لا ينتهي الكلام مع محمد علي شمس الدين (1942) في الشعر والتصوف والحب والجنوب والمقاومة، في استحضار لمقولة همنغواي الشهيرة أنّ الكاتب (والشاعر بالضرورة) هو تلك البئر التي أنّى ألقيت بدلوك فيها، ستعثر على الماء. «كرسي على الزبد» (دار الآداب) هو عنوان مجموعته الجديدة التي تأخد الرقم 23 في التحف الثمينة لمن يعتبر اليوم من أهم الشعراء اللبنانيين والعرب، ممن ترجمت أعمالهم إلى الإسبانية والإنكليزية والفارسية وتوجت بأكثر من جائزة مثل «جائزة سلطان العويس» (٢٠١٢). «إنّها قصائد الاحتفال بالحياة والانتباه للتحوّل من خلال المرائي العميقة للحظات الهاربة. الديوان عنوانه منه، وهو مشهدُ الرجل الجالس على كرسي مركوزة على رملِ الشاطئ، يدير ظهرهُ للعالم، ووجهه للبحر، يراقبُ عصفورة طائرة كأنّها اعتذارٌ طويلٌ نقدّمه للحياة». يقول لنا شمس الدين في حوار أردناه استكمالاً لآخر كنا قد أجريناه معه السنة الماضية، نطيل معه وفيه التأمل حول الشعر والدين ويقين الشعراء الصعب: يجلسنا محمد علي شمس الدين على «كرسي على الزبد» ويأخذنا إلى «ممالك عالية»


في قصيدة «سقط الإناء على المساء» التي تهديها لجوزف حرب، تقول: «يجتمعون من فجر الخليقة للمساء ليسألوا/ عن سر من حملته أرحام السنين/ وبشرت بمجيئه النايات والغابات». هل تشبه ولادة الشعراء ولادات الأنبياء من حيث ظهور العلامات والبشارات؟
- تبقى مصادرُ الشعرِ يكتنفُها الغُموضُ رغمِ تطوُّرِ الأبحاثِ الأنثروبولوجيّة وكشفِ الغطاءِ عن عالمِ اللاوعي وبعضِ أسرارهِ. تتدخّل الأساطيرُ والميثولوجيا في هذا الشأن، وتسنُدُ إلى الغيبِ ما يشبهُ تلقينَ الشعراءِ لكلماتهم. أرجّحُ أن لعناصر الطبيعة وجينات التكوينِ الخاصة، وربّما لقرانات النجومِ دوراً في ولادةِ شاعر. لكن ما يجمع الوحي والشعر هو ذاك المصدر الغيبي للقول. وكلّ ما هو غائبٌ قوي ولهُ رهبة. الحياةُ بحاجةٍ للشاعر. لماذا؟ أسألُ وأجيب: لأنّ لهُ أثره في الصيرورة التاريخية وتفتّح المعرفة، ولأنّ الشاعرَ يسبقُ الفيلسوف ويرشدُ العالمَ بسببِ انبثاقِ شعرهِ من مكانٍ هو أقرب ما يمكنُ للكينونةِ البشريّة من الله. أقصِدُ من القلب، دينامو النفس البشريّة. فهو الذي يمنحُ الكلماتِ فورانها واعتدالها. هنا ميزانٌ حساسٌ لا يقل عن العقل إن لم يتفوّق عليه. الفلسفة الحديثة ـــ وهي بشكلٍ أو بآخر ألمانية ـــ مستندة إلى الشعر، إلى أشعار غوته (الذي اصطبغ شعرهُ بحافظ الشيرازي) وشيلر، هايدغر أسّس على هولدرلن. أنا أُعرّف الشعرَ بما عرّف به فريدُ الدين العطّار النيسابوري العشق في كتابه «منطق الطير»: «إنّه الجنونُ في القلب».. وهو ما يمتُّ بصلةٍ للعرفانِ والنبض الصوفي للشعر. أقصدُ أنّ ميتافيزيق الشعراء هو أقربُ ما يكونُ إلى ميتافيزيق العارفين. لا شعر بلا دينٍ، ولا دينٍ بلا شعر. بالمعنى الوجودي لا بالمعنى الأخلاقي «يقولون ما لا يفعلون» (الآية). بالمعنى الوجودي أنّ التكوين للطبيعة والإنسانِ وللخيالِ كمصدرٍ جوهريّ للشعر، ثمّ من اللغة لا يخرجُ الشعر عن أن يكون كلمات. الكلمة يجرحُ بها الشاعر جسد العالم ليعرف دواخلهُ وأسراره وما يختبئ فيه من المعاني. «وعلّم آدم الأسماء كلّها» (الآية)... والكلمةُ عظيمةٌ وجميلة وغامضة. هي مقرونة في الثيولوجيا بالروح. المسيحُ كلمة وروح. والله أصغى لكلماتٍ من آدم، فتاب عليه. وما الحاجة للدين من دونِ هذه المعرفة؟ لو أخذت سورة «النجم» مثلاً أو «الكهف» لوجدتَ هذه الروح للكلمة في ما هو دليلٌ ورمزٌ للمعرفة. حسناً... هذه المصالحة بين الدين والشعر، تحقّقت في شعرنا المتحدّر من الشجرة القرآنية والرمزُ القرآني الخصب... ومن خلال تلك المهاميز العجيبة للخيال التي تتجلّى في فواتح وحروف مسيطرة وغامضة (ط/ سين... ألف لام را... ألف لام ميم صاد...) أيّ سيطرة تأتي من الإصغاء لهذه الكلمات؟ أبعدُ من السحر.. وكذلك القصص بما يحملهُ من رموزٍ موحيةٍ هي مرجعٌ أساسيّ لشعرنا وفلسفتنا. أليست هذه كلّها ذخيرة شعريّة؟

