يتتبّع ثائر زين الدين في كتابه «مرايا الظلال القادمة» (الهيئة العامة السورية للكتاب ـــــ 2018) الأسباب التي تجعل القصيدة موغلة في الزمن، عبر استلهام التراث بأحداثه وشخوصه وأماكنه ونصوصه، وتسخيرها كأدواتٍ فنية معاصرة، بغية تجاوز الظروف الاجتماعية والسياسية وخاصة قمع الحريات، والهروب من عسف الرَّقيب وزبانيته، ما ساعد في الوقت نفسه على استنهاض مكامن جمالية جديدة في اللغة والأسلوب والأفكار، استطاعت القصيدة من خلالها أن تبقى طازجة باستمرار، وقادرة على أن تمد عمرها في المستقبل. فمن دون ذلك، كما يرى الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور (1931 ــــ 1981)، لا تستحق القصيدة أن تكون تراثاً.


استلهام التراث في تلك الظروف بقدر ما كان حيلةً ومُداورة فرضتها النقمة التي انصبت على رؤوس بعض الشعراء من قبل السلطات في زمنهم، بقدر ما شكّل نعمةً على الأدب، فكان أولئك المُبدعون بالفعل كما عبّر شيلي «كهنة الوعي الذي لا يُدرك، ومرايا الظلال الهائلة التي يلقيها المستقبل على الحاضر». عدا ذلك، فإن كل نهضة شعرية، لا بدّ لها من العودة إلى الينابيع الأصلية. وهذه العودة تختلف عما يُدعى بالسّلفيّة الشعرية، بحسب تعبير خليل حاوي (1919 ـــ 1982)، لكونها ليست عودة لإحياء الأنماط والنماذج التي استقرت في قوالب جامدة، بل إلى الينابيع التي تفجرت فيها روح حيوية تولّد أنماطاً ونماذج جديدة.
سيرورة الشعر العربي الحديث تُقسم بحسب الناقد زين الدين، إلى أربع مراحل منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى اللحظة؛ وهي: حركة الشعر التقليدي أو شعر الإحياء (نهايات القرن التاسع عشر بدايات العشرين)، حركة الشعر الرومانسي (شعر المهجر، مطران والديوان، جماعة أبولو وامتدادها ـ عشرينيات القرن العشرين حتى أربعينياته)، وحركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة (الخمسينيات والستينيات حتى الآن)، وحركة قصيدة النثر (السبعينيات والثمانينيات حتى الآن). هذه السيرورة فرضت وعياً جمالياً خاصاً بالحداثة الشعرية العربية، يتميز عن نظيره الكلاسيكي بسمات عدة تجعله جديداً تماماً، كما تجعل نتاجه الشعري مختلفاً عن نتاج الشعر الكلاسيكي والتقليدي المعاصرين. وهي كما يراها الدكتور سعد الدين كليب: «التجادلية» التي ترى العالم في وحدته القائمة على التناقض والصراع لا على التكامل والتناظر، كما كانت الحال في الوعي الجمالي الكلاسيكي العربي، و«الدرامية» التي تجلت بعدما بدأ النص الشعري الحديث ينحو نحو مَوْضَعَةِ الذاتي، بحيث لا يبدو إحالة مباشرة على ذات المبدع، بل يبدو معادلاً موضوعياً لذاته في علاقته بالعالم، إضافة إلى «الكلية» التي تفترض النظر إلى أي ظاهرة من جوانبها المختلفة، على عكس الوعي الكلاسيكي الذي اصطبغ بالجزئية في مجمل نشاطه الجمالي. وإذا كانت «المقاربة» هي القانون في التصوير الفني سابقاً، يوضح كليب، فإن الحداثة الشعرية والجمالية عامةً رأت أن التعبير عن الواقع يمكن أن يتم برصد آثاره، لا برصد خصائصه وسماته. ولهذا أصبحت «المباعدة» أو المفارقة أشبه بالقانون الجمالي في التصوير الفني.
يرصد زين الدين في كتابه أيضاً صورة المرأة وأشكال حضورها في أعمال أربعة شعراء من أقطار مختلفة وأجيال متتالية منذ الثلث الأول من القرن الماضي حتى مشارف الألفية الثالثة، مبيناً تطور نظرة الشعراء إلى المرأة من النواحي جميعها. فأهم ملامح شعرية الياس أبي شبكة (1903 ــ 1947) تتشكَّل بسبب حبه للمرأة وسخطه من فجورها. فهو الذي عاش تجارب فريدة من ناحية مجونها وقسوتها وعفافها وشهوانيتها مع العديد من النساء كوَّنت عنده رصيداً هائلاً من الزخم الشعوري صبَّه في دواوينه، ولا سيما «أفاعي الفردوس»، و«غلواء»، و«نداء القلب»، «إلى الأبد». أعمال أبرزت شغفه بالمرأة وجمالها وعفافها، واحتجاجه الكبير على «آثامها وعبوديتها للخطيئة»، وأيضاً عذابات ضميرها وآلامها، من دون أن يكون هذا السخط العارم سوى قناع آخر لمداورة عشقه للمرأة بكافة لبوساتها من «طهارة» أو «دناسة». والملاحظ في جميع أشعاره كما يرى الباحث زين الدين أنه لم يصنع في قصائده جميعها امرأة من لحم ودم، بل كان دائماً يُصوِّرها إما «طاهرة أو عاهرة». أما المزج بين المكونين في كينونة واحدة، فغير موجود في قاموس عشق الياس أبو شبكة.
