تذكرون آيات سورة مريم التي حملت من روح الله، ووضعت حملها تحت النخلة: «واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً. فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً. قالت أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أك بغياً. قال كذلك قال ربك هو علي هيّنٌ ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً. فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً. فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سَرِيّاً. وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكلي واشربي وقري عيناً» (سورة مريم: 1-11).

الآيات واضحة عموماً. لكن الجدال بين المفسرين المسلمين دار حول الآية: «فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً». فمن هو الذي نادى مريم؟ أهو الملاك (جبريل)، أم أنه الوليد عيسى؟ ثم ماذا تعني كلمة سريّاً؟ أتعني نهراً، جدولاً، أم تعني سيدا ًشريفاً؟ الذين افترضوا أن عيسى هو الذي كلّم مريم، افترضوا أن السريّ هو عيسى. ذلك أن عيسى كان يكلم الناس في المهد صبياً.

«العذراء وطفلها» (زيت على كانفاس ــ 55 × 46 سنتم) للإيطالي جوسيبي كريسبي (1665 ـــ 1747)

ولم ينته النقاش إلى برّ، إلى أن جاءنا كريستوف لكسنبرغ، صاحب القراءة السريانية ـــ الآرامية، فقدم لنا قراءة سريانية (خطيرة!) للآية، وحلّ الأمر كله بضربة واحدة. فقد افترض أن الآية مكتوبة بالسريانية، وأنه يجب قراءتها على هذا الأساس. فالحرف «مِن» في الجملة ظرف سرياني يعني «في لحظة، عند لحظة» كما في بعض العاميات الشامية. أما كلمة «تحت» فتصحيف، والأصل أنها «نحت» بالنون، وأنها كلمة سريانية تعني «الولادة». في حين أن كلمة «سرياً» كلمة سريانية هي الأخرى يجب أن تقرأ «شرياً»، وأنها تعني: حلال وشرعي. بذا، فالجملة تقول: «فناداها لحظة ولادتها قد جعل ربك ولادتك حلالاً»، أي شرعية.
وبهذه طمأن الملاك ــ أو لكسنبرغ ـــ مريم القلقة إلى أن مولودها شرعي، وأن ولادتها لا غبار عليها، مع أنه ليس هناك من حاجة للطمأنة أصلاً. فالملاك كان قد أخبر مريم منذ البدء أن حملها كان بقرار إلهي، بالتالي فهو شرعي وحلال بلا شك: «إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً».
وقد بنى الكاتب قراءته انطلاقاً مما يأتي:
- إن كلمة «تحت» الأولى (تحتها) لا تصلح إذا قرأناها على أنها كلمة عربية. إذ كيف يكون الملاك تحت مريم؟ هذا لا يصحّ. مع أنه يصحّ في العربية جداً. فحين تكون أنت في موقع أعلى، ولو قليلاً، ويناديك آخر في موقع أخفض، فهو تحتك وأسفلك. فليس من الضروري أن يكون الشيء تحت فخذك حتى يكون تحتاً.
- إن كلمة تحت الثانية (تحتك) لا تصلح أيضاً مع النهر. فكيف يكون النهر تحت مريم؟ وهو سؤال فيه قدر من «الهبل» حقاً. فحين تكون مريم جالسة أو واقفة تحت النخلة، فإن النهر، إن كان هناك نهر، يكون أسفل قدميها، أي تحتها. ذلك أن النهر الذي يجري يكون أخفض من المكان الذي هي فيه تحت النخلة. وقد جاء في القرآن: «جنات تجري من تحتها الأنهار». ومريم تقف في الجنة، أي الحديقة أو البستان، والنهر يجري من تحتها. بالتالي، فالنقطتان تتعلقان بالظرف (تحت) الذي لم يفهم الكاتب استخداماته في العربية.
تظل النقطة المتعلقة بكلمة «سرياً» التي افترض أنها مصحفة عن «شريا» السريانية. ومن المؤكد في الحقيقة أن هذه الكلمة تشير إلى الماء، أياً كان تنقيطها، ولا تشير إلى الحبل والولادة. ذلك أن الآية قبل الأخيرة في المقتبس أعلاه تقول «فكلي واشربي وقري عيناً». فإذا افترضنا أن كلمة «سرياً» بلا علاقة بالماء، فإن ذكر الشرب (واشربي) في هذه الآية يكون بلا مبرر ولا معنى. أما ذكر الرطب، فمبرر لأنه جرى ذكر النخلة من قبل: «وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً». بالتالي، لا بد أن يكون الماء قد ذكر في آية سابقة حتى يكون ذكره في الآية الأخيرة مبرراً. وهذا يعني أن كلمة «سرياً» لا بد أن تكون على علاقة بالماء. ولا يوجد مكان آخر يمكن أن يشير إلى الماء إلا هذا المكان، أي إلا في كلمة «سرياً».
بالتالي، فقد كان خوف مريم الباقي، بعدما طمأنها الملاك أن الله سيهبها غلاماً زكياً، يتعلق بالشراب والطعام، ليس إلا. أي تعلق بمعيشتها ومعيشة طفلها. وقد طمأنها الملاك إلى توافرهما: «فناداها من تحتها ألّا تحزني قد جعل ربك تحتك سَرِيّاً. وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكلي واشربي وقري عيناً». وهكذا، فهناك الماء في كلمة «سرياً»، وهناك النخلة ورطبها.
وانطلاقاً من هذا السياق، فقد افترض جزء كبير من المفسرين المسلمين، مثلما نفترض نحن، أن «سرياً» هنا على علاقة بالماء فعلاً: «السَّرِيُّ: النَّهْر؛ عن ثعلب، وقيل: الجَدْول، وقيل: النَّهْر الصغير كالجَدْول يجري إلى النَّخْل، والجمع أَسْرِيَة وسُرْيانٌ؛ حكاها سيبويه» (لسان العرب). غير أن آخرين لم يقتنعوا بذلك، فرأوا أن السري هنا ينبغي أن تعني الرجل الكريم الشريف. ومعهم الحق في شكهم. فالمعنى الأساسي للجذر (سرى) يعني الخفاء والكتم. بالتالي، لو كانت الآية تتحدث عن سري (نهر) لوجب أن يكون حديثها عن ماء خفيّ يجري تحت الأرض. وهذا يصلح لقناة ماء خفية مغطاة، ولا يصلح لنهر بارز واضح. لكن افتراضهم ينسى أن الآية الأخيرة تتحدث عن الأكل والشرب معاً، كما أشرنا أعلاه: «فكلي واشربي وقرّي عيناً»، وهو ما يعني أن أي اقتراح جدي بشأن الكلمة يجب أن يكون على علاقة بالماء.
جاء كريستوف لكسنبرغ، صاحب القراءة السريانية - الآرامية، ليقدم لنا قراءة «خطيرة» للآية