قسمت الكتاب إلى ثلاثة محاور: الأول بعنوان «أغاني الكورس»، والثاني «تسع قصائد إلى حافظ»، والثالث «مقاطع إلى الجميل»، لماذا هذا التقسيم؟ وما الذي يجمع قصائد الفصل الواحد؟
- بشأن تقسيم الديوان إلى ثلاثة أقسامٍ أو عناوين، هو يعود إلى الطقوس الشعرية الغالبة على كلّ قسم. القسم الأول «أغاني الكورس» هو أناشيدٌ تدورُ حول مسرح القصيدة. وكلّ قصيدة حياة بمثابة مسرح. القصيدة الأولى التي هي بعنوان «عصفورة اسمها الحياة»، تنطوي على مشهدٍ أخذ الديوان عنوانه منه، وهو مشهدُ الرجل الجالس على كرسي مركوزة على رملِ الشاطئ، يدير ظهرهُ للعالم، ووجهه للبحر يراقبُ عصفورة طائرة كأنّها اعتذارٌ طويلٌ نقدّمه للحياة. إنّنا أمام مشهدٍ سينمائي... في قصيدة «الصرخة»، تنتهي القصيدة بمرورِ القطارِ والإحالةِ إلى لوحة «الصرخة» الشهيرة للرسام مونخ، قبل إسدال الستارة على المسرح.. السبب إذن أنّ في هذه القصائد «أغاني الكورس» ما يشبه الحركة الشعريّة والمشاهد السينمائيّة.
أمّا القسم الثاني وهو «تسعُ قصائد إلى حافظ»، فما يجمعُ بينها هو حافظ الشيرازي في غزله، وما أثاره فيّ من روحٍ شعريّةٍ سكبتُها في هذه النصوص. هي مشاركة وجدانيّة مع حافظ في الحبّ والخمرة والعناصر الجميلة للطبيعة كالبستان، وضوء آدم، وقصيدة «ليدُم إلى الأبد جمالكِ السكران». وهي قصائد تجمعُ بين الزهد واللذة، الموت والنشوة، الأعناب والراح في ما يشبهُ تذكّر الجنّة ونحنُ على عتبات الموت. هذا ما تقوله القصائد، وحافظ الشيرازي جزءٌ من وجدانها. القسم الأخير من الديوان هو بعنوان «مقاطعٌ إلى الجميل». هي مقاطع شعريّة أو سوناتات مرفوعة لكلّ ما هو جميل. جميلٌ مؤلمٌ. جميلٌ وهش. جميلٌ وزائلٌ. وأيضاً جميلٌ وجوهري. جميلٌ وغامض. جميلٌ ومسيطر، من أصغر نقطة ماءٍ ترتجفُ على الشجرة، أو نجمةٌ في الفلك، أو وردة في البستان... إلى عتبات الله.

