ربما يكون صدور طبعة جديدة من كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» لابن رشد فرصة جيدة للاحتفاء والتذكير بمنجزات فيلسوف قرطبة. لكن مع هذه الطبعة الصادرة عن «الهيئة العامة للكتاب» في القاهرة، سيكون الاحتفاء بنقد ابن رشد أوفر وأعظم أهمية وهو بالذات ما فعله الباحث المصري مدحت صفوت في مقدمته البحثية التي تصدرت الكتاب. في هذه الدراسة الوفيرة في أهميتها، يتصدى الباحث لعدد من الأفكار النمطية والسائدة عن ابن رشد وفلسفته، أولها تلك الفكرة التي تطبع ابن رشد باعتباره التنويري الأول، وثانيهما أن المشروعين التنويري والعلماني في المنطقة العربية لا بد من أن يبدآ دوماً من الإشارة إلى أن جذور التنوير قائمة في التراث العربي، وأي محاولة لبدء رحلتي التنوير والعلمانية ينبغي أن تنطلق من تلك الجذور لا غيرها. بالنسبة إلى الباحث، إذا كان ابن رشد أحد أهم هذه الجذور التي لم ينفك المفكرون العرب يشيرون إليها بكم وافر من التقديس، فإن هدم معبد ابن رشد نفسه ربما يكون محاولة جيدة للبدء من مكان آخر أكثر في منطقيته وأمتن في بنيانه.

الفكرة الثالثة هي أن ابن رشد كان على عكس عدوه اللدود أبو حامد الغزالي، يبشر بتحرير عقول الناس من الكهنوتية من أجل تحرير تفسير الشريعة من محاولات الاحتكار. وهذه أيضاً سيحاول صفوت أن ينقضها واضعاً يديه على مناطق مشتركة ما بين مشروعي «الأخوين العدوين»، مثبتاً من خلال استراتيجيات التفكيك كيف كان ابن رشد كالغزالي كهنوتيين في ثياب مختلفة. أما الفكرة الرابعة والأخيرة، فهي في توصيف العلمانيين العرب باعتبارهم الضد من الأصوليين العرب. وهو ما يحاول صفوت نقضه بالتبعية من خلال تبيان أن الأصولية ما هي إلا حالة تمجيد وتقديس للسلف. وإذا كان السلف هنا هو التراث العربي الإسلامي، فإن السلفيين والعلمانيين العرب لا يختلفان في شيء إلا في مجال التقديس، والفارق الوحيد هو أن أحدهما يعبد ابن تيمية، والآخر يعبد ابن رشد. وإذا كان مشروعا التنوير والعلمنة خرجا في الأساس من معين تحرير العقل من تقديسه للمسلمات القائمة من أجل إفساح الطريق لنقدها وتحليلها بموضوعية، فإنه لا يمكن أن نسميهما سوى بأصوليّ العلمانية.
قبل أن نلج إلى الآليات النقدية التي استخدمها صفوت في دراسته المتصدرة لكتاب «فصل المقال»، علينا أن نحصل على فسحة قصيرة عبر المشروع العلماني العربي. وللدقة، من الواجب أن نتحدث عن مشروعين، أحدهما فكري وهو ما كنا في صدده حالاً، والآخر سياسي. وللدهشة المفرطة، أنّ هذا الأخير بدا دوماً كأنه آتٍ من المستقبل، والأول الذي هو صنيعة المفكرين العرب مرتحل إلينا عبر الماضي. هل يبعث ذلك على الضحك؟ نعم، لكنها الحقيقة، لدينا على الأقل مشروع علمنة تونس في بدايات القرن العشرين ــــ وهو مختلف تماماً عما يحدث الآن في تونس ــــ وهو سياسي بالدرجة الأولى آتٍ من السلطة من أعلى. هكذا سارت اللعبة: اخلعوا الحجاب، علمنوا المناهج الدراسية، علمنوا الدستور، تخلوا عن وعن وعن.. هكذا ككائن فضائي آتٍ من المستقبل ليملي قوانينه الجديدة على أرض الحاضر من دون الأخذ في الاعتبار ما هو هذا الحاضر وكيف يمكن تغييره بالتدريج.
أما المشروع الفكري الذي نحن في صدده الآن، فقد اتبع طريقاً من اثنين. في الأول، استحضر نماذج كانت تبدوا أكثر وعياً وتفتحاً في التاريخ الإسلامي القديم ــ طبعاً بالنسبة إلى العصر الراهن ـــ كنموذجي المعتزلة وابن رشد في محاولة دهية للترويج للمشروع العلماني. بعبارة أخرى: انظروا أيها العُرْب إلى تاريخكم فأنتم آباء العلمانية، وهي ليست غريبة عنكم بأي حالٍ، وهذا ما أشار إليه صفوت نفسه. أما عن الطريقة الأخرى فكانت عبر استحضار التاريخ الغائر في القدم في ما قبل الحقبة الإسلامية كاستحضار الحضارة الفرعونية في مصر، الفينيقية في سوريا، وربما البابلية في العراق. ونحن أبناء هذه البلدان طبقاً لهذا المشروع عُجْم لا عرب، أبناء حضارات وثقافات أكثر رفعة وتحضراً وانفتاحاً من الحضارة العربية. وبخلاف أن علمانّيي تحتمس ونبوخذ نصر لم يوضحوا لنا كيف تكون هذه الثقافات السامية بدقة كيما نتمثلها في القرن الحادي والعشرين كبديل عن ثقافة العرب البالية، فهم بالإضافة رازحون لا محالة في فخ استحضار الماضي الأسحق من السحيق. الخلاصة، سواء هبطت علينا العلمانية من المستقبل بقرارٍ سياسي، أو تنفسناها من حفرة غائرة في الماضي، فنحن مذنبون بنسياننا لهذا الحاضر، بنسيان كيف نفكر فيه، وكيف نحلله، لنخرج بمشروع صلد مبني على وقائع لا على استدعاءات وترويجات أثبتت فشلها.
على خلفية الكتاب السابق لصفوت «السلطة والمصلحة.. استراتيجيات التفكيك والخطاب العربي» (هيئة الكتاب 2017) يواصل صفوت استخدامه لاستراتيجيات التفكيك المستمدة رأساً من الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا. وربما لولا هذا الكتاب الذي يضع صاحبه ضمن أسماء جد قليلة من الفاهمين العرب للتفكيك، لشككنا كقراء في جدارته بالقيام بهذه المهمة. لذلك وللأسباب السابقة سيبدو تفكيك خطاب ابن رشد ذا جدوى كبيرة.

