كنا أعربنا في مداخلات سابقة عن استغرابنا لغياب مؤلفات علمية ملتزمة بأقلام عربية، وفلسطينية على وجه الخصوص، للمسألة الفلسطينية قضية وتاريخاً. لذلك، فإن كتاب «فلسطين: أربعة آلاف عام من التاريخ» (Palestine: A Four Thousand Year History. zed books 2018. 304 pp. nur masalha) ينقل لنا مفاجأة سارّة. ذلك أن نور مصالحة مؤرخ وأكاديمي وكاتب فلسطيني من مناطق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وهو عضو في مركز دراسات فلسطين في «كلية الدراسات المشرقية والإفريقية» SOAS التابعة لجامعة لندن، ومحرر مجلة «الأرض المقدسة ودراسات فلسطين» وصاحب أعمال أخرى عن فلسطين. أصدر مصالحة هذا المؤلف التاريخي الشامل عن فلسطين، وما ارتبط بذلك من قضايا سياسية واجتماعية وفلسفية...

قدم عرضاً متباين التفصيل، لتاريخ فلسطين الطويل منذ أقدم إشارة إلى الإقليم، الذي يمتد إلى بضعة آلاف من الأعوام. وكما هو متوقع، هو معقد إلى حدّ ما ومتداخل. نرى الكاتب يستشير النصوص الفرعونية والآشورية، ويتقصّى كيفية تطوّر فلسطين الإقليم والهوية الفلسطينية والتواريخ واللغات والثقافة والحضارات عبر العصور ابتداءً من العصر البرونزي (3300-1000 ــ قبل التأريخ السائد: ق ت س) إلى يومنا هذا. يستعمل الكاتب الوصف الخلاصي «قبل الميلاد» و«ميلادية»، لكن ذلك لا يؤثر في التزام المؤلف الدقيق بالعلم.


التقصّي آنف الذكر يوضح كيف أن تحريف تاريخ فلسطين متعدّد الحضارات أو الثقافات (multicultural) وأسطرته (mythologized ـــ الأصح تحويله إلى خرافة - ز م) تم بواسطة الحكايات التوراتية والصراع الصهيوني-الفلسطيني. يستشير الكاتب في رحلته الاستقصائية الأكاديمية هذه ما توافر من مراجع، أولية على نحو خاص، ويبين أن المفهوم (concept) فلسطين ليس اختراعاً حديثاً، وليس تركيباً في مواجهة المفهوم «إسرائيل»، وإنما متجذر في الماضي العتيق. لذلك، فإن فلسطين تمثّل السرد ذا السلطة أو الجازم عن تاريخ هذه البلاد.
من أولى المشاكل التي تواجهني عند الاطلاع على مؤلفات عربية عن تاريخ فلسطين، ميلها للخطاب الحماسي ومزج السياسة بالتاريخ والفكر بالأساطير! تمكن الكاتب من تفادي ذلك، رغم أن الموضوع مثقل بحساسيات السياسة والفكر والديانات وتأويلاتها، وأوضح أن مؤلفه ليس برنامجاً سياسياً أو أجندة عمل فكري وما إلى ذلك. صحيح أن المؤلف قد يقود إلى استنتاجات سياسية تكمن في وضع التأريخ الصهيوني للبلاد في موقعه الصحيح، أي ضمن الحكايات والخرافات والأساطير.
التزام الكاتب بالمعايير العلمية أثار كما هو متوقع غضب الصهاينة، ونال تقريظ أهل الاختصاص، ما جعل مؤلفه هذا يرمي بمؤلفات الصهاينة والجهلة والعملاء الخونة في مزبلة «التاريخ المزور» fake history.
من الأمور التي يوضحها هذا المؤلف أن الفلسطينيين هم أهل البلاد، وجذورهم ضاربة في أعماق ترابها، وهويتهم الأصيلة وإرثهم التاريخ سبق ولادة الحركة الوطنية الناشئة في العهد العثماني المتأخر وظهور الحركة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية قبل الحرب العالمية الأولى.
يبين الكاتب أن البلاد وجدت قبل العصبية القومية (nationalism) والسرديات الكبرى (metanarratives) للأمة الدولة (nation-state). مفهوم فلسطين وحدة جغراسياسية وبلاد «بلادنا/ بلادنا فلسطين» ذات حدود نشوئية، أي في حالة حركة، لكن محدودة، تطورت تاريخياً وما زالت. فهوية فلسطين وثقافاتها كائنات حية، تتغير وتستنبط وتتطور، ذات هويات دينية متعددة وإرث متعدد الثقافات والحضارات وهوية متعددة الطبقات، متجذرة في تاريخ البلاد والإقليم القديم. لذلك، فإن فلسطين فلسطينية، ولم تكن يوماً يهودية [!] إما كلياً أو جزئياً.
