يقول الإصحاح السادس والعشرون من سفر التثنية على لسان موسى ما يلي: «ثم تصرخ وتقول أمام الرب إلهك. أرامياً تائهاً كان أبي، فانحدر إلى مصر وتغرب هناك في نفر قليل فصار هناك أمة كبيرة وعظيمة وكثيرة» (الكتاب المقدس ـــ تثنية 26: 5-6). وقد ترجمت جملة: אֲרַמִּי אֹבֵד אָבִי (أرامي أبد أبي) على أنها تعني: «أرامياً تائهاً كان أبي».

بييترو نوفيلي «قايين يقتل هابيل» (زيت على كانفاس ــ الربع الثاني من القرن السابع عشر)

وقد افترضت التفسيرات السائدة أن الأب في الجملة هو إما إبراهيم أو يعقوب. لكن هذا الافتراض لا يأتي من سياق النص، وإنما من ربط الجملة بالعلاقة المفترضة لكل من إبراهيم ويعقوب ببلاد آرام ومصر. فيعقوب ذهب إلى فدان آرام ليأخذ زوجة له: «قم اذهب إلى فدّان آرام إلى بيت بتوئيل أبي أمك، وخذ لنفسك زوجة من هناك من بنات لابان أخي أمك». أما إبراهيم، فقد أخذ زوجة من آرام النهرين. بالتالي فقد افترض أنه حين يطلب موسى من كل واحد أن يصرخ قائلاً: «آرامياً تائهاً كان أبي»، فهو يقصد أن الجمع الذي يتحدث إليه، ومن ضمنهم هو ذاته، هم أبناء يعقوب أو إبراهيم اللذين لهما صلة آرامية. لكن هذه الترجمة الشائعة لم ترض كثيرين، قديماً وحديثاً. فهي لا تروي الغليل أبداً. لذا قدمت ترجمات أخرى، لكن على افتراض أن المشكلة تكمن في كلمة «أبد»، أي من دون التعرض إلى كلمة «أرمي». وسوف نحاول أن نفهم هذه الجملة الغامضة بناء على فرضين رئيسيين:
الأول: أن المشكلة ليست في كلمة «أبد»، التي تترجم على أنها: تائه، ضائع، منته، إلخ، بل في كلمة «أرمي»، إذا ازحنا التشكيل منها. عليه، فإذا فهمت هذه الكلمة فهماً سليماً، سيفهم النص، ونرتاح من محاولات تفسير كلمة «أبد» أو تصحيحها. ثانيا: أن موسى يتحدث عن نفسه حين يطلب من أتباعه أن يصرخوا: «آرامياً تائهاً كان أبي»، ولا يتحدث عن يعقوب أو إبراهيم.

القاتل الهارب
الفرض الأول يقول إن كلمة «أرمي» التي شُكّلت على أنها «آرامي» لا تعني رجلاً آرامياً، بل هي كلمة تشير إلى طراز من القتلة في المجتمعات البدوية القديمة، وتحمل أسطورتهم. فالأرامي هو: القاتل الهارب، المطلوب دمه، التائه في البراري. هذا هو المعنى الحرفي والدقيق للكلمة التوراتية. والغريب أن هذه الكلمة كانت ما زالت حية في جنوب ليبيا حتى مطلع القرن العشرين بين قبائل التبو والجرعان. وأغلب الظن أنها ما زالت حية ومستخدمة بهذا المعنى حتى الآن. وقد وردنا خبر استخدام هذه الكلمة بالمعنى الذي أشرنا إليه عند رحالة مصري كبير صار منسياً هذه الأيام، هو أحمد محمد حسين، الذي قام عام 1923 برحلة بين السلوم وكردفان. وقد سجل رحلته في كتاب أسماه «في صحراء ليبيا»: «وفي بكرة اليوم أخذ «أرامي»، أخو ملكني، كيساً وذهب يلتمس الحطب، واسمه ينم عن قصته، لأن قبائل التبو والجرعان تطلق اسم «أرامي» على من قتل آخر» (أحمد محمد حسين، في صحراء ليبيا، بلا تاريخ طباعة أو دار نشر، ص 242).
ويضيف في مكان آخر من الكتاب: «ولم نكد نبدأ المسير حتى وجد بوكاره وأرامي- وهو غير ذلك الذي هام في الصحراء واختفى، ولكنه مثله قتل رجلا آخر» أثر ورن «برص» واشتغلنا بالبحث عنه [عن الورن]» (المصدر ذاته).
قايين كان قاتلاً مقدساً، أي أنه كان يقوم بمهمة تحريك الفصول وتبديلها


