يستدعي ثامر عباس منظومة من المفاهيم التي تتعلّق بالعنف بوصفه ظاهرة تاريخية مغرقة في القدم، ما انفكت تجد مبرراتها في المجتمع العربي تحت مسميات وذرائع ووقائع كفيلة بإشعال الموقد حقبةً إثر أخرى، ما أدى إلى تمزّق الخرائط، وإيقاظ الفتنة وأسباب الأذى، في قراءة سوسيولوجية تعمل على تفكيك مفردة العنف وملحقاتها مثل العدوان، والإكراه، والقسوة، والتعذيب، والقمع، والتطهير والاجتثاث، والتعصّب، والإرهاب. في كتابه «الأنا وجحيم الآخر: ديناميّات العنف في المجتمعات المتشظية» (دار نينوى ــــ دمشق)، ينبش الباحث العراقي مكوّنات العنف بيولوجياً، وأصول الدوافع العنفية في الطبيعة البشرية، ونظرية العنف والمقدّس، وأفعال الغريزة، وفقاً لاستنتاجات داروين، ورينيه جيرار، وفرويد، وماركس، وصولاً إلى صموئيل هنتنغتون.

تتكشّف شجرة العنف عن أغصانٍ كثيرة ومتشابكة، كالعنف الجسدي، والعنف السلطوي/ السياسي، والعنف العِرقي/ القومي، والعنف الطائفي/ الديني، والعنف العشائري/ القبلي، والعنف اللغوي/ الرمزي، والعنف الجندري/ الجنسي، بالإضافة إلى أنماط أخرى من العنف مثل العنف المكاني/ الجغرافي، ذلك الذي يتجلّى فيه الصراع في مجال العمارة ما بين الوعي الجمالي للمكان وزحف الطراز العالمي للبناية المعلّبة المعولمة. وهناك العنف الغنائي/ الإعلامي، ويتمثّل في احتضار الذائقة والعمل على الغريزة وحسب. لكن ما هي طبيعة المجتمعات العربية؟ وما الذي أوصلها إلى هذا الدرك من العنف؟ وهل يكفي الاحتماء بمصطلح «الدولة الفسيفسائية» لمواجهة أحوال التفكك وتنابذ الهويات؟
يرى صاحب «الجغرافيا الشقاقية» بأن المجتمعات العنفية باتت مهيأة الآن، أكثر من أي وقت مضى، للانقسامات الجغرافية، والنزاعات السياسية، والاحتقانات النفسية، والانشطارات الثقافية، بتأثير ديناميات ذاتية أولاً، واكتساح العولمة، ما وضع الجماعات القومية المقصيّة، والأقليات الدينية المهمّشة أمام خيارات صعبة: إما الذوبان الثقافي بالانصياع لسياسات الدولة التوتاليتارية، أو الجنوح نحو التعصّب والتطرّف للهويات التحتية الطوائفية، وتالياً المطالبة بالانفصال الجغرافي تحت بند المظلومية التاريخية على نحوٍ خاص. على أن حالات الترقيع، وخطابات التحديث التي واكبت مرحلة ما بعد الاستقلال، انكفأت خلفاً بسبب تآكلها وترهّل شرعية الدولة. وبدلاً من تفكيك الألغام الاجتماعية، فإن السلطات تعمل على تشديد قبضتها العسكرية والأمنية و«استنفار نزعتها إلى العنف» لردع التطلعات المخالفة، وتدوير الأصول الرثة بتصدير بنى هجينة هي مزيج من القيم القبلية والقشور الحداثية ذات الطابع الانتقالي والعابر لمختلف أنماط الإنتاج، ما يتمخض لاحقاً عن «تجاذبات قبلية وإيديولوجيات متعارضة وسيكولوجيات متباغضة». وإذا بالعنف الدموي هو الذي يحسم النتائج ويقرّر المصائر. وسوف تلعب الطبيعة الهلامية للحدود الجغرافية الاستعمارية في إيقاظ الهويات النائمة على هيئة «حساسيات قومية/ إثنية مزمنة، وكراهيات دينية/ طائفية متوطنة، ومشاحنات قبلية/ عشائرية مستعصية»، نظراً لفهمها المغلوط للمجال الحيوي الذي لا يعدو كونه مناطق نفوذ، وصراعاً على الموارد، و«فقدان المناعة الوطنية» بدليل اختلاف «الأخوة- الأعداء» في القضايا الفكرية والأيديولوجية بشراسة ودموية تتفوّق على عداء الآخر. أمر يستتبع بقاء جذوة الخلافات الأقوامية والانقسامات الطوائفية، والحساسيات القبلية مشتعلة تحت رماد «التوافق القلق، والتعايش الهشّ». هذا الانشطار في السرديات التأسيسية ـــ يوضح ثامر عبّاس ــــ أفرز مفهوماً مختلفاً للبطولة والرجولة، خلافاً للمجتمعات المدينية، متمثلاً بالقوة الجسدية والفحولة الجنسية، وذلك بتخنيث الآخر سياسياً، وتأنيثه واحتقاره اجتماعياً، وتالياً استبعاد الكفاءة العقلية والمواطنة الحضارية. ورغم بعض النجاحات المحدودة للحكومات الوطنية في المجتمعات المتخلّعة على صعيد التحولات السياسية والعمرانية والثقافية، إلا أنها «أخفقت تماماً على جبهات البناء الروحي والعقلي للإنسان»، لتتكشّف الحداثة المزعومة عن «قشرة خارجية تعجز تماماً عن إخفاء البنية التقليدية» وفقاً لما يقوله الراحل نصر حامد أبو زيد. وهكذا، فقد لبثت قيم وأعراف وتمثلات البنى الأولية للجماعات البدائية تتحكّم بالتعاملات اليومية وتنميط الذهنيات ونمذجة السلوكيات. وبناء على ذلك، فإن قيمة الفرد في مثل هذه المجتمعات المتصدّعة، لا تقاس بماهية إبداعاته وطبيعة إنجازاته في ميدان العلم والمعرفة، أو بمدى استقامته ونزاهته، وإنما «بقدر ما في حوزته من عناصر القوة في فرض إرادته مهما كانت تعسفيّة، أو ما يتمتع به من نفوذ حتى وإن كان غاشماً، فضلاً عن حجم ما يحيط به نفسه من أتباع جهلة وأشياع منافقين».

