في مجموعته القصصية «شهيق طويل قبل أن ينتهي كلّ شيء» (الكتب خان ـ القاهرة)، يعتزم الكاتب الأردني هشام البستاني ـ عبر سردية انفعالية ـ النطق بكلّ شجونهِ حيال أزمات يشهدها الإنسان العربي، قبل أن يركن إلى الصمت والاستكانة. خلال الأجزاء الأربعة التي تشكل المجموعة القصصية، يبني البستاني مشهداً متقطعاً لحال إنسان واحد، لسانهُ الشكوى وحاله الضيق، ينظر إلى الحياة من خارجها ثمّ ما يلبث أن يحاكمها وفق معالجة أحادية.


المجموعة التي يحاول فيها الكاتب تصدير الأزمات، تخرج بإنسان تقتصر أزمته على زمانهِ، لينضج «الموت» أو الخروج عن الحياة بوصفها سياقاً مأزوماً، حلاً للكثير من الحبكات القصصية. يصير الكلام وطناً نهائياً لأولئك الذين خُذلوا من أوطانهم الحقيقية وتاهوا عن دروب الخلاص. إنّ كتابة البستاني كيد بالواقع وعزاء لمن لا عزاء لهم. في «كتاب الغرق»، أول أجزاء المجموعة القصصية، يجعل البستاني من قصصهِ نوعاً من البحث في موضوع رحلات الموت إلى أوروبا، فتكون القصص أشبه باستقصاء لحقائق وعذابات، تجيء لغته من صلب موضوعهِ، مليئة بمفردات من يسبح في البحر للمرة الأولى، هارباً من زعيم/ إله دفعه من المعتقل إلى لجة البحر. في إحدى القصص، يحيل الأردني الوحيد بين مجموعة من السوريين والفلسطينيين واللبنانيين وجوده بينهم إلى سورية الطبيعية، وقد كسرت رحلة اللجوء الحدود بينهم. من صالح الجميع أن يموت أولئك الذين صاروا ثقيلين على بلدانهم وتفضّلهم أوروبا غرقى في البحر، ولا يريد المهربون النجاة لهم كي لا يعودوا أكثر تصميماً على عبور البحر. في قصته «السفينة»، يقابل البستاني زمانين مختلفين بحدث واحد، لمجموعة من البشر الذين صعدوا كالقطيع إلى سفينة نقل المواشي في بيروت عام 1976 بينهم متأنقون بيارتة، بينما وهو في عرض البحر المتوسط عام 2016 هارباً من الأحداث السورية بين مجموعة ليس فيها متأنق واحد والسائل اللزج يندلق بين قدميه. يذكر تلك السيدة البيروتية التي تقيأت بين قدميها قبل 40 سنة في مساحة ضيقة اختلط فيها قيء الجميع ومصائرهم. عبر هذه المقاربة المتباعدة زمانياً والمتشابهة في المصير، ينشد البستاني توثيقاً درامياً لأزمنة الشتات والهروب من الحروب من خلال قصص مليئة بتفاصيل حيّة عن انحباس البول والصراخ والربّان الثمل أو المفقود.
يعرض البستاني الحياة في انتظار الحصول على اللجوء، الطوابير التي يلتزم بها اللاجئون في كلّ أمر، قبل أن يلاقي أحد شخوصه الضابط، ويصارحه بأجوبة تتعالى على آلام تفرضها مواقف مشابهة لأحد الهاربين من بلادٍ؛ الموت منثور فيها كالغبار، أحد أولئك الذي دفع بهم القاص إلى عالمٍ وسخ، ثم أخرجهم لملاقاة الضابط الأوروبي على شكل «إنسان معقّم». يأتون من البعيد ثُمّ يظهرون مترفّعين ويأبون ما يتعرضون له، خرجوا من سفن محطمة، من قوارب مطاطية مثقوبة، قاتلوا حتى نهايتهم من أجل الوصول إلى بلاد الحرية، أخذوا نفساً طويلاً، ثم امتلأت رئتهم بالماء وتهيأوا لمغادرة حياة كاملة من العذاب. في «كتاب الرعب»، تأخذ القصص منحى مختلفاً، ترصد عالماً من الأحجيات لنمط عيش مرتبك، زوجات عنيفات، وأزواج يعتبرون وجودهم خاطئاً.
يكتب ليدين نمط العيش المعاصر

تبدو جلّ القصص دوائر مغلقة تفتقد للرحابة والانطلاق، تنتهي حيث تبدأ عبر لغة متسارعة تحاكي أحداثاً متسارعة لحيوات مرصودة بالقتل بجنازير الدبابات وأعين القناص، أوامر ملكية بالعفو وأخرى رئاسية بالقتل! تبرز عمّان مدينة معصوبة العينين تتغير أحوالها على امتداد السنوات. وفي «كتاب البلادة»، يقترب الكاتب من حياة مستهلكة، بدا أنّه يفخخها ثمّ يهدرها، يحيلها إلى نهايات ويعيدها إلى أمثولات ومبادئ، كما لو أنّه عبر الكتابة عن هذه الحياة، فإنّه يرفضها، يكتب القاص ليدين نمط العيش المعاصر. أزواج متعبون وزوجات مرفّهات... يعود إلى فكرة الزعيم/ الإله لكي يؤكد نموذجاً للرفيق الذي يبدأ مسيرته بتنظيف الحمّامات في الخنادق، وينتهي في باريس عبوراً بمنصب سلطوي فاسد. في «كتاب اليأس»، يجمع البستاني خلاصاتهِ، حيث تنتهي الثورات إلى شوارع مغلقة، فيما تنتهي كلّ حياة إلى بارٍ ليلي بين عاهرات وسكارى وقتلة، ليستثني الكاتب نموذجه، وفق ما سارت فيه معظم قصص الكتاب، حيث يظهر بصورة نزيهة ومترفّعة، مفروضة على الواقع كي تعززه لا لأجل أن تثور عليه. أزواج موتى، وزوجات مخذولات، شخوص بذاكرة ممسوحة تخلصت من الرغبات والآلام، وانتهى من تجرأ على الزعيم/ الإله نهاية مؤسفة وبطولية. ينتهي درب اللجوء إلى منزل نهائي هو الخوف، فيما يستمد الوطن قيمته من المنفى، وتستمر الحياة عبر مراكمة أرقام القتلى وركام المدن.
بين القصص كلّها، التي تشبه توصيفاً أو استقصاءً أو محاكمة، يلمح القارئ حضور «الهوّام» المختلف الذي يلحق رائحة يجهل أمر صاحبتها، يتبعه الأطفال في الشوارع ويستجوبه الكبار، فيما تطفر دمعة من عينيه وهو يفكر بتلك الرائحة التي غيّرت حياته ثمّ غابت.