لنتناول القصيدة الأولى «عصفورة هي الحياة» بسؤالين. هل الحياة على الأرض بهشاشة العصفورة التي تأتي من غابة نائية لتبني في الأرض عشاً ضئيلاً، ثم تقول: «وما زلت كالمغزل المستدير على خيطه/ أحاول أن أمسك اللحظة الهاربة». هل هذا ما يفعله الشعر، الإمساك بـ «اللحظة الهاربة»؟
- تماماً. الحياة لحظة هاربة والشعر ليس سوى محاولة ممتعة ومضنية للإمساك بهذه اللحظة الهاربة. قصائدُ هذا الديوان تنطوي على مسألتين متعارضتين: الأولى تمجيد الحياة في ما هي لحظة، وعاء وُجد ليمتلئ، وكأس لتُشرب بحب (تسعُ قصائد إلى حافظ). والثانية رثاءٌ لهذه اللحظة. وربّما سألتني: أين تقف من هذا التعارض؟ وأجيب: أقف في صميمه. أقصدُ في صميم القصائد بكاملها في هذا الديوان.
أُعرّف الشعرَ بما عرّف به فريدُ الدين العطّار النيسابوري العشق في كتابه «منطق الطير»: «إنّه الجنونُ في القلب»


«والفل أسود كالغراب/ أسئمت هذا المشهد البدوي/ في مدن الذبيحة والخراب/ فرحلت/ أم أن البنفسج لم يعد يكفي/ ليرتق ما تفسخ من نسيج الأرض». يقول أدورنو إنّ الشعر لم يعد ممكناً بعد أوشفيتز. بعد مشهد «الذبيحة والخراب» في كل مدن العرب، هل ما زال الشعر ممكناً؟
- دعنا من مقولات «موت الشعر» الملتبسة أو الهشّة. إذا كان ثمّة من استحالةٍ ما للشعر، فهي استحالة افتراضية لا تخلو من سفسطة، أيّ الادعاء بأنّه لا مكان للشعر الذي هو حياة في وجودٍ هو كارثة أو موتٍ أو عدم. وقولُ أدورنو في تفجّعه على «أوشفتز» أو «المحرقة اليهوديّة»، سفسطة ليس لها مكان. الشعر هو الكائن في جميعِ تحوّلاته. في ولادته وتمزّقه، في الأعراس والمناحات.. في تنفّسه وحشرجته، في صلابة واقعه وليونة خياله. ولو كان الشعر سيكون مستحيلاً أو ممتنعاً بعد الكوارث، لما كان له أن يكون. ولما كان الشعر بعد فاجعة «كربلاء» مثلاً. ثم إذا كان الشعر أبعد من معادلة التردد بين الصوت والمعنى (الفاليرية نسبة لبول فاليري في كتابه عن بودلير)، فإنّني أرى الشعر هو التردد بين الصوت والصمت، من حيث أنّ الصمت هو من أعمق إشارات اللغة. لكنّ أدورنو لا يدعو للصمت، بل للسكوت.. وهناك فرقٌ أساسي بين الحالين.