يوضح الكاتب أن مؤلفه يتحدى النظرة الغربية لتاريخ فلسطين من خلال الحديث عن الأرض وليس عن أهلها. في منظور الغرب، فلسطين أرض ليس غير، ولا وجود للفلسطينيين ما يدعم المقولة التضليلية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
بالعودة إلى الاسم فلسطين، يوضح الكاتب وروده للمرة الأولى في 3200 ق ت س، مضيفاً أنّه استُخدم منذ عام 450 ق ت س إلى عام 1948 للإشارة إلى الأراضي أو الإقليم الواقع بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن (الأخير يعرف محلياً باسم «الشريعة» - ز م) والأراضي المجاورة؛ (لكن هردوت كتب أن الأراضي الواقعة جنوب دمشق إلى حدود مصر تسمى فلسطين - ز م). والاسم فلسطين استعمل على نحو مستمر منذ 1300 ق ت س. إذ يمكن للمرء العثور عليه في النصوص الفرعونية والآشورية، مع أن الأولى أشارت إليه بأسماء أخرى. لكن الإقليم احتفظ باسمه الحالي فلسطين (جُند فلسطين) في النقوش والنميات العائدة للعصرين الأموي والعباسي، إضافة إلى الخرائط، بما في ذلك خرائط العالم العائدة للعصور القياسية أو الكلاسيكية. علماً بأن «مخطوطات الجنيزة» [السفاردية] في الفسطاط تشير إلى إقليم فلسطين.
الإقليم فلسطين عُرف أيضاً بهذا الاسم في التقسيمات الإدارية الرومانية والرومانية الشرقية «البيزنطية» والإسلامية. حتى إنّ المؤلفات الغربية القديمة تشير إلى الإقليم باسم فلسطين، ومن ذلك مؤلف المؤرخ والكاتب الإنكليزي إدوارد غيبن (edward gibbon) الذي كتب عام 1776 «إن فينيقيا وفلسطين ستعيشان إلى الأبد في الذاكرة الجامعة للبشرية».
يقول الكاتب إنّ ثمة وهم بأن البلاد عادة ما تُربط بالمفهوم الحديث عن الأمة-الدولة، لكن هذا غير صحيح لأن الأولى أقدم بما لا يقاس من الأخيرة. ويوضح أن عمله يستكشف تمثيل فلسطين عبر الزمن كونه خليطاً من حقائق محسوسة ومتخيلة ومعاشة وينطلق في بحثه متعدد الطبقات اعتماداً على فرضيات عديدة منها:
- فلسطين هي الاسم المفرد والجامع للفلسطينيين. هي بلاد الفلسطينيين الأصليين والمهاجرين إليها، ووطنهم. الفلسطينيون، أفراداً وجماعات، يمتلكون إرثاً دينياً وحضارياً متعدد وهوية ذات طبقات متجذرة في عمق التاريخ.
- تاريخ فلسطين هو «بيت بمنازل كثيرة» والتعبير يعود للمؤرخ الراحل كمال الصليبي في وصفه لتاريخ لبنان الحديث. لذلك، فإن تعددية فلسطين الحضارية/ الثقافية وهويتها الفردية والجامعة متعددة الطبقات وجب وضعها ضمن السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية/ الحضارية المتجددة والظروف التاريخية ذات الصلة.
- الأبعاد الثقافية المتعددة لفلسطين وبنية الدولة (polity) نعثر عليها في التاريخ والتجارب المعاشة لأهل فلسطين الأصليين والمهاجرين إليها الذين تمثلوا (assimilated) فأضحوا فلسطينيين.
- عملية التمدين أو التحضر (urbanisation) وولادة المدن والمدن-الدول في فلسطين: يرفض الكاتب فرضية كون القبائل أعضاء الدولة في شرق المتوسط، وأن ولادة المدن-الدول ناتجة من عملية التمدين، ويعود إلى 3200 ق ت س. فعملية التمدين في العصر البرونزي المبكر رافقها نشوء مراكز مدينية عبر أنحاء البلاد وظهور الأبجدية «السامية» (الأقواس الاعتراضية منا)، ومجتمع ذي فئات عديدة ومبان عامة وقصور ومعابد وأبراج ونظم تحصينات. وفي ما يتعلق في فلسطين، فإن بعض مراكزها المدينية ظهرت في إريحا وغزة وتل العجور وتل السكن وتل التل والقدس وتل دوثان وتل تعنك وتل المتسلم، التي تفاعلت مع محيطها الريفي والإقليمي المجاور عبر التاريخ. ومثال ذلك قيسارية وغزة وعسقلان ونابلس والرملة والقدس وعكا والناصرة ويافا وطبرية وبيسان وصفد.