إذن، «الأرامي» هو من قتل غيره عند قبائل التبو والجرعان التي ظلت تطلق، حتى الآن، هذا الاسم «على من قتل آخر»، وأصبح مطلوباً للثأر هارباً. ولا يمكن لنا أن نشك في دقة نقل الرحالة المصري للكلمة، ولا في فهمه لمعناها. فقد صادف في رحلته اثنين ممن يدعون «أرامي» وليس واحداً فقط، كما رأينا أعلاه. والتقاؤه بأراميين اثنين في رحلته، يشير إلى أن هذا الطراز من القتلة شائع الوجود في المجتمع القبلي في جنوب الصحراء الكبرى. وأغلب الظن أنه كان في الماضي شائعاً في المنطقة كلها سابقاً.
وهكذا، فحين يقتل أحد أحداً آخر ويهرب، يدعى «أرامي». أي أنه ينسى اسم القاتل الأصلي ويلصق به لقب «أرامي»، مثلما لحظنا في النصين السابقين. فالرحالة المصري لا يذكر الاسم الأصلي للقاتلين (الأراميين) اللذين صدفهما في رحلته. فأخو ملكني دعي أرامياً، لكن من دون أن نعرف اسمه قبل أن يقتُل. لقد نسي اسمه الأصلي، وصار «أرامي» أو آرامياً. وكذلك الأمر مع أرامي الثاني. بناء على هذا، ربما كان علينا أن نترجم آية سفر التثنية التي تقول: «آرامياً تائهاً كان أبي» كما يلي: «قاتلاً تائهاً كان أبي». هذا هو معنى الجملة في ما يبدو.
يؤيد هذا أن جذر «أرم» العربي يعني: الهلاك والقطع. يقال أرمتهم السنة أرماً: قطعتهم. وأرض أرماء ومأرومة: لم يترك فيها أصل ولا فرع. وأرم المال: فني. والروم: قبور قوم عاد. يضيف الحربي في «غريب الحديث»: «أرم القوم أرماً: إذا هلكوا». أما جذر «أبد» في العربية، فيعطي معنى التوحش. التأبد: التوحش والانعزال عن المسكون. وأبد الرجل، بالكسر: توحش. ومنه يقال عن الوحوش الأوابد، وهي التي توحشت ونفرت من الإنس. وأبدت البهيمة تأبد وتأبد أي توحشت. وهذا ما قد يتوافق مع فكرة قاتل هارب متشرد: «أرامي أبد أبي». فالقاتل الهارب يفر من الناس، ويبتعد عن المسكون. عليه، فترجمة «أبد» إلى «تائه» مناسبة إلى حد ما، لكن وربما كان المعنى الأدق «هارباً» أو «شريداً».
بناء عليه، فكلمة (أرامي) لا علاقة لها بالشعب الآرامي. أي أن نص سفر التثنية لا يتحدث عن آرام الشعب المعروف، بل عن قاتل هارب تائه.

موسى: القاتل التائه
كان فرضنا الثاني؛ أن الأرامي «القاتل» في سفر الثنية هو موسى ذاته وليس يعقوب ولا إبراهيم؟ وأن يكون موسى قاتلاً، فهذا أمر لا شك فيه. فقصة قتله للرجل المصري معروفة تماماً في سفر الخروج: «فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من إخوته. فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل. ثم خرج في اليوم التالي وإذا رجلان عبرانيان يتخاصمان. فقال للمذنب لماذا تضرب صاحبك. فقال من جعلك رئيساً وقاضياً علينا. أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري. فخاف موسى وقال حقاً قد عرفت الأمر. فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يقتل موسى. فهرب من وجه فرعون وسكن في أرض مديان» (الكتاب المقدس، خروج 2: 11-15). أما القرآن، فيردد قصة فعلة موسى وهربه في سورة القصص: «فوكزه موسى فقضى عليه». يضيف «فأصبح في المدينة خائفاً يترقب»، ثم «جاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك فاخرج» (سورة القصص الآيات:15، 19-20). وقد خرج موسى بالفعل كقاتل تائه، حتى وصل إلى صحراء مديان. أي أنه قاتل هارب تائه في الصحراء مثله الذين حدثنا عنهم الرحالة المصري. ويبدو أن الإقرار بالقتل الطقسي عن طريق القول «قاتلاً تائهاً كان أبي» كان ممارسة دينية ضرورية. فعلى القاتل الطقسي أن يفعل ذلك حتى يحتل مكانه الديني، في ما يبدو. لهذا طلب موسى من اتباعه أن يقولوا وراءه: «قاتلاً تائهاً كان أبي»، فهو أبوهم الديني.