في الكتاب قصائد تستحضر المتنبي وامرأ القيس والشنفرى. لماذا يعود الشعراء العرب المكرسون مثلك وأدونيس وقاسم حداد ومحمد بنيس في رحلة جماعية إلى الماضي؟ هل هو فقدان ثقة بالحاضر؟ هذا الاستناد على ألفي عام من التراث هو محاولة للقول بأن هؤلاء الرواد هم في رضى عن مشاريعكم المكتملة؟ ولماذا لا تستحضرون مصممي الروبوتات والذكاء الاصطناعي وهم رواد اليوم والغد؟
- القصيدة لهذه الناحية أشبّهها بمركبةٍ ترحلُ في الزمن: الماضي والحاضر والمستقبل، وبالعكس. هناك الدوران في الزمن أو الحركة الدائريّة حيث ترحل القصائد في الخيال كأنّ إلى «لا جهة». أهم ما في هذه الناحية، أي التعامل مع عناصر في الماضي (التراث) أو الحاضر (الابتكارات، الآلة، الزمن العنكبوتي الوهمي، الرقم...) ومع المتخيّل، أن القصيدة تقوم بعمليّة تحوير وتدوير وتدمير وإعادة بناء للحظات والحوادث ولأي معطى تتناوله وتتعاطى معه. إن الشعر حين يحوّل أيّ معطى معرفي إلى قصيدة، يظهر كأنّه يبدأ من ذاته أي من نوعه الجمالي المتميّز والاستعارة والرمز واللغة المناورة والمغامرة. هذا هو شأنه مع التاريخ والفلسفة والواقع الأيديولوجيا. كأنّما شرط الشعر الوحيد هو الشعر نفسه. كما أنّ «شرط الهوى هو الهوى»، كما يقول محيي الدين بن عربي في «ترجمان الأشواق».

«آه ما أجمل هذي الحياة/ إذا أنت أحسست/ أن الطبيعة أنثى». هل نحن في قصيدة «غيمة» أمام مقولة تشبه مقولة ابن عربي «كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه»؟ كانت لدى العرب آلهة مؤنثة ولدى الإغريق والرومان وكافة شعوب الأرض. هل المرأة إلهة في الشعر أيضاً؟ وما علاقتك بالتصوف؟
-قبل العقل، يتقدّم الإحساس بأنوثة الطبيعة. أنت حين تشمّ رائحة التراب بعد الشتوة الأولى، تحس بأنوثة الأرض. فالأنوثة (في الفيروز آبادي وابن منظور) هي اللين، والذكورة هي القسوة. وأنا أشبّه العلاقة بين هذين المعنيين بالمركب في بحيرة. المركب يشقّ الماء، لكنّ الماء يحملُ المركب ويحضنه. أشعار الحبّ بكاملها لدى الشعراء المعدودين هي مدائح للأنثى. وأعتقد أنّ المتصوّفة المسلمين حين عوّلوا على هذه المسألة في الكثير من أشعارهم وإشاراتهم، وقعوا على أمرٍ جوهريّ وعميق. إذ كيف يمكن أن تصنع حياة، أيّ حياة، من دون أنثى؟ قصيدة «غيمة» التي أقول فيها: «آه ما أجمل هذي الحياة/ إذا أنت أحسست أنّ الطبيعة أنثى» هي إشارة شعريّة إلى احتفالي بالأنثى احتفالاً جسدياً ووجوديّاً في وقتٍ واحد. إنّه إحساسٌ صوفي. علاقتي بالصوفيّة علاقة أحوال. أنا لستُ درويشاً يجلسُ في زاوية. لكن كلّ أحوال الصوفية حلّت في قلبي. قلبي الذي يصنعُ لغتي وطقوس قصائدي. وأنا لا أميل لأشعار الصوفيّة، لما ينتابها من ضعفٍ في البنية وتعقيد في اللغة، أو تعليميّة إشاريّة، بل أتملّى أحوالهم، وهذه الأحوال هي التي تحرّك شعري.

ماذا الذي أضافه «كرسي على الزبد» إلى تجربتك الشعرية؟ بماذا يختلف عن «النازلون على الريح»؟
- ماذا أضاف ديوان «كرسيّ على الزبد»؟ إنّ «كرسي على الزبد» أضاف «كرسيّ على الزبد». إنّها قصائد الاحتفال بالحياة والانتباه للتحوّل من خلال المرائي العميقة للحظات الهاربة. ولعلّي أتذكّر طيف «قصائدُ مهرّبة إلى حبيبتي آسيا» (1974) حيث أقول: «أنا أضحكُ الآن لكنّني مرهفٌ بالبكاء».

