أثارت الآية 13 من سورة الرعد: «أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً» الجدال منذ البدء. وقد تركز الجدال حول كلمة «ييأس». ففي السياق الذي هي فيه، بدا للجميع تقريباً أنها تعني: «يعلم، يعرف». لكن السؤال كان دوماً: كيف أمكن لجذر (يئس) أن يعطي هذا المعنى؟ ولم يكن هناك من جواب مقنع عن هذا السؤال. جرى التذرع ببعض اللهجات الخاصة لتبرير هذا الاستعمال: «قال الكلبي: ييأس بمعنى يعلم، لغة [قبيلة] النخع... وقيل: هو لغة هوازن» (القرطبي، تفسير القرطبي). كما جرت الإشارة إلى بعض الشواهد الشعرية لتأكيد أن «ييأس» تأتي بمعنى يعلم، مثل بيت سحيم بن وثيل اليربوعي:

أقول لأهل الشعب إذ يأسرونني
ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
وبيت رباح بن عدي:
ألم ييأس القوّام أني أنا ابنه
وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً؟!
كما أن هناك من حاول أن يجد حلاً للأمر عن طريق الإقرار بالمعنى الأساسي للجذر (يئس)، أي بمعنى فقدان الأمل: «وقيل معناه: أَفلم يَيْأَس الذين آمنوا من إِيمان هؤُلاء الذين وصفهم اللّه بأَنهم لا يؤمنون؟» (القرطبي، تفسير القرطبي).
وهناك بالفعل قراءة منسوبة للإمام علي بن أبي طالب وابن عباس افترضت أن الكلمة في الأصل هي «يتبين» وأنها صحّفت إلى «ييئس»: «وقرأ علي وابن عباس: أفلم يتبيّن الذين آمنوا، من البيان» (القرطبي، تفسير القرطبي). وحين «قيل لابن عباس: [لكن] المكتوب أفلم ييئس. قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس» (القرطبي، تفسير القرطبي).
ورغم أن شخصية مؤسسة في الإسلام كانت ترى أنّ في الآية تصحيفاً، فإنه لم يجر تغيير الكلمة في النسخ القرآنية لأن نص القرآن كان قد ثبت كما هو ولم يعد ممكناً تعديله. وقد صاغ الإمام علي هذا في قاعدة محددة تقول: القرآن لا يُهاج، ولا يُحول. أي أنه لا يجري تغييره حتى لو كان هناك تصحيف أو خطأ في الكتابة. وقد أرسى قاعدته هذه في سياق الحديث عن تصحيف آخر مفترض في سورة الواقعة: «في سدر مخضود. وطلح منضود. وظل ممدود. وماء مسكوب» (الواقعة: 28-31). فقد «قرئ بين يديه: وطلح منضود، فقال: ما شأن الطلح؟ إنما هو: وطلع منضود. ثم قال: لها طلع نضيد [سورة ق: 10]. فقيل له: أفلا نحولها؟ [أي نغيرها]، فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن ولا يحول. [بذا] فقد اختار هذه القراءة ولم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسْمه مجمع عليه؛ قاله القشيري» (القرطبي، تفسير القرطبي). وهكذا انتهى الأمر.
بيد أننا راغبون في فتح ملف «ييأس» التي كانت تكتب «ييئس» في الخط القديم، من جديد. والهدف هو الوصول إلى قراءة أسلم لهذه الآية. فتدقيق القرآن إنما هو تحقيق للقول القرآني: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». فالقرآن يحفظ عن طريق تدقيق قراءته عبر الأجيال. التدقيق هو الحفظ. وسوف يكون مدخلنا إلى ذلك نقوش الجزيرة العربية قبل الإسلام، وعلى الأخص النقوش الصفوية (أو الصفائية بشكل أدق). وهي نقوش على الصخور يقع أغلبها بين شمال السعودية وشمال الأردن، إضافة إلى بعض المناطق في سوريا. وكان هناك اختلاف حول طبيعة لغة هذه النقوش. لكن الاتجاه الحاسم الآن أنها لغة عربية قديمة. ولدينا الآن أكثر من 40000 من نقوش الصفائية العربية هذه. وهي مكتوبة بأبجدية عربية مختلفة عن أبجديتنا الحالية، لكنها أبجدية ماتت قبيل الميلاد أو بعيده. فهناك ما يشير إلى أن «يئس» في النقوش الصافئة ربما عنت: وصل، جاء.
وكمثل على ذلك، لدينا النقش رقم: AbSWS 43 الذي يقول: « لـ عذرإل بن نصر و وجد سفر أبه فـ يئس من عمرت»
(The Online Corpus of the Inscriptions of Ancient North Arabia. Safaitic Corpus)
وهكذا فقد وجد عذرإل بن نصر كتابة أبيه على الصخر، فـ«يئس من عمرة». وقد فهمت كلمة «يئس» في الجملة على أنها من اليأس أي فقدان الأمل. لكن هذا الفهم لا يعطي معنى متماسكاً: فلا مناسبة بين عثور الرجل على سفر أبيه وبين يأسه من شخص يفترض أنه يدعى عمرة. لذا فاقتراحي أن كلمة «يئس» هنا تعني: وصل، أتي، رجع. فحين قرأ الرجل كلام أبيه منقوشاً على الصخرة، فهم أن عليه أن يعود من منطقة عمرة التي كان فيها.
