتي الشعرية الأولى «رهائن» في دمشق عام 1975. المحبة دائماً لذكراه. تلقى الشباب مجموعتي الأولى بالاحتفاء وببعض الكتابات المهمة، وتم تهريب المجموعة إلى العراق أيضاً لأنها كانت ممنوعة حسب ما فهمت آنذاك. كانت بداية جيدة ومبهجة لإنجازي الشعري منذ تلك السنة وحتى الآن.

من دمشق غادرت باتجاه بيروت. أخبرنا هنا عن تلك المرحلة، عن أثر أيامك في لبنان على الشعر وعلى الشاعر؟
- من سوء حظي ما إن وصلت بيروت، حتى اشتعلت الحرب الأهلية هناك. كان اسمي قد سبقني إلى المدينة من خلال نشر قصائد لي في بعض المجلات الأدبية والصفحات الثقافية. كنت قد خرجت لتوي من كابوس العراق، وها أنا في كابوس آخر. مع ذلك، بقيت لفترة واهتم بي أصدقاء من العراق كانوا قد وصلوا قبل سنوات. في ليلة، جلست قبالة البحر وكتبت قصيدة طويلة عنوانها «تلك البلاد». كانت قصيدة تصفية حساب مع ماضيّ ومع العراق، وشعرت براحة هائلة بعد ذلك. التقيت بعد أيام بأدونيس، أعطيته القصيدة، قرأها ونشرها في العدد الجديد من مجلته «مواقف»، العدد ثلاثون. كنتُ التقيته أيضاً في دمشق. عند عودتي إلى دمشق، فكرت طويلاً حول حياتي المقبلة، ووجدتها كئيبةً ستصيرُ في حال بقيتُ في أي بلد عربي. قررت الهجرة إلى بريطانيا، وشجعني على ذلك أيضاً، إزعاجي من قبل البعثيين العراقيين، الموالين لنظام دمشق: محاولات مستمرة منهم ومن غيرهم لإقحامي في النشاط المعارض للنظام العراقي. كنت قد قررت أن السياسة في الوطن العربي عبارة عن قذارة، لأنها قائمة على الكذب والعنف، واستخدام الأيديولوجيات والأديان لأغراض الهيمنة والتسلط الأبدي. هكذا سافرت إلى لندن لشهر أو شهرين، ثم بقيت فيها لعشرين سنة.

فعلاً خرجت إلى لندن بعدها، وهناك أصدرت عملك الشعري «رحيل». هل ضاقت بك البلاد العربية؟ ما الذي قدمته لك لندن؟ وما الذي أخذته منك؟
- حياتي تغيرت تماماً في بريطانيا بسبب الأمان والحدائق والطبيعة، واللغة الإنكليزية التي أحبها كثيراً من سنوات كركوك. بعد فترة من المصاعب، وبمساعدة مالية من أبي الذي كان يقيم في الكويت، استطعت تدبير حالي بالعمل في الصحافة والمجلات العربية التي بدأت تصدر في لندن، بدءاً من عام 1977، واستمررت في هذا العمل الكابوسي أيضاً، لأن هذه الصحف والمجلات كانت ممولة من قبل بعض الأنظمة العربية وخصوصاً النظام العراقي. عشت سنوات طويلة هذا التناقض بين كوني مشرداً بسبب هذا النظام أو ذاك، وبين عملي اليومي بين جدران أجهزته الإعلامية. في لندن، مع بقائي لحوالى عشرين سنة، استطعت طبع ست مجموعات شعرية، منها مجموعتان بالإنكليزية سمح فريق «ميلموث» السريالي في بريطانيا أن أطبعهما باسم هذه الجماعة الطليعية، في الشعر والرسم والكولاج خصوصاً، وكنت عضواً فاعلاً في هذه المجموعة لسنوات عدة. عشت حياة نشطة في لندن، في مجالات الترجمة والصحافة وكتابتي الشعرية، وتعلمت الكولاج هناك، كما استطعت الحصول على الجواز البريطاني الذي أعتبره أفضل منجزاتي لعشرين سنة من إقامتي في بريطانيا التي أحبها وسأبقى. بلد ساحر وشعب نبيل ومثقف. بريطانيا لم تأخذ مني إلا كآبتي وشعوري بالخيبة والعجز، وقدمت لي كل ما هو رائع: الشعر، القصيدة. كل مجموعاتي الشعرية التي طبعتها في لندن كانت على نفقتي الشخصية.

