الجنوب ميثولوجيا مقرّ السعادة، لأنه مقر الانبعاث والتجدد. وهو يتمثل في السماء بنجوم برج الجوزاء (الجبار) وما حولها، أي كوكبة الكلب الأكبر، التي تضم نجم الشعرى اليمانية، إضافة إلى سهيل اليماني الذي يقع على مبعدة من الجبار. ونجوم هذه المنطقة تظهر وتغيب، ثم تظهر ثانية. أي أنها عملياً تموت ثم تنبعث من جديد. بذا، فبرج الجوزاء رمز الانبعاث.

أما الشمال فعلى الضد من ذلك. إنه مقر الحزن والبكاء. وهو يتمثل في السماء بنجوم الدب الأكبر في الشمال، وعلى الأخص ببنات نعش. ونجومه ثابتة لا تغيب لكي تظهر من جديد. بذا فهو رمز الثبات والخلود. لكنه خلود الأموات في الحقيقة. من أجل هذا، فنحن هناك من نعش (بنات نعش)، أي مع الموت.
بذلك يمكن القول بأن مركز برج الجوزاء يمثل مهداً ما. فهناك أربع نجوم تمثل مستطيلاً بداخله ثلاث نجوم تبدو كما لو أنها تمثل طفلاً في مهده. في حين أن مربع بنات نعش هو نعش الميت.
ولأن الجنوب هو السعادة، نجد أن الجبل الجنوبي في نابلس الفلسطينية (جبل جرزيم) هو «جبل البركات»، في حين أن الجبل الشمالي (جبل عيبال) الشمالي في المدينة ذاتها هو «جبل اللعنات»، كما تخبرنا التوراة: «وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها فاجعل البركة على جبل جرزيم واللعنة على جبل عيبال» (الكتاب المقدس، تثنية 11: 29).

بنات نعش المربع والبنات

الجنوب بركة، والشمال لعنة. لذا فنجوم برج الجوزاء نجوم سعيدة، وجالبة للسعادة. وخذ هذا النص الذي يعلن ذلك التيفاشي في «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس»: «النظر إلى القطب الجنوبي (أي برج الجوزاء) وإلى سهيل معاً في وقت واحد يزيل المالنخوليا (الحزن والكآبة)، وذلك بأن ينظر العليل إلى هذا القطب، ويديم النظر إليه ليلة بعد ليلة دواماً كثيراً. وقد جُرّب فصَحّ. وهذا مما يدلل على أن لهذا القطب وهذا الكوكب خاصية في إحداث الطرب والسرور في الناس».
وكما نرى، فالنظر باتجاه القطب الجنوبي وسهيل اليماني معاً يزيل الكآبة ويستجلب الفرح. والحق أنه نظر قديماً لسهيل اليماني على أنه النظير الجنوبي للنجم القطبي الشمالي. إنه نجم القطب الجنوبي. أكثر من ذلك، يبدو أن النظر إلى سهيل يشفي من البرسام الذي هو مرض في الرئة: «وحكي عن بعض علماء العرب: النظر إلى سهيل يشفي من البرسام، ولذلك يقول مالك بن الريب:
أقول لأصحابي ارفعوني فإنني
يقرّ بعيني أن سهيل بدا ليا (المرزوقي، الأزمنة والأمكنة).
وهكذا فقد استبشر مالك بن الريب بالشفاء حين بدا سهيل لعينه.
ولأن الجنوب سعيد، فإن إفريقيا السوداء التي تقع قريباً من مدار سهيل اليماني، الذي يعني اسمه سهيل الجنوبي، تعيش السعادة الدائمة: «ولذلك أن الزنج لما كانوا متقاربين من مدار سهيل كان فيهم خاصية الطرب الشديد» (التيفاشي، سرور النفس). ليس لدى الأفارقة مانخوليا. سهيل اليماني، أي الجنوبي، يبدّد هذه المانخوليا. يطلع فوق رؤوس هؤلاء ويمسح بيده كآبتهم. وهذا ما يقوله القزويني أيضاً: «ولا يرى زنجي مغموم أبداً. الغم لا يدور حولهم، والطرب يشملهم كلهم. قال بعض الحكماء: سبب ذلك اعتدال دم القلب. وقال آخرون: بل سببه طلوع كوكب سهيل عليهم كل ليلة، فإنه يوجب الفرح» (القزويني، آثار البلاد وأخبار العباد). وهكذا، فأفريقيا السوداء مقر السعادة والفرح والطرب لأنها مقر مدار سهيل اليماني الجنوبي. كل من يقعون تحت نجم سهيل اليماني يكونون سعداء. وسكان أفريقيا السوداء لا يقعون تحت سهيل اليماني ومداره فقط، بل هم يقعون بعيداً عن الشمال وبنات نعش، ولا يرونهما: «بحر الزنج: وهو بحر الهند بعينه. وبلاد الزنج منه في جانب الجنوب تحت سهيل، وراكب هذا البحر يرى القطب الجنوبي ولا يرى القطب الشمالي ولا بنات نعش» (ابن الوردي، خريدة العجائب). فبنات نعش هي التي تجلب النكد والمانخوليا.
مستطيل برج الجوزاء وبداخله نجوم «جزام الجوزاء»

