قد يثير عنوان كتاب «إنها قطرات دم، ليس إلا: تحطيم تابو الحيض» لآنا دالكفست (ترجمته من السويدية إلى الإنكليزية آليس أولسن) بعض التعجب لدى البعض. لكن لا شك في أن كثيراً من الفتيات والنساء يرحّبن بطرح الموضوع علانية بهدف تحويله إلى مادة للنقاش العلمي، تشارك فيها مختلف الفئات ذات العلاقة ومنها علماء الاجتماع والأطباء والسياسيون أيضاً، وتقديم المساعدة لمن هن في حاجة إليها. الحيض مادة غير مرحب بحضورها في أحاديثنا الاجتماعية، والنساء يفضلن، بل يعملن على تجنب الحديث فيها لما تسببه من إحراج لهن ولبيئتهن الاجتماعية. لكن مع ذلك، فإنّ الحيض، أو الدورة الشهرية مسألة طبيعية للغاية. هي جزء لا يتجزأ من دائرة الحياة البشرية في جسد المرأة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بكونها تحمل حياة في داخل جسدها، وهنا تكمن المفارقة. جسد المرأة مرحب به، حتى في أشهر الحمل، لكنه مرفوض، بدرجات متفاوتة من العنف وفق البيئة الاجتماعية والحضارية، في حالة الحيض.


كون هذه الدورة الطبيعية في جسد المرأة من «المحرمات» الواجب تجنب الحديث فيها، يتجلى، ضمن أمور أخرى، في الأسماء التي يطلق عليها. المطلوب الصمت التام، لكنه الصمت المدوّي حقاً. على سبيل المثال، يشار إلى الحيض في اللغة الدانماركية، بما يوازيه في العربية «أسبوع الكتشب»، وفي الفرنسية ما يعني في العربية «الشيوعي في بيت الشهوة» les communistes dans la maison luxuriante، وهي تعبيرات أقل ما يقال فيها إنّها غير لائقة. الكاتبة السويدية آنا دالكفست، تقول، بالعلاقة مع موضوع المؤلف: إنّ الخجل والصمت هما القاعدة العامة. وهذا يؤثر في النساء في مرحلة الحيض على مناح عديدة. فالمرأة أو الفتاة تبذل مجهوداً حقيقياً لإخفائه، وتشعر بالقلق من انكشاف الأمر، وتشعر بالخجل إن اكتُشف. هذا يعني بالتالي منعها من طلب المزيد من المعارف العلمية عنه، وكيفية التعامل معه، وكيفية العناية بأنفسنا على نحو أفضل، وتقديم منتجات صحية أفضل وذات تأثير أحسن، وبأسعار زهيدة، ويمنعنا أيضاً من ممارسة أبحاث أكثر في المادة ومعرفة المزيد عنها. وتضيف الكاتبة أنّ الصمت، يجرّدنا من قوتنا. صاحبة هذا المؤلف تؤكد أنه في حين أن الخجل والصمت سمتان متلازمتان للمرأة في حالة الحيض في أنحاء العالم كافة، فإن العواقب تكون أكثر استفحالاً عندما يضاف إليها بعد آخر هو الفقر. التعامل مع الحيض يتطلب توافر منتجات صحية، وإخفاء الدم سيكون أكثر صعوبة في حال عدم توافر المنتجات الخاصة به، وكذلك في حال عدم توافر المياه والصابون والأغراض الأخرى المرتبطة بالعناية الصحية الخاصة به. عدم توافر المنتجات الصحية الخاصة بالحيض في دول العالم الفقيرة ولدى الفقيرات يؤثر في حيوات مئات الملايين ويحرمهن من حقوقهن؛ فتراهن يتجنبن الذهاب إلى المدرسة خمسة أيام كل شهر، ما يعني الحرمان من التعليم المستمر، وعدم تمكنّهن من العمل للفترة نفسها، بل حتى يحرم كثيرات من مغادرة المنزل.
يركز الكتاب على نقطة أساس وهي نتائج اجتماع الحيض والفقر. إضافة إلى ما سبق، فإن عدم المقدرة على العناية الصحية الضرورية في فترة الحيض يعني أيضاً تجريد الفتاة أو المرأة من كرامتها ورفعتها: انتهاك حقها في الحرية والكرامة، وحقها في المساواة وحقها في التعلم والصحة والعمل.
الكاتبة توجهت إلى بلدان عديدة في ما يسمى العالم الثالث، ومنها أوغندا وكينيا وبنغلاديش والهند. الفتيات والنسوة اللواتي وافقن على الحديث إليها، أخفين أسماءهن الكاملة، خوفاً أو خجلاً، أو كلاهما. يحوي العمل مقابلات مع العديد من الفتيات والنسوة حيث ترك لهن التحدث عن تجاربهن. الفتاة الأوغندية سودا تقول إنها تحاول شهراً بعد شهر، إخفاء الدم، مع أن الحالة تتطلب انتباهاً ورعاية كاملتين، وتضيف: «إنه أمر حميمي، خاص للغاية، ولذا يجب ألا يُلاحظ، عدا عن تجنب الحديث فيه». هذا ما تعلمته عن الحيض؛ عليها الحفاظ على سرية الحالة وكذلك الامتناع عن الاختلاط بالأولاد في تلك الفترة. سَودا، البالغة أربعة عشر عاماً، تعيش في منطقة اسمها بويس، تقع عند أحد أطراف حزام البؤس المحيط بالعاصمة كمبالا. عندما جلست مع الكاتبة للتحدث في الموضوع، عملت على التأكد أن لا أحد من العائلة يسترق السمع. لا تريد أن يعرف أحد أنّها تتحدث عن الحيض، فهو تابو، أي يقع ضمن «المحرّم». تلك المنطقة شهيرة بأمرين، تجارة المخدرات وتجارة الجنس. أما معظم سكان المنطقة، فيعيشون على دخل لا يتجاوز الدولار الواحد في اليوم. تتحدث سودا عن كيفية تعاملها الجسدي مع الحالة، لكنها تتمنى أن توفّر لها عائلتها إمكانية ابتياع الفوطة الخاصة بحالة الحيض. لكن العائلة ترفض لأنّ ثمن ثماني فوط صحية يساوي دولارين. وتسترسل سودا في شرح كيفية عنايتها بنفسها في حال الحيض، وفي بيئة لا تتوافر فيها إمكانية الخصوصية نهاراً، والأمن ليلاً.
شاركت كيران غاندي في ماراتون لندن ورفضت إخفاء الدم السائل منها