في قصيدة واحدة مثل «سقط الإناء على المساء» تبدأ بالقصيدة عمودياً في المقطع الأول ثم تنتقل إلى التفعيلة بإيقاعات تضبط سرعتها وتوترها في المقاطع التالية، هل هذا التنويع مفتعل؟ لماذا لا يصل التنويع في نص كهذا إلى النثر المرسل دونما إيقاع؟
- هناك في الطيران شيء اسمه «التحليق العمودي» لا يجيده إلا المتمرّسون. أما بعد هذا الانطلاق العمودي، فأنا أدخلُ في اللعبة كما يحلو لي الطيران. وما تشير إليه من النثر المرسل بلا إيقاع، سبق وكتبته في بعض لحظات من دواويني السابقة، مثل قصيدة «تعب شهريار»، و«إلى فرانز مارك-غزال في غابةٍ في غزال» و«سورة النشوة» وفي القسم الأول من «حلقات العزلة».. وحين يأتي الشعر من قاع النثر، يكون كالموج فوق قاع البحر اليابس. قصيدة النثر لحظة واحدة من ساعة الشعر المركّبة عندي. «أنا شاعرٌ غير مدرسي» كما قال فيّ الدكتور بدرو مونتابث المستشرق الإسباني العريق. فالسرد الشعري برأيي تفصيلٌ في وقتِ القصيدة وإيقاعها المركّب المتكوّن من موسيقات الشعر العربي بكاملِ أوزانه وتوازناته... كلّ ذلك يكون في خدمة القصيدة. قصيدة النثر، عند المبدعين فيها، إضافة جزئيّة إلى البناء السمفوني للشعر المتعدّد الأصوات والإيقاعات. رأيي بالأوزان كرأيي بالاتكاء على التاريخ أو الرقم... إلخ تنصهر جميعها في كيان النص. هذا، وهناك أسرار في القصيدة قد لا تقال أو يستحيل تفسيرها في بعض الأحيان.

«ذؤابات الشعر على الأكتاف/ تلوح/ فتخرج من يعشقها عن ملته» وفي مقطع آخر «ربما ينقلني الماء من الطين/ ومن أصل عذابي/ لأرى في الضفة الأخرى من النهر سلاماً/ وأرى أن إلهي كان خوفي». هل نحن أمام تأمل في الدين هنا؟ هل الخوف هو إله الشعراء ويقينهم صعب مستصعب؟
- عن الخوف تسأل؟ الخوف كالشك قنطرة اليقين، كما قال فيلسوف الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي. أنا أعتقدُ أنّه «في البدء كان الخوف»، لأن الخوف هو الشعور بضرورة اللجوء. الباب ابن الخوف. النار بنت الخوف. الدين ابن الخوف. الكلام ابن الخوف. الخوف هو السرداب. هل نسيت ما نسميه «صلاة الخوف»؟ ثمّ أنا لا أستطيع تفسير هذا النص الذي كتبته. إنّه نصّ قوي.. أرغبُ من خلاله أن أعبر من ضفة النهر إلى الضفة الأخرى علّني أجدُ سلاماً. ما هي الضفّة الأخرى؟ أهي الموت؟ أنا عرفت الكثير من الخوف في حياتي. أصلّي لأنّي أخاف. بالطبع يأتي الحب بعد الخوف. لكن هذا يحصلُ في ما بعد. الطفل أول ما يولد يبكي. ثمّ... ثمّ... ثمّ... يضحك.

