كأن روايته الأخيرة «قطعة جحيم لهذه الجنّة» (2017)، لم تكفه لتسديد فاتورة الحرب، وتشريح أشلاء الجغرافيا الممزّقة للبلاد، والتنبيه عن قرب الهاوية. هكذا عاد عادل محمود (1946) إلى مراجعة يومياته التي كتبها على صفحته في الفايسبوك خلال سنوات الجحيم، لفحص نسبة الألم إلى الأمل، كنوع من التأريخ الشخصي في مقاومة النسيان.

في كتابه «خيانة المستحيل» (دار التكوين- دمشق) يدير بكرة الشريط إلى الخلف، يتأمل الصورة لحظة التقاطها، وإذا بها تتكشّف عن فجيعة مبكّرة غير قابلة للخداع، فيما كان الآخرون وقتها، يتمترسون في خنادق الأوهام «يكفي أنني رأيت ما سيأتي قبل أن يأتي، وحذّرت مما نحن ذاهبون إليه، قبل أن تصبح الهراوات بنادق، والبنادق مدافع، والمدافع صواريخ عابرة للقارات» يقول. على أن هذه الخبرة بطبقات الجحيم المنتظر، لا تأتي هنا من موقع العرّاف، بقدر ما هي تفكيك شيفرة بلاد لطالما كانت على حافة الهلاك. وتالياً، فإن فكرة تمجيد «الحرية»، لن تجد صعوبة في الانزلاق إلى «الطائفية». سيحضر الشاعر بكامل حكمته ونزاهته محاولاً ترميم العطب والإشارة إلى مكمن الخلل «أعطني كتيبة من الشرفاء، وسوف أهزم لك جيشاً من اللصوص».
في هذه اليوميات لا يكتفي الشاعر والروائي السوري بالفرجة على هذا السيرك المأسوي المستمر منذ سنوات، إنما يقف على الحدود المتنازع عليها «تجنباً للمتاريس المغشوشة» ولكي يرى الحقيقة بوضوح، ولا يغرق في التعصّب. لكن هذا الموقف سيجلب على صاحبه الاتهامات من الخندقين، على رغم سهولة تسجيل الاسم في هذه الخانة أو تلك، من دون أن يتخلّى عن فكرة «الحرية والكرامة»، أو عدم تجاهله «خريطة طريق للكارثة»، مطالباً بـ «الحوار وليس بالخوار» للنجاة من «غبار سنابك الماضي». يوميات مشحونة بالأسى واليأس، وبجرعات من الأمل المباغت بانتهاء المذبحة، فالطريق إلى العدالة لا يحتاج إلى سكاكين البغضاء، وإفناء الآخر كعدوٍ متخيّل، ذلك أن الهزيمة ستصيب الجميع بندوبها العميقة.

سيهجي «اليساري التائب» بوصفه «كارثة معرفية وجمالية»


وعلى رغم أن معظم ما تجذبه صفحات الفايسبوك من تعليقات يقع في باب العابر والعنتريات اللفظية، إلا أن امتياز صاحب «إلى الأبد ويوم» في يومياته، يتجاوز ما هو سطحي نحو ما سيبقى كشهادة نزيهة وشجاعة ونبيلة في وصف وتحليل ما حدث، وما يمكن أن يحدث غداً، بعيداً من حفلات المبارزة بالسلاح الأبيض بين فيالق الحمقى في الموقع الأزرق. هناك نصوص أخرى تتسرّب إلى يوميات الحرب، من دون أن تغادرها تماماً، لكنها تحفر سوسيولوجياً في إعادة تشييد ما تهدّم في السلوكيات والقيم، وقراءة الفرق بين اللغة واللعنة، والوطن والمستوطنة، والعاطفة والعاصفة، والمأتم والعرس، وتشيخوف وكلاشينكوف، والجامع والجامعة. يقول: «انتهت حصتنا من الحلم. الآن، أتسلّى بنصيبي من الكابوس». هذا التأرجح بين الحلم والكابوس هو ما يحكم هذه اليوميات، تبعاً لحجم الخسائر وفظاعة المشهد، وغزارة عمل مطحنة الموتى، ما جعله يدعو النحّاتين إلى فرصة عمل أكيدة «شاهدة على كل قبر». لا يبغي صاحب «قمصان زرقاء للجثث الفاخرة» توثيق المذبحة، وإنما يذهب إلى أسبابها، وطريقة إسدال الستار على هذا الكابوس «السلاح يحمي الديكتاتورية لبعض الوقت، ولكنني لست متأكداً، أبداً، أن السلاح يبني الديموقراطية، في أي وقت». كان هذا الرأي في السنة الأولى للحرب، ليجد نفسه لاحقاً في مقامٍ آخر «أنتم ذاهبون، بوضوح لا لبس فيه، إلى الحرب الأهلية». ثم سيهجي «اليساري التائب» بوصفه «كارثة معرفية وجمالية»، بانصياعه للمال السهل من «مراكز شراء الذمم والضمائر». هكذا ترتفع وتيرة السخط تدريجاً في مواجهة ذرائع العنف والفوضى والزيف. يلجأ الشاعر لا المؤرخ إلى تدوين رغباته المستحيلة على رغم بساطة تحقيقها «عاصمة المصالحة الوطنية: أي مقهى في دمشق، وليس أي جنيف في العالم». الكتابة هنا عملية صيانة لتزييت عجلات العربة المعطّلة، كي لا تنحدر نحو الهاوية التي ليس لها درج. وسيعترف عادل محمود بهشاشة موقع الشاعر في ساحة الخراب، فهو ذلك الذي يحمل في قصائده غصناً لا عصا. وستنعطف تدويناته إلى فضاءٍ آخر، بعدما صارت الحرب أمراً واقعاً، وتكراراً لمشهدية الموت اليومي، من دون أمل ببزوغ ضوء في عتمة النفق الطويل: «عملت نصف قرن في تربية ماعز الأمل، والنصف الثاني أقضيه في مهنة أحبها: سقاية السراب». هكذا تصير الذات بؤرة ومحوراً في النظر إلى المشهد العام في احتضاره وانكساراته وهزائمه، كما لو أنها مسوّدة غير منتهية لنصّ شعري قيد الكتابة، لجهة المفردات ومنسوب الأمل أو الخيبة، مستحضراً أرواح من غابوا، ومن غيّبتهم المنافي، في مراثٍ ذاتية، كأنه يعتذر عن فائض حياته في غيابهم. يقول مختتماً أنطولوجيا الخراب «الشجن يجب ألّا يسد ثقوب الناي».