كما تلتفت الكاتبة إلى الأحوال في مناطق أخرى من العالم. 900 مليون روح بشرية تعيش في حالة فقر مدقع ولا تتوافر لها إمكانية الرعاية الصحية على نحو عام، فكيف إذن بحالات الحيض! تثير الكاتبة أيضاً حالة الرياضية الهندية كيران غاندي التي أصرت على المشاركة في ماراتون لندن وهي في حالة الحيض ورفضت إخفاء الدم السائل بين فخذيها (انظر مدونتها الخاصة ‹https://kirangandhi.com). العواقب الاقتصادية للتعامل الخاطئ مع هذه الحالة الطبيعية للغاية، من المواد الأخرى التي تعاملت الكاتبة معها. عدم تمكن الفتيات والنساء من الدوام المستمر في المدرسة والعمل يؤثر سلباً في التطور الاقتصادي. نضال النساء ومختلف المنظمات الوطنية والقومية وغير الحكومية من أجل التعامل العلمي مع الحيض وتوابعه المختلفة، الشخصية والعامة، قاد إلى يقظة دولية، وإن متأخرة. إذ تم إعلان يوم 28 من شهر أيار (مايو) من كل عام كـ «اليوم العالمي للعناية بالصحة في فترة الحيض» international menstrual hygiene day. لا تكتفي الكاتبة بلقاء الفتيات والنساء فقط، بل إنها تحدثت مع أهل الاختصاص من أطباء وعلماء وموظفين في المنظمات الدولية والصحافيات. مؤلف شامل، قليلاً ما تدخلت الكاتبة في أحاديث الفتيات والنساء حيث تركت الكلام لهن للحديث بحرية وبتعبيراتهن ومصطلحاتهن. هذا المؤلف يعلمنا أن الطريق الصحيح لمعالجة الأضرار الناجمة عن التعامل الواضح مع المادة يكمن في الحديث فيها، وتحويل الموضوع إلى قضية اجتماعية علمية.

* It›s Only Blood, shattering the taboo of menstruation. zed books (2018). 256 pp. anna dahlqvist, translated by alice e. olsson