عندما سلّم يهوذا المسيح لقتله، حصل منهم على ثلاثين من دراهم الفضة كما يروي لنا إنجيل متى: «حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً: قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لا يحل لنا أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم» (إنجيل متى، الإصحاح 27: 3-9).

هكذا، فقد قبض يهوذا، أو يهودا، الدراهم كـ «ثمن دم»، ثم أعادها، فاشتروا بها حقلاً دعي «حقل الدم».
أما في أعمال الرسل، فإن يهودا هو الذي اشترى هذا الحقل من «أجرة الظلم»، ومات فيه، فصار اسمه «حقل دماً»: «فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها. وصار ذلك معلوماً عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دماً، أي حقل دم». (الكتاب المقدس، أعمال الرسل: 1: 17-20).
وهكذا استبدل أعمال الرسل تعبير «ثمن الدم» بتعبير «أجرة الظلم».

«القبض على المسيح» (زيت على كانفاس ــــ 1602) لكارافاجيو

لكن السؤال هو: لم وصفت الدراهم التي حصل عليها يهوذا بأنها «ثمن الدم»؟ لماذا لم يقل مثلاً أنها «ثمن التسليم» أو «ثمن الخيانة»؟ لماذا يدخل الدم هنا في الموضوع؟ وكيف تكون دراهم يهوذا ثمناً لدم المسيح؟ يدفع إلى هذا السؤال أن دية القتيل هي التي تمثل في العادة «ثمن الدم». فحين يقتل أحد أحداً، يدفع أهل القاتل لأهل القتيل دية هي ثمن دم قريبهم المراق. هذا أولاً. أما ثانياً، فإن اسم الحقل كما ورد في الصيغة اليونانية هو «أكل دما» akeldama, akaldama وليس «حقل دما» haqeldema. وبالنسبة لكلمة كهذه نقلت من لغة سامية إلى اللغة اليونانية، فإن الكلمة الأصلية ستكون إما بالألف (أكل دما) أو بالعين (عقل دما). وقد افترض جون.م. أليغرو في «الفطر المقدس والصليب» أنها بالألف (أكل دما)، وليس «حقل دما». أي أنه تعبير يشير إلى الطعام والأكل. يقول: «أهم من هذا... هو اسم «الحقل»، Akaldama. فنحن هنا أمام ترجمة... مزيفة، تقرأ الكلمة كما لو أنها الكلمة الآرامية khaqal dema «حقل الدم» في حين أنها في الحقيقة الكلمة الآرامية akal dame «طعام القيمة، أو التعويض» ( Johne M.Allegro, The Sacred Mushroom and the Cross, ABACUS, London, 1973, page 205). لذا فقد رأى أليغرو أن في النص «لعب كلمات بين الآرامية dema «دم» و dame «ثمن، قيمة»، وبين akal «طعام» و khaqoul «حقل» في حين أن المعنى الحقيقي لـ Akeldama هو «طعام التعويض» أو «الكفارة» (Johne M.Allegro, The Sacred Mushroom and the Cross, ABACUS, London, 1973, page 160)
توضيح أليغرو شديد الأهمية بشأن «أكل دما»، وربما فتح لنا الباب كي نفهم النص فهماً سليماً. لكن يبدو أن علينا أن نصلحه قليلاً. إذ من المحتمل أن يكون التعبير في الأصل «عقل دما»، كما قلنا أعلاه.