أسطورة القاتل التائه
وأسطورة القاتل التائه كانت تعم المنطقة كلها في الماضي. ولدينا مثل ممتاز على هذه الأسطورة في قصة قابيل وهابيل التوراتية القرآنية. فقد قتل قابيل، أو قايين في العهد القديم، أخاه، فقال له ربه: «تائهاً وهارباً تكون في الأرض. فيكون كل من وجدني يقتلني» (الكتاب المقدس، تكوين 4:13). وهذا هو حال القاتل التائه الشارد في جنوب ليبيا، الذي يهرب لأن دمه مباح للجميع. وكما نرى فقتل قاتل تائه في الأرض، مثله مثل الأرامي عند قبائل التبو والجرعان.
لكنّ «أراميي» التوراة مختلفون قليلاً عن أرامي التبو والجرعان، الذين رآهم الرحالة المصري. ويمكن لنا أن نسمي هؤلاء بالقتلة المقدسين. فهم يقومون بقتل طقسي يرمز في ما يبدو إلى الانقلابات الصيفية والشتوية، إلى نغمتي الكون المركزيتين، حيث تزيح النغمة الصيفية النغمة الشتوية، وتقتلها، ثم العكس في تتابع دائم. ويصور الصراع المتواصل بين هاتين النغمتين أحياناً كثيرة على شكل صراع بين رجلين، أو أخوين، يقتل فيه أحدهما الآخر، ويهرب كي يهيم في البراري.

علامة قايين
القاتل المتشرد التائه في الصحراء، أي الأرامي، مهدد بالقتل من أهل القتيل ومن غيرهم بعدما صار دمه مباحاً. إنه في خطر دائم كل يوم وكل ساعة. وبما أن قايين (قابيل) قاتل هارب مثل هؤلاء، فالسؤال هو: لماذا وضع الله له علامة كي يحميه؟ فقال له الرب لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده» (الكتاب المقدس، تكوين: 4: 15-16). نعم، لماذا جعل له الرب «علامة لكي لا يقتله كل من وجده»، رغم أنه قتل أخاه؟ إجابة جيمس فريزر المشهورة في «الغصن الذهبي» أن العلامة توضع لحماية القاتل من روح القتيل. وهو يدلل على ذلك بالآيات التي سبقت الآيتين أعلاه، والتي تقول: «ماذا فعلت. دم أخيك صارخ إلي من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاهاً لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت في الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائهاً وهارباً تكون في الأرض» (الكتاب المقدس، تكوين: 4: 11- 12).
يقول فريزر تعليقاً على هذا النص: «من هنا يتضح أن دم الأخ المقتول يشكل خطراً طبيعياً على القاتل، فقد لوث دم القتيل الأرض، ومنعها من أن تفيض بخيراتها. ومن ثم كان الاعتقاد في أن القاتل قد بث السم في منابع الحياة، ونتيجة ذلك فقد عرض مصدر طعامه، وربما طعام غيره للخطر. ومن المسلم به، بناء على وجهة النظر هذه، أنه يتحتم معاقبة القاتل وطرده من البلد الذي يشكل وجوده فيه خطراً على الدوام» (جيمس فريزر، الفولكلور في العهد القديم، الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة د. نبيلة إبراهيم، ص 74). ويضيف: «وبناء على ذلك فربما كان القصد من تعليم قابيل بعلامة هو إظهاره للشبح (شبح القتيل) بمظهر كاذب. أو ربما كان الغرض منها إظهاره في صورة منفرة أو مفزعة حتى لا يتعرف عليه شبح القاتل، أو على الأقل يتجنبه» (المصدر ذاته، ص 88).
حسنا، أن يحاول القاتل خداع شبح القتيل، فهذا أمر يمكن تقبله. لكن، لماذا يتقدم الله، ممثل العدالة، كي يحمي قاتلاً هدر دم أخيه وسمم به الأرض؟ لماذا يضع له علامة تحميه من شبح القاتل، أو من غيره، وتجعل من غير الممكن التعرف عليه؟ ولماذا يهدد من سيقتله بعقاب مضاعف: «فقال له الرب لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه». لماذا يعطي الله قايين القاتل هذا الامتياز؟ إن هذا لتصرف غير عادل وغير مقنع أبداً. وفريزر لا يجيبنا على هذه الأسئلة إجابات شافية. فوق ذلك، فإن النص التوراتي لا يتوافق مع تفسير فريزر بخصوص من يهددون قايين، فهو يقول «كي لا يقتله كل من وجده». أي أنه ليس شبح القتيل من يهدد القاتل، بل «كل من وجده» من الناس. فالقاتل معروض للجميع. دمه مباح، وكل واحد يمكنه أن يقتله.