انطلاقاً من هذا، أقترح أن الكلمة في الأصل بالشين وليس بالسين، أي «شَرَباً» وليس «سرِيّاً». والشَرَب، جمع شَرِبة، وهي الأحواض التي تجعل تحت النخلة لسقايتها: «الشَّرَبة: كالحَوْض في أَصل النَّخْلة منه تَشْرب» (لسان العرب). وشربة تجمع على شربات أيضاً: «الشَّرَبات: حُفَر تُحفر حول النخل يُصَبّ فيها الماء لتشرب» (ابن دريد، جمهرة اللغة) يزيد الزبيدي: «الشُّرَبَة: كُرْدُ الدَّبْرَة، وهي المِسْقَاةُ. والجَمْعُ مِنْ ذلِك كُلِّه شَرَبَاتٌ وشَرَبٌ» (الزبيدي، تاج العروس). ويضيف اللسان شارحاً من جديد: «والشَّرَبةُ، بالتحريك: كالحُوَيْضِ يُحْفَرُ حولَ النخلةِ والشجرة، ويُمْلأُ ماء، فيكون رَيَّها، فتَتَرَوَّى منه، والجمع شَرَبٌ وشَرَباتٌ؛ قال زهير: يَخْرُجْنَ مِن شَرَباتٍ، ماؤها طَحِلٌ/ على الجُذوعِ، يَخَفْنَ الغَمَّ والـغَـرَقـا» (لسان العرب). ويكمل ابن الأثير: «في حديث عمر: اذْهَب إلى شَرَبة من الشَرَبات فادْلُك رأسَك حتى تُنَقِّيه. الشَّرَبة بفتح الراء: حَوْضٌ يكون في أصْل النّخْلة وحولها يُملأ ماءً لتشَرَب». (ابن الأثير المحدث، النهاية في غريب الحديث والأثر).
وكل هذا ما يتوافق مع الآية القرآنية تماماً. فهناك نخيل تجلس مريم تحت واحدة منه، تستطيع أن تأكل منه، وهناك أحواض عديدة لريّ هذا النخيل، يمكن مريمَ أن تشرب من أي واحد منها. ولا بد أن ماء «الشرب، الشربات» هذا يأتي من جدول أو نبع قريب.
لكن، قد قد يطرح أحد هذا السؤال: لكن ألا ترى أن اقتراحك هذا سلسلة القوافي في: سويّاً، تقيّاً، زكيّاً، بغيّاً، مقضيًّا، قصيّاً، منسيّاً. وهذا سؤال مشروع بالتأكيد. لكن كلمة «عيناً» في الآية الأخيرة تخترق هذه القافية وتجافيها أيضاً. بالتالي، فاختراق القافية وحده لا يكفي كدليل على خطأ الافتراض. فوق ذلك، فأنا أعتقد أن التصحيف لم يكن ليمرّ أصلاً لولا فكرة القافية. فقد افترض المصحّفون أن الكلمة يجب أن يكون سريّا حتى تتوافق القافية. وهذا الفرض هو الذي سهّل العبور من «شرباً» إلى «سرياً».
بذا، فكل هذا الضجة حول الموضوع لا داعي لها. فالتصحيف الوحيد في الآية يتعلق بكلمة واحدة، ألا وهو تحول «شَرَباً» إلى «سريّاً». ولا شيء غير ذلك. أي إن القضية تتعلق بمشكلة صغيرة في التنقيط الذي لم يكن موجوداً أيام كتبت النسخ الأولى من القرآن.
* شاعر فلسطيني