الجنوح نحو الشعر ظهر ما أن التقيت بعدد من «جماعة كركوك»، أمثال الأب يوسف سعيد، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، وجان دمو


بعد عشرين سنة من العيش في لندن، سيقودك الترحال إلى الفيليبين التي قضيت فيها هي الأخرى أكثر من عقدين. تقول إنك اخترت هذه الوجهة بسبب الطقس. هل هذا سبب كاف حقاً؟ أم أن الأمر يتعلق بالرغبة في ما كان يسميه جان جينيه «العزلة الأكثر عمقاً»؟ هل كنت تريد أن تنأى بنفسك عن العالم؟ وهل أحسست أيضاً أن العالم الثقافي قد نسيك لسنوات؟
- كانت لي صديقة فليبينية في لندن، صدعت رأسي بجمال الفيليبين، وطيبة شعبها، واختلاف الفواكه والخضار هناك، والجزر والأساطير، وغيرها. في نهاية إحدى السنوات، اشتريت بطاقة وسافرت إلى مانيللا، العاصمة. بقيت حوالى أسبوعين، زرت جزيرة أخرى، سيبو، وتمتعت جداً. هناك قررت أنني سأقيم في هذا البلد إذا تقاعدت في يوم ما، أو وجدت ما يكفي من المال والوقت لتحقيق هذا. مضت سنوات، أثناء حرب الخليج في بداية التسعينات، أفلست الشركة التي كنت أعمل فيها محرراً في القسم الثقافي لمجلة «الدستور». حينئذ تذكرت وعدي لنفسي حول رغبتي في الإقامة في الفيليبين. بعت بيتي، دفعت ديوني كافة للمصرف وغيره. وسافرت هذه المرة للإقامة الدائمة هناك. كانت هذه فرصتي للتخلص من العمل في الإعلام العربي وكوابيسه في لندن وكنت أحلم ببداية جديدة، بعيداً عن مدينة عشت فيها لعشرين سنة. حاجتي كانت ماسة لبيئة أخرى، لثقافة جديدة بالنسبة إلي، لغة لا أعرفها وشعب لا تربطني به أي صلة. أردت أن أكون وحدي تماماً، أنسى ماضيّ وأطارد الأفق. كنت أهفو وأرغب بنسياني. لم أكتب إلى أحد لسنوات ولم يكن أحد يعرف عنواني. عشت فترة صعبة في البداية، لكني مع مرور الزمن رتبت حالي، بدأت أكتب واتخذت المحيط صديقاً لي. لم أنشر لحوالى عشرين سنة. أخرجني بعض الأصدقاء من عزلتي تلك في أواسط عام 2011، حين دعوني إلى سيت الفرنسية للمشاركة في مهرجانها الشعري، وفوجئت هناك بترجمة مختارات من قصائدي الأولى إلى الفرنسية.
بعد عودتك من فرنسا، أصدرت أعمالاً شعرية كثيرة. من يتابعك يحس بأنك تكتب كل يوم؟ هل الكتابة لديك فعل سلوك يومي؟ وما سبب هذه الغزارة الشعرية؟
- صارت الكتابة ضرورة يومية منذ السنوات الأولى لوجودي في الفيليبين: بدأت أخلق عالماً جديداً في الشعر وأعيش فيه. صارت لي بيئة من كتابتي، وتكومت كتاباتي في غرفتي. إنما فقط بعد عودتي من ذلك المهرجان الشعري، قررت إعادة النظر في كتابات شعرية لم تنشر لعشرين سنة، بدأت أرتبها في مجموعات، نشر منها حتى الآن 16 كتاباً من قبل دور نشر ، والبقية 14 قمت بصفها وإخراجها وطبعها بنفسي، بطريقة الفوتوكوبي وترتيب نسخ إلكترونية عنها لصفحتي في فايسبوك. قبل هذه المجموعات كانت لي، حين غادرت بريطانيا، ثماني مجموعات بالعربية والإنكليزية.
على الشاعر أن يقتنع بأنه عامل في حقل الشعر، كما أي عامل في أي مهنة، وعليه أن ينتج بشكل متواصل. إذا توقف عن الكتابة لفترة لأي سبب كان، فإنه سيلاقي صعوبات جدية للعودة إلى حالته قبل التوقف. أتكلم هنا عن تجربة شخصية ولا أقوم بأي تنظير أو تبجح. من نعم الحياة علينا هذا الجهاز، الأعجوبة: الكومبيوتر، ما يتيح التواصل اليومي مع الكتابات والتراجم والكتب والأعمال الفنية، الموسيقى وغيرها. منذ ست سنوات، أقوم بجمع كتاباتي، مرة في السنة، من موقعي في فايسبوك وأرتبها كمجموعة أو مجموعتين. أطبعها، والأهم أرفع نسختها الإلكترونية إلى صفحتي الشعرية.