وخذ كذلك النقش رقم: BS 139 الذي يقول: «لـ عقرب بن نهب ووجد سفر ألسب فـ قصف و يئس من نـ[.]مر» (المصدر السابق).
الحرف الثاني من الكلمة الأخيرة مطموس. ومن الصعب أن يكون الحديث هنا عن اليأس وفقدان الأمل. فعقرب وجد سفر شخص يدعى «ألسب» فقصف وجاء، أو وصل، من المكان الذي لا نستطيع قراءة اسمه كاملاً لأن حرفه الثاني ضاع. ويبدو أن الرسالة على الصخر كان فيها إشارة تنبئه بأن عليه العودة. كما يبدو أن «قصف» هنا تعني تابع أو اندفع مسرعاً: «الانْقِصافُ الانْدِفاع. يقال: انْقَصَفوا عنه إذا تركوه ومرُّوا... وانْقَصفُوا عليه: تتابَعُوا» (لسان العرب). بالتالي، فقد وجد عقرب نقش ألسب الذي كتبه له، فاندفع قادماً من نـ[.]مر.
ثم خذ النقش رقم: BTH 38 الذي يقول: «لـ يثع بن عنإل و يئس هـسمي» (المصدر السابق)
وقد فهم النقش هكذا: ليثع بن عنإل وأصابه اليأس من المطر. إذ قرئت الهاء في الكلمة الأخيرة على أنها هاء التعريف: «ها سمي»، أي «السمي». والسمي في العربية اسم للمطر والسماء وسقف البيت. لكن يبدو لي أن هذه المعاني لا تصلح هنا. ومن الأفضل أن نقرأ «هسمي» على أنها كلمة واحدة، وأنها اسم مكان. بالتالي، فالنقش يقول إن يثع بن عنإل وصل هسمي. وجذر «هسم» في العربية سقط من الاستعمال تقريباً. فلم يبق منه إلا الفعل هسم بمعنى كسر. أي أنه شبيه هشم، إضافة إلى كلمة أخرى هي: الهُسُم: أي الذين يتابعون الكي مرة بعد أخرى.
بناء على كل هذا، فإن الآية القرآنية: «أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً» يجب أن تفهم على أنها تقول: أفلم يصل الذين آمنوا، أي ألم يأتهم في القرآن أو الحديث، أن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً. وهذا يشبه ما ورد في القرآن: «أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى» (سورة طه: 134).
بناء عليه، فمن المحتمل أننا قد نكون مع جذرين متشابهين لا مع جذر واحد فقط: واحد منهما مكسور الهمزة: يئِس، وواحد مفتوح الهمزة: يأَس: «قال سيبويه: وهذا عند أَصحابنا إِنما يجيء على لغتين يعني يَئِسَ يَيْأَس ويأَس يَيْئِس لغتان ثم يركب منهما لغة» (لسان العرب) بالتالي، فييئِس المكسورة ربما تكون هي التي تعني: وصل، أتى، جاء. أما المفتوحة فتعني فقدان الأمل.
انطلاقاً من هذا، يمكن قراءة الأبيات الشعرية التي وردت فيها كلمة يئس في بيت اليربوعي:
أقول لأهل الشعب إذ يأسرونني
ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم؟!
يعني: ألم يصلكم أنني ابن فارس زهدم؟
أما بيت رباح بن عدي:
ألم ييأس القوام أني أنا ابنه
وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً؟!
ألم يصل القوّام أني أنا ابنه مع أنني بعيد عن ديار القبيلة؟
أما بيت معلقة لبيد بن ربيعة الذي لم نورده أعلاه:
حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا
غُضْفا دواجن قافلا أعصامها
فقد فهم على أنه يعني: وحين يئس الرماة من إصابة البقرة الوحشية بسهامهم أرسلوا وراءها كلاباً متهدلة الأذن تطاردها. وظني أن هذا التفسير غير صحيح.، وأن يئس هنا بمعنى وصل. بذا فالبيت يقول: حتى إذا وصل الرماة وأطلقوا الكلاب وراءها، إلخ. لقد وصلوا ومعهم كلابهم التي أطلقوها خلفها.
ويبدو أن الأصل في الكلمة أن تعني الوصول الفعلي لا المجازي كما رأينا في النصوص الصفائية.
لكن حين تستخدم بمعناها المعنوي، فإنها تصبح قريبة في المعنى من «يعلم». فحين نقول: ألم يصلك الخبر؟ فإنه يعني: ألم تعلم به؟ وهذا هو جعل الغالبية تفهم أن الآية تعني: ألم يعلم الذين آمنوا؟ لكن «ييئس» في الأصل لا تعني «يتبين، يعلم» في اعتقادي. الأصل فيها أنها تعني: وصل، أتى، جاء.
* شاعر فلسطيني