المنهج السياسي الغبي والأحمق الذي اتبعته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منذ تبنيها النهج الاستسلامي والسعي المحموم لنيل اعتراف العدو الصهيوني ومن ورائه الدول الغربية الاستعمارية، لم يؤد فقط إلى التفريط بحقوقنا في فلسطين وإنما أيضاً إلى فقداننا صداقات عالمية كثيرة كانت نتاجاً للموقف الأولي للحركة الوطنية الفلسطينية المعادي للاستعمار. بل إن ذلك النهج التدميري جعل من قادة ميليشيات رام الله مضحكة أمام العالم والشعوب الصديقة، وصارت سياساتها الحمقاء والمتخبطة محل استنكار القوى العالمية والإقليمية المعادية للاستعمار كافة. بل إن الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نلسن منديلا أبلغ رئيس منظمة اللجنة التنفيذية آنذاك أنه يعارض اتفاقيات أوسلو وما نتج عنها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أخبره رأيه بأنه لا يحق له التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين.


لقد اخترنا كتاب «من الهند إلى فلسطين: مقالات في التضامن» (ليفت وورد بوكس ـــ نيودلهي ـ 2014) لغيثا هاريهاران، مع أنه صدر عام 2014، لأنّ مادته مهمة لتأريخ النضال الفلسطيني ولأنه يحوي معلومات لازمنية تساعد القوى الفلسطينية والعربية المهتمة بنضالنا من أجل استعادة فلسطين من العدو الصهيوني. لعل أهم مادة في هذا المؤلف موقف الزعيم الهندي الأسطوري المهاتما غاندي، الذي اتخذ موقفاً واضحاً لا لبس فيه تجاه القضية الفلسطينية والحركة الصهيونية، وهو موضوع إحدى مداخلات المؤلف «المهاتما غاندي عن الصهيونية والمسألة الفلسطينية» بقلم البرفسور رَمَكرِشنَن (a.k. ramakrishnan). ذكّر الأخير القراء بأن موقف المهاتما غاندي من القضية الفلسطينية أوضحه في مقال نشره بتاريخ 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1938 في صحيفة «هريجان» (harijan). المفارقة هنا تكمن في أن نشر المهاتما غاندي ذلك المقال الافتتاحي تم استجابة لضغوط صهيونية تطالبه باتخاذ موقف من الصراع في فلسطين وعليها. إذ كتب ـــ والترجمة لنا من الأصل الإنكليزي ـــ إن «عواطفي تجاه محنة الإشكناز (= اليهود - ز م) في أوروبا لا تعمي بصري عن متطلبات العدالة. إن العويل المطالِب بوطن قومي لليهود، لا يغويني كثيراً. فالبحث عن تأييد له يأتي من «الكتاب المقدس»...». بهذا، فإن غاندي وضع أسس الصهيونية نفسها قيد المساءلة. وبالتالي رفض فكرة دولة إشكنازية في «أرض الميعاد» لأن فلسطين وفق التصور التوراتي ليست مكاناً جغرافياً. بذلك، فإن موقف الزعيم الهندي/ العالمي كان معادياً للصهيونية ومؤيداً للفلسطينيين. إذ قال إن «فلسطين ملكٌ للعرب كما إنكلترا ملكٌ للإنكليز وكما فرنسا ملك للفرنسيين. إن محاولة فرض الأشكناز على العرب خطأ ولا إنساني.. ومن المؤكد أن تقييد العرب الشموخين لدرجة القبول بإعادة [!] فلسطين أو جزء منها كوطن قومي للأشكناز، سيكون جريمة ضد الإنسانية». صاحب هذه المداخلة يسجل أن زعماء الحركة الصهيونية من المعارضين لاستخدام القوة/ السلاح (pacifist) في فلسطين ومنهم مارتن بوبر وجودا مغنس وحييم غرينبرغ المؤيد لغاندي، عبروا عن هلعهم من هذا الموقف، وشعورهم بالاستياء منه، وكتبوا مقالات تنتقد موقفه من الصهيونية. ما دفع الزعيم الهندي للرد في مقال نشره في عدد صحيفة «ذَستتسمَن» (the statesman) الإنكليزية بتاريخ 7 كانون الثاني (يناير) عام 1939.