ربما وديع سعادة هو الذي أنشأ لك في البداية صفحة على فايسبوك، لعرض نصوصك الشعرية. كيف تلقيت الفكرة؟
- العزيز وديع سعادة ساعدني، مشكوراً، في إنشاء صفحة خاصة لكتبي الشعرية في فايسبوك، وبذا ساهم في رفع مجموعاتي الشعرية، إلكترونياً إلى تلك الصفحة. أنا ممتنّ له دائماً لجهوده في هذا الشأن. الصديق الشاعر نصيف الناصري هو الذي علمني استخدام فايسبوك في بداية عام 2012. منذ ذلك الوقت، تعلمت الكثير حول الكومبيوتر، نشر قصائدي وترتيب كتبي من خلال هذا الإنجاز العلمي الباهر. صار العمل في الكومبيوتر وفايسبوك هو شغلي اليومي، وبالطبع تعرفت من خلاله إلى أصدقاء جدد وأعدت صلاتي بالقدامى منهم.

صرت تنشر باستمرار في هذا الفضاء الافتراضي، نصوصاً شعرية كثيرة جداً وتدوينات متعاقبة، هل وجدت في فايسبوك ما تريد؟
- نعم ، أعتبر الكومبيوتر، وهاتف الجيب، من أعظم الإنجازات التاريخية. فقد أعادا صياغة العالم والعلاقات على أسس جديدة، أقصد بالكتابة الفورية والسريعة، بالصورة، التهاتف المجاني تقريباً، توفر الموسيقى والأعمال الفنية والكتب. كل ما نراه في عالمنا المعاصر وحياتنا تماماً، ليس من صنعنا، إننا نستخدم إنجازات شعوب أخرى، مبدعة ومتواضعة. ليس في حياتنا إلا التخلف. مع ذلك، نعتبر أنفسنا خير أمة أخرجت للناس، كيف ذلك؟

يحس من يقرأ قصائدك المكتوبة في العقدين الأخيرين كأنه يتجول في غابة كبيرة، إذ بمقدوره أن يقوم بجرد أسماء كثيرة لحيوانات وأشجار وطيور، ماذا عن سبب هذه الوفرة. هل هذا مرتبط بالطبيعة في الفيليبين؟
- لم لا؟ تحيطنا أشجار في كل مكان، في بيوتنا، الحدائق، الضواحي والجبال القريبة وفي رؤوسنا وذاكرتنا. هذه المناطق والمساحات هي مساكن حيوانات وطيور وزواحف. أين الغرابة إذن إذا ظهرت في كتاباتنا وقصائدنا؟ ألا نريد أن نوثق حيواتنا بما تعج بها من حقول وغابات، أشجار، حيوانات وصقور وغربان وبلابل؟ تصوروا عالمنا وحياتنا بدون هذا كله! الفيليبين بلد جزر، بحار ومحيط، حيواناتها مائية، حيتان وأسماك قرش ودلافين وثعابين كبيرة. أيضاً التلفزيون، الكتب، المجلات مملوءة بصور وأفلام ووثائق عن الأشجار والحيوانات والطيور.

«أقرأ قصائدي لكلبي، فهو قارئي الأول»، هل تحس أنك شاعر بدون قراء؟
- كنت أمزحُ حين قلتُ هذه الجملة في مقابلة مع صحيفة فرنسية. لكن صحيح قرأت مرات قصائد لي على كلبي وكان يتطلع إليّ صامتاً، مذهولاً، مما كان يدفعني لأساله إذا كان حقاً كلباً، هنا كان ينبح، ربما محتجاً لأني أصفه كلباً، هكذا عرفت بأنه لم يكن كلباً في ماضيه. لفهم هذا، وقبوله، نحتاج لقراءة «ألف ليلة وليلة».

كتابك الأحدث «سنواتي الأخيرة»، لماذا هذا العنوان؟ هل هو انتباهة إلى مسألة العمر؟ وماذا عن سنواتك القادمة؟
- أعجبني العنوان، وفي المجموعة قصائد جديدة من سنواتي الأخيرة. لا علاقة لقصائدي بعمري. إذ ليست سيرة شخصية تماماً، وإنما سيرة متخيلة. وحتى بالنسبة إلى الأماكن والبيئات في القصائد فهي الأخرى متخيلة، رغم وجود عناصر من مشاهد حقيقية. ما يهم هو أن الشاعر يخلق عالمه الشعري من تركيبة تتضمن أجواء من الذاكرة والمشاهد اليومية، ويقوم المخيال بإعادة صياغتهما وفق حالة الشاعر ورغباته الدفينة.