التكثيف في كتاب المصريّة رنا التونسي «فهرس الخوف» (دار العين للنشر ـ القاهرة 2018) هي سمة أغلب النصوص المتسلسلة وفقَ أرقامٍ بلا عناوينَ تودي إلى المعنى أو تدلّ عليه، حيثُ الكلامُ يوصِل إلى كلامٍ آخر ومن ثمّ إلى المعنى عبر نصوصٍ تتفاوت في الطول وفي التأويل، واهبةً انطباعَ أنّ المرء ينظرُ إلى صورةٍ فوتوغرافيَّة مُلتَقَطة لحالةٍ عفويَّة لكن باستخدام الكلمات والتسلسل في إيصال المعنى نسبيَّاً!


كمعظم مجموعاتها الشعريَّة الماضية (تسع مجموعات في رصيد الشاعرة حتّى الآن)، تتوقّف رنا ببساطةِ أمٍّ وشراستها أيضاً عند ذلك الحدّ الفاصل ما بينَ الغموض والوضوح. هذا التأرجحُ في المعنى يهِبُ النصوص رونقَ الوضوح، وعلى الطرف النقيض غرابة الغامض في الآنِ ذاته: «لكنه ليس الغموض المنغلق على نفسه، إنما الغموض الذي يمنح العديد من المعاني. إنه غموض خاص، لا يكتمل فحسب مع كل قصيدة على حدة، إنما يتحقق كذلك مع اكتمال كلّ القصائد، إذ القصائد القصيرة في مجملها قصيدة وحيدة طويلة في عمقها» هكذا دوَّن الروائي والمترجم المصري أحمد عبد اللطيف على ظهر غلاف المجموعة الجديدة. الغموض الذي يسري، يؤكّد دونما تهاونٍ أو كسل على أنّ هناك في الماضي أشياءً كثيرة حدثت يمكن الكتابةُ عنها ومن ثمّ نسيانها لمجرّد الإفراغ من التدوين: «أركبُ الحافلة/ ألوِّحُ للنسيان/ أن ينتظرني». ثمّة تكثيفٌ لغوي قادر على لفت الانتباه إلى أهميَّة تجربة رنا الشعريَّة، فالمفردات لا تعني فقط أن تكون في محاذاة بعضها الآخر، لتشكِّل أساس النصّ. ثمّة الشيء الأهمّ: الفحوى! أو المعالجة اللغويَّة ـــ إن جاز التعبير هنا ـــ التي تميّز شاعراً عن آخر. وهذا ما تراهنُ عليه مجموعة «فهرس الخوف». هذا الترتيبُ داخل الكتاب (تصاعدياً كان أم تنازليَّاً) يشي بتسلسلٍ أشبه بسيرةٍ تذكريَّة للماضي الذي يبدو أنّه يحتلّ مكانه الأسمى في الرّاهن وربّما في المستقبل أيضاً: «وُلدتُ في منتصف العام/ في وقت لا يهمّ أحداً/ ولم تقع فيه أحداث كثيرة./ لكنني رأيت نفسي الآن/ في صورة خائفة أحضَرَها ابني/ وهو يسألني:/ أين كنتِ؟/ماذا كنتِ تفعلين؟/ أخبرتُه:/ كنت في طريقي إلى والدك/ لنلقاك».
تطغى سمة الخوف كذلك على مجمل النصوص، مما يعطي انطباع حالة الهلع التي تعيشها الشاعرة آنَ تدوينها النصوص. هذا التشبّث بالخوف هو جزءٌ من النجاة، الهرب من الخوف عبر التشبّث به كتابيَّاً، تدوينه ومن ثم الهرب منه ونسيانه هكذا دواليك: «لم أحب شخصاً أبداً أكثر من الخوف/ لذلك تركتهُ وحده يمشي معه». ضربٌ من ضروب اللغةِ في ترويض الخوف كي لا يؤذي في القادم من الأيَّام واللحظات.
الذكريات والموت والقلق اليومي في تكثيفٍ لغويّ


لا يمكن في كلّ الأحوالِ ـــ شعراً ــــ تضمينَ الأخير مضامينَ ضخمة! فقط يمكن للشعر أن يحملَ في داخله وفي ذاته الشيءَ اليوميّ، القلق المستمرّ إزاء الخوف (السمة الأعلى ضمن نصوص المجموعة بأكملها)، الخوف المستمرّ من الخوف ذاته أن يغدو العنصر اليوميّ الفعّال وينغّص كل الآمال والرغبات في أشياء هادئة، ثمّة ما يمكن للشاعرة أن تتشبّث به – عبر اللغة وانطلاقاً منها- لتتخلّص من تلك الأعباء، أن تهادنَ الألمَ والذكريات القاسية لغةً: «كل ذلك الألم الذي يخصُّني/ أريد أن أزرعه حديقة».
في 52 رقماً ــ وباقتضابٍ لغويّ آسرٍ وملفت للانتباه ــــ تسردُ النصوصُ الخوفَ والذكريات والموت والقلق اليوميّ بتكثيفٍ لغويٍّ جليّ تطغى عليه ميسمُ تعدّد التأويل، بالإضافة إلى سماتِ الخوف التي تبان من المفردات المُنتقاة: «أخدع- السراب- الصراخ- معرض رسومات الألم إلخ» من المفردات التي تحاولُ قدر الإمكان مهادَنة الخوف أو التحايل عليه أو استجدائه في أن ينسى البشرَ وأن يفكّر في منحىً آخرَ، حيثُ لا مفرّ من إعادة ترتيب المعنى إثر كل قراءةٍ جديدة للنصوص، فيختلفُ المعنى ربمّا لطغيان الخوف ومفردات الخوف على مجمل النصوص: «يأتي الناس من الموت أحياناً/ ليطمئنوا/ أننا لم نغادرهم».