واسم اليمن كبلد يعني «الجنوب». إنه جنوبي مثل سهيل اليماني- الجنوبي. ولأنه كذلك، أي لأنه جنوبي، فلا بد لهذا البلد أن يكون سعيداً أيضاً. من أجل هذا سمي باسم العربية السعيدة Arabia Felix، عند اليونان. هذا الاسم ليس نابعاً من ثرائه القديم كما يظن، بل من كونه جنوبياً أساساً وأولاً. سهيل اليماني وبرج الجوزاء يقفان فوقه ويمنحانه السعادة. هذه جذر التسمية اليونانية وليس أي شيء آخر في اعتقادي.
ومن المحتمل أن الحديث النبوي «الإيمان يمان والحكمة يمانية» يحمل صدى هذا المعنى. أي أن الحديث يقول: الإيمان جنوبي، والحكمة جنوبية. دليل ذلك أن هناك صيغة للحديث تشير إلى الاتجاهات: «الإيمان يمان والكفر من قبل الشرق».
أما قرينة سهيل اليماني (الشعرى العبور اليمانية) فهي يمانية، أي جنوبية، مثله. واعتقادي أن الشعرى على علاقة بالعزى المكية. لذا توصف العزى بأنها سعيدة (العزى السعيدة). يقول: «درهم بن زيدٍ الأوسي: إنى ورب العزى السعيدة والله الذي دون بيته سرف» (ابن الكلبي، الأصنام). وهي سعيدة لأنها يمانية، أي جنوبية، مثلها مثل الشعرى العبور اليمانية. وظني أن اللات على علاقة بسهيل. لذا يجب أن يكون اللات سعيداً مثله.
سهيل اليماني وبرج الجوزاء يقفان فوقه ويمنحانه السعادة


ويبدو أن «ملكة التيمن» التي ورد ذكرها في إنجيل لوقا يجب أن تفهم على أنها تعني: ملكة الجنوب أو الملكة الجنوبية: «ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم، لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان» (إنجيل لوقا: 11:31).
وإذا صح هذا، فإنه يضع احتمال أن «ملكة التيمن» عديلة «الشعرى العبور اليمانية»، أي أن «التيمن» تعني «الجنوبية» مثلما أن «اليمانية» تعني «الجنوبية». وهو ما يعني أن الشعرى وملكة التيمن سعيدتان بالضرورة. فهما تقيمان في الجنوب السعيد، لا في الشمال المخيف.
على أي حال، فإن هذا الانقسام هو أصل التشاؤم من اليد اليسرى. فحين تقف صباحاً في وجه الشمس المشرقة، تكون يدك اليسرى إلى الشمال، ويدك اليمنى إلى الجنوب، أي تكون هذه اليد جنوبية. والشمال شؤم واليمين يُمن وتفاؤل.
* شاعر فلسطيني