لماذا عرض كتاب «شهيدات خفيات ــــ داخل عالم المسلمات المتطرفات» لفرحانة قازي! لأسباب عديدة؛ أهمها أننا لم نعثر على أي مؤلف بالعربية يتناول موضوع التطرف الديني لدى نساء مسلمات والتحاقهن بالتنظيمات والحركات الإرهابية وارتكاب عمليات قتل فظيعة. الموضوع يهُمنا لأن بلادنا تشهد هذا الأمر الفظيع والمريع، ولأن عدداً كبيراً من النساء كن عربيات، لكن من دون تجاهل العدد غير القليل من «الأجنبيات» ممن يطلق عليهن مصطلح المجاهدات أو الجهاديات، مع اعتراضنا المبدئي عليه.

كما وجب الانتباه إلى حقيقة أن ما يزيد على ثلث العمليات الانتحارية في العراق تمت على يد مسلمات متطرفات يمارسن الإسلام وفق مفاهيمهن ومفاهيم من جندههن ومفاهيم الشيوخ الذين أرسلوهن إلى القتل الوحشي الذي ينال الأبرياء، وإلى الانتحار. كما اخترنا هذا المؤلف لأنّ صاحبته أميركية مسلمة ممارسة من أصل باكستاني، وعملت محللة في المركز الوطني لمحاربة الإرهاب في الولايات المتحدة. ينقل المؤلف مجمل ملاحظاتها واستنتاجاتها المرتبطة بعملها، إضافة إلى اللقاءات الكثيرة التي أجرتها مع انتحاريات مرشحات ومقاتلات وعوائلهن، وكذلك الاطلاع على المقالات التي كتبت عن الموضوع ولقاء بعض كتابها. لكنها تنقل في الوقت نفسه ملاحظاتها وتجاربها في المركز، ما يجعل هذا المؤلف سيرة ذاتية إلى حد ما. عمل فرحانة في المركز لم يكن سهلاً، بل حمل معه مشاكل وعقداً عديدة، إذ تقول: «أعلم أنه كان عليّ الإقناع ورجحان آرائي وسط بيئة متعصبة وجاهلة بديني الإسلامي». كان عليها الكثير من العمل والجهد كي تقنع زملاءها ومديريها بما هو جميل في الإسلام وأن غالبية المسلمين يؤمنون بالحوار والتظاهر غير العنيف ضد الحروب والأزمات والجرائم التي ترتكب ضد المسلمين.


تعرض الكاتبة العديد من الحالات وتقدم بعض النساء اللواتي شاركن في الحروب أو الأوروبيات اللواتي كن على وشك الانضمام إلى تنظيمات إسلامية إرهابية متطرفة. من الدروس التي تعلمتها في عملها أن المسلمات المتطرفات اخترن الموت انتحاراً كونه الطريق الوحيد للوصول إلى دار الخلود، وفق قناعتهن. كما تعلمت الكاتبة في المركز أنه ليس ثمة من شيء كما يبدو في الظاهر (Nothing is as it seems). عملها في المركز تحول إلى ما يشبه الكابوس: كانت تنظر دوماً خلفها للتأكد بأن لا أحد يقف هناك ولا أحد يهددها، وكانت تختار كلماتها بعناية عندما تتحدث مع عائلتها أو الأقارب، بمن فيهم من حصل على التبعية الأميركية. كما كانت حريصة على ملاحظة أي أمر أو فرد قد يكون مشتبهاً فيه، من منظور «الأعداء في كل مكان»! وهي لا تنسى أن أمها أخبرتها باستعدادها لحمل السلاح من أجل تحرير إقليم كشمير. لقاءات الكاتبة مع القاتلات الإرهابيات ضعضع بعض قناعاتها بخصوص المرأة، وخصوصاً أنها امرأة مسلمة ممارسة وموظفة وفي الوقت نفسه أمّ. في ظنها أن المرأة رمز القوة والحب، فكيف يمكنها أن تتحول إلى قاتلة وإرهابية مجرمة!
تصر الكاتبة على تذكير القارئ بأن صفحات مؤلفات التاريخ تحوي أخباراً كثيرة عن نساء قاتلات: هناك من قتلت زوجها، وأخرى قتلت أبناءها، وثالثة قتلت شقيقاتها وأشقاءها، ورابعة شاركت في جرائم القتل الجماعي، وهؤلاء النسوة جئن من مختلف الأوعية الحضارية وانتمين إلى مختلف الأديان والأعراق. لكن من الضروري تذكير القارئ بحقيقة أن جرائم القتل التي ارتكبتها النساء تقل عن 2% من مجمل الجرائم المرتكبة في العالم. وعدد الإرهابيات الانتحاريات أقل بما لا يقاس من عدد الانتحاريين. الصعوبات التي واجهت الكاتبة في المركز لم تمنعها من مواصلة العمل فيه، كي تبرهن أنّ الإسلام دين سلام ورحمة ورأفة، وأن المتطرفات (والمتطرفين) حطموا تعاليم الإسلام عبر إعادة تدوير التعاليم الإسلامية السلمية لتتحول إلى تعاليم الموت والدمار طريقاً لمجد زائف. أما الاستنتاجات التي وصلت إليها بالعلاقة مع أسباب تحول النساء إلى التطرف وانضمامهن الى التنظيمات الإرهابية فمتعددة، لكن الأسباب الشخصية تأتي في المقام الأول وطلب الشعور بالانتماء والشعور بالحب، ومن أجل منح الحياة معنىً وهدفاً، وكذلك من أجل مساعدة المجتمعات الإسلامية التي تعاني ويلات الحروب. تعرض الكاتبة أربع نقاط ذات صلة بتنامي ظاهرة انضمام النساء إلى الحركات الإرهابية والمتطرفة هي:
أولاً) التنظيمات الإسلامية المتطرفة تمنح الأعضاء نوعاً من مستقبل آمن في بيئة حروب مستمرة.
ثانياً) لدى المسلمة دوافع شخصية محض للانضمام.
ثلث العمليات الانتحارية في العراق تمت على يد نساء


ثالثاً) بعض الفتيات يبحثن عن علاقات دافئة عبر الصداقات.
رابعاً) الجهل بالإسلام واللهاث وراء فتاوى الشيوخ الجهلة الذين يدعوهن إلى الانضمام إلى معسكر الإرهاب. يحوي المؤلف كثيراً من التفاصيل عن الإرهابيات وقصصهن، ما يلقي المزيد من الضوء على هذه المسألة المعقدة، لكننا نتفق مع الكاتبة في أن نقطة الانطلاق في محاربة الفكر المتطرف تبدأ في التربية العائلية.

* Invisible Martyrs: Inside the Secret World of Female Islamic Radicals.. Berrett-Koehler, (216p.) Farhana Qazi