نقل احتكار تفسير النص الشرعي من قبضة الفقيه إلى قبضة الفيلسوف


من خلال خطاب قاضي قضاة قرطبة نفسه في مقاله العلامة «فصل المقال»، يثبت صفوت أن ابن رشد الفيلسوف الأبرز لم يكن علمانياً ولا مبشراً بفصل الدين عن السياسة بقدر ما كان فقيهاً مجتهداً يسعى إلى ردم الهوة بين الشريعة والاجتهاد الإنساني المتمثل خصوصاً في الفلسفة اليونانية. تحمد له محاولاته في إثبات أن النص الشرعي له أوجه عدة ويمكن فهمه على أكثر من نحو. يحمد له أيضاً كونه الضد من احتكار تفسير النص لطائفة بعينها. لكنه –ابن رشد- من خلال آليات التفكيك ربما سيظهر أكثر فأكثر لا الضد من الاحتكار ولا هو الضد من الكهنوت، بل أكثر من ذلك، سيخلع الوليد رداء المفكر لتظهر لنا من تحته عباءة الكاهن. نعم، الكاهن الذي نقل احتكار تفسير النص الشرعي من قبضة الفقيه إلى قبضة الفيلسوف، ونحن نعلم جميعاً ما معنى الكهنوت بالنسبة للعلمانية.
يعمد صفوت إلى استدعاء مفهوم الشبحية الخاص بدريدا لتوظيفه هنا على كتاب «فصل المقال». هل كان هناك شبح خفي يسيطر على ذهن ابن رشد أثناء كتابته لـ «فصل المقال»؟ الإجابة التي تأتينا بها هذه الدراسة هي أن الشبح هو بذاته الإمام أبو حامد الغزالي عدو أبي الوليد اللدود.
الغزالي الذي أفرد كتاباً لتكفير الفلاسفة ومن ثم انبرى ابن رشد للتصدي له في كتاب «تهافت التهافت»، هو نفسه ــ بحسب صفوت ـــ الذي اقتاد ذهن مؤلف «مناهج الأدلة» ليكتب ما كتب في «فصل المقال». والدليل الذي يقدمه الباحث إلى أيدي القراء من خلال تفكيك خطاب «فصل المقال» جدير بالاهتمام، خاصةً إذا عرفنا أن ابن رشد الذي حارب الكهنوت الديني، حرّم من الناحية الأخرى نشر الفلسفة على العامة، وعاب على الغزالي هذا الفعل، واعتبر أن الفيلسوف هو الوحيد الذي بإمكانه فهم المعاني الجوهرية للنص الشرعي. الآن فجأة يتضح لنا أن الغزالي وابن رشد ينطلقان من المحطة نفسها، وهي محطة التكفير والتحريم، مع فارق وحيد هو أن الغزالي يضع زمام التفسير الحق في قبضة الصوفي متلقي الفتوح الربانية والتكشفات النورانية، بينما يضعها ابن رشد في حوزة الفيلسوف.