حيث لا تنتهي الحرب أبداً

انتبهوا..
هذا الرغيفُ الأبيض الفاخر،
الذي يظهر كل ليلة،
في السماء،
ويبدو نحيلاً ـ أحياناً ـ
كعودِ قَصب،
ومستديراً
ـ أحياناً ـ
كقُرطٍ في أذنِ الغيم،
ليس قمراً،
صدِّقوني،
إنه آخر ما تبقى من دموعِ أجدادِنا،
الذين ماتوا في سالفِ الأزمان،
ببطونٍ خاوية.

رسم للتشكيلي العراقي حيدر سالم إسكندر (حبر وأقلام ملونة)

هذا الرذاذُ الخفيفُ،
الذي يسقط في الخارج،
ـ الآن ـ
فيوحِل الأرضَ،
تحت أقدامنا،
ليس مَطراً
ـ ولا يَحزنونْ ـ
إنه عرقُ أجدادِنا،
الذي جمَعَه ملوكُ الأزمنة الغابرة،
وخبَّأوه ـ كالعادةِ ـ
في عَباءةِ السماء،
ليروي الأرضَ التي يحرسُها الأحفادُ
إلى الأبدْ.

هذا الشاطئ،
الذي يتمدد كمَخدعٍ للأشجار والعصافير،
وتلك المياه التي تجري منسابةً
إلى الجحيم،
ليست نهراً،
بل دموعُ أمهاتٍ فقدنَ أبناءهنّ في الحرب،
وبعد عصورٍ سَحيقة،
قرَّرت هذه الدموع،
أن تلقي نفسَها في البحر،
بسببِ هذه الحرب،
التي لا تُريدُ
ـ أبداً ـ
أن تنتهي.

علَّق ابتسامتَه في الشرفةِ.. ومات
لم يمُت «مفتش الآثار» التعيس،
أبداً،
بهذه الطريقة العجيبة،
لأنَّ روحه المرحة،
لا تزال تلوِّح لليمام في السماء،
رغم أنهم كفنوه
قبل خمسة عشر عاماً،
في تلك المدينة القديمة،
التي تدفنُ رأسَها في البحر،
بينما كان وجهُه يبتسم
تحت «فيونكة» الكَفن،
كما لو كان،
وجه رجلٍ سَعيد،
يبتسم بخُبثٍ للدود
الذي يأكل ابتسامَته،
كرجل من يُناكف خطاياه
إلى الأبد.
يبتسم «المفتش» مُضطراً،
لأنَّ الموتَ يأتي
حين لا يكونُ المرءُ جاهزاً،
لقد خرج السرُ الإلهي،
بينما كان العجوز يجمع الغسيل،
ساعة العصاري
في«بالكونة» عرجاء،
مرتدياً ملابسَه الداخلية
مادّاً يديه الطويلتين
فوق الحَبل،
ضاحكاً من كل قلبه،
على هذا العالم،
الذي جفَّفته الأيامُ،
بين يديه.

ليتني شَجَرَة
ليتني..
بعد أن أموتَ
وتصير العظامُ تراباً،
أن أتحوَّل ـ ذاتَ مرَّة ـ
إلى شَجَرة،
ينامُ الناسُ تحتَها،
يبتسمون ويأكلون كلَّما شاءوا،
وحين تجف الحياةُ في بدني،
وتصير القامة يابسةً،
تماماً،
من كثرةِ الحنين إلى الثمار،
أصيرُ جِسْراً ميتاً بين ضفتيْن،
لا يُمكنني أن أصحو،
إلا كلما مرَّت أحذيةُ الفقراء على رأسي.

الأربعون
المجدُ للطريقة التي
نتسلل بها
حين نبلغ الأربعين،
خارجين من
البيوت الدافئة،
دون أن يلحظنا أحد،
المجدُ للأشباح التي نرتديها
ونحن ذاهبون
إلى الخديعة،
وحين نعود
نخلعها على الأبوابِ بسرعة
لنشمّ بعُمقٍ
هواءَ البيت.

*. عيدُ الحب

حتى اليمامة،
تأتي كل ليلةٍ مع عشيقها،
إلى حُفرةٍ في الجدار،
حيث يعبُر سِلك «التكييف»
الخاص بغرفةِ نومي.

*. تُراب

أريدُ قبل أن أموت،
أن أشتري مقبرةً واسعة
ذات قبة عالية
أموتُ فيها بمفردي،
وينقشُ أبنائي فوق رخامها اسمي،
بخَطٍ أنيق،
أُريدُها معزولةً في الرِّيف،
هناك،
تحتَ شَجرٍ هادئ،
حيث يفزع الجميع وهو يمر بجواري،
إلّا العشاق،
الذين اعتادوا الاعتراف بحبِّهم،
هنا،
كلما مرَّوا بجوار حَجرٍ،
يخفقُ تحتُه
تُرابُ قلبي.

* القاهرة/مصر... القصائد مُسْتَلَّةٌ من ديوان يصدر قريباً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، القاهرة، تحت عنوان «الأيامُ حين تعبرُ خائفة»