في الكتاب إشارات لأحداث شخصية، مثل حادث ١٥ اكتوبر ٢٠١٧ وسيرة «إبراهيم»، وإبراهيم هو أخوك المتوفى منذ فترة وجيزة. أي نوع من التفاصيل الخاصة تهم الشعر؟ وما هي التفاصيل الأخرى التي يهملها. هل ينطلق من الخاص إلى العام في خط ذي اتجاه واحد؟
- نعم. في الديوان لحظات شخصيّة كثيرة. أسماءٌ، تواريخ، حوادث... تفاصيل أيضاً. ولكنّها لا تبقى في إطارها التسجيلي الحدثي، فهي بكاملها، وبلا استثناء، تعبرُ في المجاز. والمجاز هو العبور من مكانٍ إلى آخر ومن حالٍ على حال. ولا يتمّ هذا العبور من دون تحويل هو أساس الشعر. إنّ الحوادث والأسماء والتفاصيل تتحوّل في القصيدة لتبتعد عن أصلها وتخضع لكيمياء أخرى... إنّها خيانات الشعر الجميلة للواقع. مثلاً أقول في قصيدة «أغنية لأيلول»: «فقد أخبرتني الطيور التي لا تطير سوى في ظنوني/ أنّ أيلول باقٍ/ وأنّ الخريف الجميل الطويل العليل/ دائم لا يزول». إنّ أيلول «القصيدة» هو أيلولٌ غير موجودٍ في الوجود ولا في التقاويم. لماذا؟ لأنّه أيلول دائمٌ طويل جميل عليل لا يزول. هل ثمّة شيءٍ كهذا في الواقعِ أو التقويم؟ الجواب: كلا... ولكنّه موجودٌ في القصيدة.

يقول هنري ميشونيك «حين يمر الرمز، يقتل الشعر، وحين يمر الشعر يغير كل نظرية اللغة. الشعر عيد فصح اللغة، إنه مسألة بخطورة الحياة والموت. كالانتقال بين حياة وأخرى، بين الحياة والاحتضار». هل توافق أن الرمز يقتل الشعر؟ وهل الشعر بهذه الخطورة؟
- على خلاف ما يقول ميشونيك، لا حياة للشعر إلا بالرمز. الاستعارة شمسُ القصيدة. وشعرُ ميشونيك ذاته منعم بالرمز. أكثر من ذلك، مثلما سرعان ما يتحوّل التاريخ إلى أسطورة، سرعان ما تتحوّل اللغة إلى احتمالاتها. كلّ مفردة تولدُ وهي حبلى باحتمالاتها. أي إنّ اللغة هي إشارات مفتوحة على الدلالات. الشعر ليس سوى احتمالات اللغة. أما قول ميشونيك إنّ الشعر حين يمرّ يغيّر كلّ نظريّة اللغة، فصحيحٌ جزئياً، تبعاً لتلك العلاقة التي لم يستطع الألسنيون أن يتعدّوها، أي علاقة الصوت بالمعنى، بينما في نظري، وفي جميع الافتراضات اللغويّة والألسنية للشعر، ثمّة شيء ناقص هو «مسافة الصمت». إنّه قوّة «اللامنطوق» وقد عوّل عليها ابن عربي في «الفتوحات المكيّة» حين قال إنّ المستمع في السماع يسمع ما يريد من القول لا ما يقوله القول. حسناً.. أخيراً: الشعرُ بقوّة الحياة والموت. نعم مرتين.

لستُ درويشاً يجلسُ في زاوية. لكن كلّ أحوال الصوفية حلّت في قلبي. قلبي الذي يصنعُ لغتي وطقوس قصائدي



شاعر فرنسي آخر، غيفيك، يقول: «حين يغيب النشيد، يصير المكان بلا شغف». هل منسوب الغنائية مرتفع في «كرسي على الزبد»؟ أنت الذي قلت مرة في «قصيدة الأبواب» إن المدينة التي استعصت على الفاتحين استسلمت لصوت المغني، ما هو بالضبط تعريف الغنائية الذي يبدو أنه شرط وجودي لأي شعر، بحسب مقولة غيفيك؟
-غيفيك من الشعراء الفرنسيين الذين عوّلوا على الإيحاء الداخلي للغة. إن شعره يبدو كأنّه نحتٌ في الضوء أو الصمت. في ديوان «الغيوم التي في الضواحي»، أقول إن سبعة أصواتٍ لمعبدٍ فتحت من الحصون أكثر مما فتحتهُ جيوش محمد بن القاسم، قائدُ الحجاج في الفتوحات الإسلاميّة. إنّ الإنشاد في الشعر هو مفتاح لأبواب الكيان البشري، لكنّ الإنشاد، وإن كان يتأتّى من إيقاعات الأصوات ونقراتها، إلا أنّه معنى ميتافيزيقي في النهاية. استجابات روحيّة. كلّ شعرٍ لا يحيلكَ إلى الميتافيزيق شعرٌ فارغ.