التسجيلية الشعرية هي أبرز ملامح تعاطي بدر شاكر السياب (1926 ــ 1964) مع المرأة، كما يرى زين الدين. ففي ديوانه «منزل الأقنان»، يرصد نفسه لحظة فلحظة، واستطاع أن يسجل ألوان انفعالاته وظلالها وتعرجاتها وتناقضاتها، بحيث يمكننا اعتبار شعره وثيقة نفسية وفنية تصور العالم الداخلي لإنسان أشرف على الموت ووَثِقَ من أنه سيموت... من دون إغفال أن عمق الألم زاد من مقدار الخصب الفني. كما أن ألمه الشخصي الفردي ظل يفضي في حالات كثيرة إلى ألم بلاده وناسه.
يقول ثائر زين الدين: «تبقى المرأة محرضاً كبيراً في شعر السياب، فبعد فقدانه لحنان والدته طفلاً وجدّته من بعدها فتى، تتوالى خيباته في الحب وصدماته العاطفية ولتبرز معها عمق موهبته وألق شعريَّته، خاصةً مع خوفه القابع في أعماقه من أنه غير محبوب، والذي جعله يلجأ في كثير من الأحيان إلى الخرافة والأسطورة برموزهما المختلفة، فهو السندباد، وأوليس الذي تنتظره بنلوب، وأيضاً أيوب، لكن أحال السبب من وراء أقنعته الشعرية كما جاء في أحد حواراته إلى أنه لم تكن الحاجة إلى الرمز، إلى الأسطورة أَمَسّ مما هي اليوم، فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح».
أمل دنقل (1940 ــ 1983)، يتعامل مع المرأة على أنها كسطح المرآة تعكس ما يسقط عليها، ولذلك نراه لا يُدينها، بل على الأغلب يلتمس لها العذر، إنها تتلقى الضربات والطعنات، وهي منفعلة وغير فاعلة. حتى إذا ما سببت الضرر أو الألم لغيرها، فإنما تفعل ذلك بغير إرادتها، ولذا يعتمد في تعاطيه الشعري معها، كما يرى زين الدين، «كمصوِّر ذي حساسية عالية يعرف كيف يحرك عدسة الكاميرا، وأين ومتى ينبغي تثبيتها، ليجعلنا نكون رؤية شاملة، ونصل إلى حالة إدانة أخلاقية معللة جيداً، لا سيما أنه يستفيد بذكاء من تقنيات السرد المختلفة، إذ يضعنا في جو قصة قصيرة مشغولة بفنية عالية، تبرز فيها نساء القاع كبنات لبيئاتهن بكل ما فيها من فساد وظلم وقهر».
ظلّت المرأة محرضاً كبيراً في شعر السياب


يؤكد الكاتب أن الشاعر يبقى كائناً مختلفاً عما ترسمه قصائده، لأنه في شعره يقدم الصور/ الحلم، التي يرغب أن يكون عليها، مستشهداً بنزار قباني القائل: «لا تبحثي عني خلال كتابتي/ شتان ما بيني وبين قصائدي»، وأيضاً بشوقي بغدادي الذي يؤكد «كي تعرفيني جيداً.. لا تقرئيني»، بينما يتعامل الشاعر إبراهيم عباس ياسين مع الأنثى على أنها كيانٌ نصفه حلم ونصفه الثاني امرأة. مع إدراكه المسبق، الذي عبَّر عنه في أحد حواراته الصحافية، أن «المرأة ليست مخلوقاً سماوياً، ولا كائناً خرافياً. لكن مسألة الحلم تشكل ضرورة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الشاعر، والمرأة التي تجتذبني من بين سائر النساء هي التي تحرضني على الأحلام والشعر، وحينما تنتهي المرأة إلى حلم ملغى تبتدئ أزمنة الجفاف والقحط وتنتهي معها الحياة إلى صحراء قاحلة».
أفرز الناقد زين الدين بحثاً لتطور البنية الإيقاعية لدى فايز خضور الذي حمل لواء قصيدة التفعيلة وظلَّ طوال تجربته الإبداعية «يهفو للعنة» على حدِّ تعبيره، فـ«بعد أن استوعب إنجازات وجماليات الشعر الخليلي جيداً، وبعد أن تمرَّس لغوياً وعروضياً، رأى أن صراعه هو الوصول إلى تحرير التفعيلة الواحدة، ومحاولة التحرر منها، من دون أن تفقد صياغة موسيقاها، وذلك عبر تحريرها من ارتباطاتها المجاورة في البحر نفسه، ومن طريقة تكرارها التقليدية في البحور الخليلية المعروفة، ففي معظم قصائده يلجأ إلى التدوير العروضي، إمعاناً في تحطيم إحساسنا بالتفعيلة المعروفة، وفي محاولة لخلق إيقاعات جديدة».