وقد اتهم كتاب صهاينة كثر المهاتما غاندي بأن موقفه من القضية الفلسطينية نابع من حرصه على كسب ود مسلمي القارة الهندية وصداقتهم، فرد على تلك التهمة بالقول إن «التهمة جدية... لكنني قلت مراراً بأنني لن أبيع الحقيقة مقابل خلاص الهند، ولا مقابل كسب أصدقاء». ثمة موقف موثق على جانب كبير من الأهمية في سجاله مع الصهاينة، إذا قال إن «مواقفي هذه ليس للوقت الراهن فقط، بل إنها ستستمر بعد رحيلي عن العالم، وستكون داعمة للقضية (الفلسطينية - ز م) التي كتبت من أجلها». مواقف المهاتما غاندي لم تكن اتخذت من بُعد حيث حضر صديق له (يهوديّ) من جنوب إفريقيا إلى الهند ومكث هناك أسابيع طويلة محاولاً إقناعه بتغيير موقفه من الصهيونية، لكن من دون جدوى. كما حضر الأميركي جون هيز هولم المعادي لاستخدام القوة، مرسلاً من الحاخام ستيفن وايز، لحثّ المهاتما على إعلان تعاطفه مع الصهيونية، لكنه أخفق.
جمال عبد الناصر أقنع جواهر لال نهرو بسحب دعوة العدو الصهيوني لمؤتمر باندونغ


أين زعامات العرب والإعراب الخونة والزعامات المليشياوية المنبطحة في رام الله من هذا الموقف؟! المقالات الأخرى في هذا الكتاب، تتعامل مع جوانب أخرى من العلاقات الهندية-العربية ومواقف قياداتها بعد اغتيال المهاتما غاندي وموقف جواهر لال نهرو، الزعيم الهندي الكبير ومؤسس «القارات الثلاث» وحركة عدم الانحياز مع الماريشال تيتو وأحمد سوكارنو. موقف الهند الرسمي في الأمم المتحدة من قضية فلسطين، جاء على لسان مندوبة الهند (وهي والدة كاتبة هذا المقال الكاتبة والأديبة الهندية وعضو أكاديمية الفنون والعلوم الأميركية نينتارا ساهغال (nayantara sahgal) «فلسطين يجب أن تكون دولة عربية... إن فلسطين غالبيتها عرب وعند البحث في أي حل ممكن، فيجب ألا يتناقض مع هذه الحقيقة وألا يتم تغييره وأن لا يلحق الغبن بالعرب». إلا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أقنع جواهر لال نهرو بسحب دعوة العدو الصهيوني لحضور مؤتمر باندونغ، وقد كان موقفه حاسماً في جعل الهند تدعم القضايا العربية، والذي انقلب بمجيء الحزب الحاكم حالياً للحكم في مطلع التسعينيات.
وقد عبر مساهمون آخرون عن معارضتهم لسياسة الهند الحالية المتحالفة مع كيان العدو، موضحين مدى تغلغلها في قيادات فكر الحزب الحاكم وأوجه التشابه بين فكره الإقصائي المتعصب والفكر الصهيوني المتعصب.
لقد خصصنا القسم الأكبر من هذا العرض لمواقف الزعيمين غاندي ونهرو، لكن هذا المؤلف يحوي مداخلات ومقالات عن جوانب أخرى من علاقة دولة الهند وشعبها مع فلسطين والحقوق العربية، متذكرين أنها كانت أحد أهم مكونات حركة عدم الانحياز ومؤتمر باندونغ و«القارات الثلاث». وسنعود إلى الأخيرة في عرض مستقل، منوهين إلى أن الحكومة الهندية أصدرت في ستينيات القرن الماضي قانوناً يمنع مواطني الدولة من زيارة كيان العدو ودولة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. من المفيد لكل من يتعامل مع هذا المسألة الاطلاع على المؤلف للإفادة والاستزادة.