أكل الدم
وإن كنا مع «أكل دما»، فربما يكون هذا التعبير عديلاً للتعبير العربي «أكل الدم» الذي يعني: الديّة، ديّة القتيل. وهو بشكل أدق الدية التي تؤخذ في محل يستوجب القصاص. إذ يحصل أحياناً أن يكون أقارب القتيل ضعافاً أو محتاجين فلا يقدرون على القصاص، أي على الثأر لمقتل قريبهم بقتل عديل له، فيضطرون إلى القبول بالدية، والتخلي عن حق الثأر. وحين تؤخذ الدية في هذه الحال، تسمى «أكل الدم»، على سبيل الذم والقدح والتعيير. ذلك أنه كان قبيحاً جداً عند القبائل العربية أن تؤخذ دية القتيل هكذا. وكان ينظر إلى أخذها على أنه نوع من أكل دم القريب. وهذا يعني أن «أكل الدم» هو الاسم السلبي للدية. يقول الشاعر الجاهلي:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
ويفسر لنا المرزوقي في «شرح ديوان الحماسة» معنى «أكل الدم» بقوله: أكلت دما، هذا يجري مجرى اليمين، والمراد بالدم الدية. يريد: يقتل لي قتيل فأعجز عن الأخذ بثأره، فأرضى بأخذ الإبل في ديته، فإذا طعمت ألبانها فكأنما أشرب دم ذلك القتيل. ويتحدث المرزوقي عن الإبل هنا لأن الإبل كانت نقود ذلك الوقت. عليه، فقبول الدية هو أكل لدم القتيل القريب.
بناء على هذا، فيهوذا أخذ «ثمن دم» المسيح في ما يبدو، أي أخذ ديته، أو «أكل دمه» حسب المصطلح العربي.
لكن إذا كان يهوذا قد أخذ دية المسيح، فإن الاستنتاج المنطقي أن القتيل، أي المسيح، قريب ليهوذا. فالدية لا تحق لغير القريب. لكن هذا القريب لم يطالب بدم قريبه، بل أخذ الدية، أي أكل الدم، بدلاً من ذلك. ولأن من المفروض به أن لا يقبل بأن يأكل دم قريبه، فقد شعر، حسب القصة، بالذنب ورمى نقود العار لاحقاً.
بناء عليه، يبدو لنا أن المفسرين الذين ترجموا الإنجيل من اليونانية، اضطربوا بخصوص تعبير «أكل دما» وترجموه على أنه «حقل الدم». بالتالي، فأليغرو على صواب في ما يبدو. لكن الأمر لا يتعلق بلعب على الكلمات بل بتشوش، وعدم فهم للطقس أدى إلى ترجمة مضطربة.

عقل الدم
لكن، وكما قلنا أعلاه، فهناك احتمال أن يكون الأصل الآرامي نظيراً للتعبير العربي «عقل الدم»، أي أننا مع «عقل دما» cakaldama لا «أكل دما» cakaldama. وتعبير «عقل الدم» بالعربي، أو بشكله المختصر «العقل»، هو الاسم الطقوسي الأصلي لدية القتيل أيضاً. وهذا يعني أننا في الحالين مع الدية، دية القتيل. يقول الدكتور جواد علي:
«ويعبر عن الدية بلفظة أخرى هي «العقل». يقال: «عقل القتيل يعقله عقلاً. وداه، وعقل عنه: أدى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). ويضيف: سميت الدية عقلاً «لأن الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلاً لأنها كانت أموالهم، فسميت الدية عقلاً لأن القاتل كان يكلف أن يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول فيعقلها بالعقل ويسلمها إلى أوليائه». ويقال للذين يتعاقلون على دفع الدية: العاقلة (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). ويقول اللسان: «وإنما قيل للدية عقل لأنهم كانوا يأتون بالإبل فيعقلونها بفناء وليّ المقتول، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل دية عقل، وإن كانت دنانير أو دراهم» (لسان العرب).
وقد ظل تعبير «عقل» الذي يشير إلى الإبل، رغم أن نوع النقود تغير. فالعقل صار يعني دية القتيل بغض النظر عن إن كانت الدية نقوداً معدنية أو حيوانات. وتجري عملية «عقل الدم» حسب المصادر العربية القديمة عبر طقس مثير جداً يدعى «التعقية» أو «عقي الدم». ويطلق في هذا الطقس سهم يدعى «سهم الاعتذار». يقول البغداي حول هذا الطقس: «قال أبو العباس ثعلب: التعقية: سهم الاعتذار. قال ابن الأعرابي: أصل هذا أن يقتل الرجل رجلاً من قبيلته فيطلب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية. فإن كان أولياؤه ذوي قوة أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي؛ فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجاً بالدم فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد فقد أمرنا بأخذها. وحينئذ مسحوا لحاهم وصالحوا على الدية. وكان مسح اللحية علامة للصلح، قال الأسعر الجعفي:
عقّـوا بسهم ثم قالـوا سـالموا
يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
قال ابن الأعرابي: ما رجع ذلك السهم قط إلا نقياً، ولكنهم يعتذرون به عند الجهال (عبد القادر البغدادي، خزانة الأدب).
ويضيف د. جواد علي عن هذا الطقس:
«الأصل في القتل القصاص... أما الدية، فلا يقبلها إلا الضعفاء، وكانوا يعيرون من يأخذها بأنهم باعوا دم قتيلهم بمال. ولهذا كان يأبى أولياء المقتول قبول الدية إذا كانوا أقوياء. أما الضعفاء، فقد وجدوا لهم حيلة شرعية ومخرجاً من المخارج في دفع ذم الناس لهم بقبولهم الديات، بلجوئهم إلى ما يقال له: التعقية في تبرير أخذهم دية قتيلهم. «والتعقية هي أن يقول آل القتيل لآل القاتل: بيننا وبينكم علامة، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهماً فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجاً بالدم، فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد، فقد أمرنا بأخذها. وحينئذ يقبلون الدية. وهم يعلمون أن السهم سيرجع كما صعد من غير دم. ولكنهم يريدون عذراً في قبول الدية: يعتذرون به أمام الناس من تعييرهم لهم، وكانت علامة قبولهم بأخذ الدية، مسح اللحية، فإن مسح اللحية علامة الصلح» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام).
عندما سلّم يهوذا المسيح حصل على ثلاثين من دراهم الفضة كما يروي لنا إنجيل متّى