«كلما امتدوا شمالاً في فجاج الأرض/ أقلعت جنوباً/ فأنا أحسن تصريف الرياح». ألست قلقاً على الجنوب اللبناني؟ الأنهار والغابات التي لطالما تحدثت عنها في أشعارك، هل جلت مؤخراً في الجنوب لترى الدمار المنهجي الذي يصيبها؟ أم نعود لتعريف الشعر الذي يثبت «اللحظة الهاربة»، فيكون جنوب الأمس لا جنوب اليوم؟
- تخريب الأنهار وشواطئ البحار والأكمات في الجنوب أمرٌ هائل. نهرُ الأوّلي المسمّى نهرُ الفراديس غدا مجرى للقاذورات. لا بدّ من خلعِ الماءِ الذي ينضحُ بالسمّ. شواطئ صور وصيدا وتلال النبطيّة مطامر للنفايات. صيدا التي كانت تعبق طرقاتها وبساتينها برائحة الليمون، صارت رائحة للقاذورات. إنّني أتحدّث هنا عن فساد السياسة المزمن والسلطة الحاكمة التي تدير البلاد وعن المجتمع الذي ينتج هذه السلطة ويعيدُ إنتاجها، ولا أتحدّث عن الطبيعة ولا عن القصائد. نعم، لبنان الجميل الأخضر العابق بالزهر والريحان من أقصاه إلى أقصاه، من بيروت إلى الجبل، ومن الشمال إلى الجنوب، هو كما وصفت..

ما العمل؟
- سنقول قصائد عن الأنهار المقهورة بالطبع. لكن يجبُ أن نغيّر الداخل أيضاً، ويجبُ أن نطهّر بيتنا الداخلي من الفساد، لأنّه أخطر من العدو الخارجي.

«ليس لي من فاطمة/ غير أن أمضي لبوابتها/ أغسل الأحجار بالماء/ وأكسو وأطوف» بوابة فاطمة على أمتار من فلسطين، هل خَفَتَ الشعر السياسي اليوم؟ هل غادر الشعراء إلى زواياهم الصغيرة ليستحضروا فلسطين والجنوب اللبناني في النكبة والنكسة وفي ذكرى التحرير والانتصار؟ هل يمكنك اليوم أن تكتب قصيدة تشبه «أغنية كي تنام زينب»؟
- أحاولُ كتابة هي أقربُ إلى تقلّبات الأحوال، وإيقاع اللحظة التاريخية الراهنة. أقول: «إنّ البنفسج لم يعُد يكفي ليرتق ما تفسّخ من نسيج الأرض والطرقات قطّاع وسيّافون قد جعلوا هواهم في الخديعة ربّهم» ...«فإذا رموا أو صوّبوا قتلوا القمر». أفلا أصفُ هنا بصورةٍ شعريّةٍ حال التوحّشِ الذي ساد من سنوات على الأرض العربية والإسلاميّة، وفي العالم، زوراً وبهتاناً باسم الإسلام وباسم الله؟ نعم.. السياسة لديّ منصهرة في الكيان الشعريّ للقصائد، وليس العكس.

لو كان لك أن تختار بيتين من «كرسي على الزبد» لتضعهما فوق قبر حافظ الشيرازي الذي تستحضره كثيراً، ماذا سيكونان؟
- اختار ما يلي:
«أرى على خرائب الوجود نور الله طافياً
ما أعجب النور الذي أراه
فيا أمير بهجتي ولوعتي
أبصرت أنت الكعبة الحسناء
لكني أنا رأيتُ وجه الله».