حقن الدم
قبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال، ربما كان من المفيد لنا أن نتحدث عن دم القتيل، وعن شبحه، الذي تحدث لنا عنه جيمس فريزر. وسوف نأخذ مثلاً مقتل جذيمة الأبرش على يد الزباء، التي «أمرت به فاجلس على نطع وقطعت رواهشه. ويروى في طست من ذهب تفاؤلاً أن يذهب دمه هدراً. وكان قد قيل لها: تحفظي بدمه، فإنه إن وقعت قطرة منه على الأرض طلبت بثأره. فلما ضعفت يده سقطت، فقطر منه في غير الطشت شيء، فقالت: لا تضيعوا دم الملك. فقال: دعوا دماً ضيعه أهله، ومات» (الحسن اليوسي، زهر الأكم في الأمثال والحكم، الجزء الأول، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1981، ص 191).
في هذا النص الأسطوري، يتضح أن مصير دم الضحية يحدد، بالفعل، إن كان شبح القتيل سيطالب بالثأر، وإن كان أهله، من ثم، سيطلبون بالثأر لدم ابنهم. من أجل هذا، فقد طلب من الزباء أن «تحقن» دم جذيمة، أي أن تمنعه من السقوط على الأرض. ذلك أن سقوطه على الأرض هو المشكلة. فالدم يجمد حال نزوله إلى الأرض ولا يغور في أعماقها، بينما تتقبل الماء الذي ينزل إلى أعماقها، ليعود من جديد عبر المطر أو الفيضان. يعني أن الأرض لا تستطيع تقبل الدم. إنها تبصقه في الواقع. وبما أن الدم هو الروح، فإن هذا يعني أن تظل روح القتيل هائمة تطالب بالثأر. ومن الواضح أن قايين لم يحقن دم أخيه، ولم يحافظ عليه مثله مثل الزباء. لقد أهدره، أي أسقطه على الأرض. وهذا واضح تماماً من الجملة التي تقول: «ماذا فعلت؟ دم أخيك صارخ إليّ من الأرض». لقد أسقط دم أخيه على الأرض. لقد اقترف هذا الذنب الخطير. وها هو الدم يصرخ ويلعن.
لكن لنعد إلى السؤال الذي طرحناه سابقاً، وهو: لماذا يضع الله علامة لقايين القاتل، الذي ضيع دم أخيه على الأرض، لتمنع أياً كان من قتله؟ ولماذا يعاقب من سيقتله سبعة أضعاف؟
نعتقد أن الإجابة تكمن في أن قايين لم يكن قاتلاً عادياً. كان قاتلاً مقدساً. أي أنه كان يقوم بمهمة تحريك الفصول وتبديلها. أي أن قتله تمثيل لدور في المسرحية الكونية، مسرحية تغير الفصول، بغض النظر عما إذا كان تمثيل الدور يقتضي قتلاً فعلياً، أو قتلاً شكلياً مسرحياً، كما نميل إلى القول. ولا بد أنّ كهاناً كثيرين مثله ومثل موسى مثلوا ـ في ما بعد ـ دور القاتل الطقسي، وتاهوا في الصحراء فترة ما. فهذه الفترة تؤهلهم للعودة إلى الحياة العادية. ومن أجل حمايتهم في هذه الفترة الحرجة، كان لا بد من وضع علامة على وجوههم أو أجسادهم حتى يعرف الناس أنهم ليسوا قتلة مشردين عاديين فيقتلونهم من دون خشية من أي ردة فعل، بل هم قتلة مقدسون لا يجب التعرض لهم.
هذا هو في اعتقادنا معنى علامة قايين. إنها علامة حماية للقاتل الرمزي المقدس، لا غير.
* شاعر فلسطيني