وبناء على هذا كله، ربما أصبح مفهوماً الخلط في قصة يهودا وثمن الدم. فلدينا «عقل دما»، أي ثمن الدم، و«حقل دما» معاً. وقد صار مفهوماً لنا معنى التعبير الأول (عقل دما). إنه دية القتيل، أي ثمن الدم. أما التعبير الثاني (حقل الدم)، فيبدو أنه يتعلق بقطعة الأرض التي كان يجري فيها طقس «سهم الاعتذار» لقبول أخذ الدية. فإطلاق السهم والكشف عما إذا كان مضرجاً بالدم أم لا، يحتاج إلى منطقة مكشوفة واسعة يطلق منها السهم، ويقع فيها. وهذه المنطقة هي في ما يبدو «حقل الدم». وقد ورد الاسم عند يوسبييوس Eusebius هكذا: Field of Haceldama. وهي صيغة تقول لنا أننا بالفعل مع: «حقل عقل الدم»، أي مع حقل وعقل معاً. بهذه الطريقة تحل غالبية المشاكل في النص في ما يبدو لنا.

يهوذا والمسيح
إذن، فسواء كنا مع «أكل دما» أو «عقل دما»، فنحن مع دية القتيل. بالتالي، فقد كان يهوذا يأخذ دية المسيح. وفي هذا يشير إلى أنه كان قريباً قرابة أولى له. وهذه الحقيقة قد توضح العلاقة المحيرة بين عيسى ويهوذا في الإنجيل. فقد كان يهوذا من أقرب تلامذة المسيح إلى نفسه. بل إن هناك من شك في أنه أخوه. يؤيد هذا أنه كان للمسيح أخ غير شقيق يدعى يهودا. يقول إنجيل متى: «أليس هذا ابن النجار. أليست أمه تدعى مريم وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا» (36). ولهذا الأخ رسالة من رسائل الرسل تدعى «رسالة يهوذا»، وتقول بدايتها: «يهوذا عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب إلى المدعوين المقدسين في الله الآب...» (الكتاب المقدس، العهد الجديد، رسالة يهوذا، 1) وهذا يدلل على أن فكرة أخوة يهوذا الإسخريوطي للمسيح ليست غريبة حتى عن الإنجيل ذاته. أكثر من هذا وأهم، فإن «إنجيل يهودا»، الذي اكتشف عام 1972 في الصحراء المصرية، يخبرنا أن يهودا لم يخن المسيح أبداً، بل إن المسيح ذاته هو من طلب منه أن يسلمه لقتلته. أي أنه أراد أن يقتل. يقول إنجيل يهودا على لسان المسيح: «سوف تتجاوزهم [يا يهوذا] كلهم. لأنك سوف تضحي بالرجل الذي يلبسني» (إنجيل يهوذا)
you will exceed all of them. For you will sacrifice the man that clothes me.
(Judas Gosbil, Translated by Rodolphe Kasser, Marvin Meyer, and Gregor Wurst, in collaboration with François Gaudard)
بناء عليه، فالقصة أعقد من أن تكون صراعاً بين الأبيض والأسود، بين الخير والشر. إنها قصة رمزية عن قتل الأخ لأخيه، كما هي الحال مع قابيل وهابيل. ومغزى هذه القصة ديني، يشير إلى تعاقب الفصول، حيث يزيح الفصل الذي يحل الفصل الذي انتهى وقته.
* شاعر فلسطيني