روّجت الميديا مفردتي العنف والجنس لتعطيل مراكز الوعي

من ضفة أخرى، يرصد صاحب «تقديس الزعامة» طبقات العنف التكفيري، وانتعاش أنواع الأصوليات الدينية، واستفحال مختلف أشكال الراديكاليات المذهبية في كافة الأديان التوحيدية بوصفها ذات مرجعية شرعية، وصولاً إلى الخيارات المتطرّفة للدولة الفاشلة، في التأرجح ما بين العنف الداخلي والحروب الخارجية للإفلات من المصائر السيئة التي تنتظرها عند أول منعطف، فتستنجد بمكونات ما قبل الدولة عبر شرعنة وجودها، لكن مصير الدولة الفاشلة سيضعها- في نهاية المطاف- بين فكّي كمّاشة ظاهرة العولمة التي تعمل على التآكل المستمر لسيادتها، والتقليص المتواصل لسلطاتها من جهة، و«النزوع المستثار للأقليات الإثنية، والهويات التحتية، والثقافات الفرعية»، من جهةٍ ثانية.
وستلعب الميديا الجديدة دوراً في تأجيج العنف إلى أقصاه عبر «آليات تعطيل العقل وتفعيل الغرائز»، فسؤال الإعلام، كما يقول جان بودريار، هو سؤال الإيديولوجيا، ودور الإعلام هو دور منتج الايديولوجيا في عصر الثورة المعلوماتية والرقمية، وتسويق وترويج بضاعة «الصورة المفبركة» التي تجد صداها في مواريث الخيال. إذ يختلط التاريخ بالأسطورة، والحقائق بالأوهام، بدلاً من «الكلمة» المنطوقة. هكذا لجأت الميديا إلى ترويج مفردتي العنف والجنس باعتبارهما أبرز النوابض الدينامية لتعطيل مراكز الوعي وتعليبها، وتصدير القيم الشبقية والنوازع العدوانية التي تجد استجابة عالية في المجتمعات المتصدّعة.