من الأمور الأساس التي يتعامل المؤلف معها الادّعاء الغربي بأن فلسطين لم توجد إدارة رسمية قبل الاحتلال البريطاني عام 1948، ويدحضها انطلاقاً من العصر الروماني حيث عرفت المنطقة باسم فلسطين «فلسطين الأولى/ plaeasdtina prima -plaeastina I، وفلسطين الثانية/ plaestina secunda، وفلسطين الثالثة/ palaestina salutaris - palaestina tertia». (ومن المعروف أن الإمبراطورية الرومانية عرضت على أحد قادتها العسكريين منحه حكم «فلسطين الرابعة» الممتدة إلى شمالي «الفلسطينات» السابقة إلا أنه رفض. على أي حال، فلسطين الأولى إلى الثالثة هي فلسطين التاريخية - ز م). «فلسطين الأولى» حكمت الأقاليم الثلاثة جميعاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ودينياً. الحال بقى كذلك حتى الغزو الإسلامي حيث عرفت باسم «جند فلسطين» الذي استمر قروناً أربعة حتى الغزو الفرنجي أو الصليبي. «جند فلسطين» هذا بقي ــ وفق المؤلف ـ مميزاً داخل بلاد الشام (أي الشمال) التي ضمت أقاليم أخرى. ومن الجدير بالذكر هنا أن الحكم الإسلامي حَوَّل «فلسطين الثانية» إلى «جند الأردن». أما عاصمة جند فلسطين فحولها من قيسارية إلى الرملة، وحوَّل عاصمة فلسطين الثانية، التي أعاد تسميتها (لأسباب مالية وعسكرية تتعلق بجمع الضرائب والتجنيد، وليس لأسباب سياسية أو إثنية - ز م) من بيسان إلى قيسارية.
كما يذكّر الكاتب القراء بأن كتابات المؤرخين العرب العائدة للفترة بين القرنين العاشر والثامن عشر، تشير إلى أرض فلسطين وأهل فلسطين. تسمية استحالت في نهايات القرن التاسع عشر إلى أبناء فلسطين وأبناء البلد. كما يوضح أن المصطلح فلسطين، كونها بلاداً أو بلداً، ليس متطابقاً مع الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة أو رديفاً لها. فبلاد فلسطين مصطلح عمره أكثر من ألف عام. أما الأخيرة فهي حديثة، ويورد مقتطفات من كتابات المقدسي ومجير الدين العُليمي (1495) وخير الدين الرملي (1585-1671) وصالح بن أحمد التمرتاشي.
وهذا يقوده إلى الاستنتاج التالي: بما أن فلسطين استمرت إقليماً لأكثر من ثلاثة آلاف عام، فمن المتوقع والطبيعي أن ينمو فيها وعي ذاتي مرتبط بالأرض، ويناقش ادعاء طويل العمر الشيخ عزمي الذي نفى في ندوة في تلفزيون العدو الصهيوني وجود شعب فلسطيني أو أمة فلسطينية، وأن ذلك اختلاق استعماري يتمسك بمقولة أمة عربية. ينفي الكاتب ذلك ويوضح أن أمة عربية مصطلح جديد ظهر أخيراً، بينما الاسم فلسطين عمره أكثر من ثلاثة آلاف عام.
يتحدى المؤلف خطابين هما:
1) الخطاب الاستشراقي والتوراتي والكتابات الاستعمارية.
2) تاريخ «إسرائيل» الجديد العائد لمن يسمون المؤرخون الجدد. يقول الكاتب إن الاستعماريين الصهاينة الليبراليين يحاولون دمج «الاستعمار الاستيطاني» بالديمقراطية، رغم تناقضهما. هذه المحاولات قادت إلى ولادة ما يسمى «التاريخ الجديد لإسرائيل». وقد لقيت هذه التواريخ الجديدة دعماً مالياً سخياً من «صناعة عملية السلام» الحديثة، ويتبين أحد مظاهرها في التعبير «إسرائيل-فلسطين». يرفض الكاتب التعبير لأنه يمنح الأولوية لإسرائيل، ويجعل من فلسطين ملحقاً تابعاً بها. لكن هذا التعبير ما هو إلا محاولة للتجسير بين المستعمِر والمستعمَر، وهو أمر مرفوض.
ثمة الكثير الذي يمكن إضافته إلى عرضنا لهذا المؤلف الثمين، لكننا سننهيه بذكر النقاط الـ 17 التي يعدها الكاتب مركزية عند الحديث في نشوئية مفهوم فلسطين وهي:
1) قبل العصر البروزني المتأخر (حوالى 1300 ق ت س)، وصلتنا أسماء بلدات، لكن ليس ثمة اسم لإقليم «فلسطين»، مع أن الاسم كنعان (كا-نا-نا، وكيناخو) ظهر قبل ذلك وفي رسائل تل العمارنة.
2) 1350-1330 ق ت س: تشير النقوش بالاسم «كنعان» إلى أقاليم ساحلية شمالية تعرف باسم لبنان، وكثر استعمالها في النقوش الإغريقية العائدة إلى القرن الخامس وما تلا ذلك. اسم فلسطين المعتاد العائد إلى العصر البرونزي المتأخر ليس كنعان وإنما «دجاهي» والمقصود به القسم الجنوبي من إقليم أكبر أطلق عليه اسم «تنخو».
3) صحيح أن الاسم بلسط/ فلسط (pelest) يظهر في القرن الثالث عشر ق ت س للمرة الأولى، وليس ثمة شواهد بأنه استعمل قبل ذلك. لذلك، فإنه من غير الدقيق استعمال الاسم فلسطين لأي فترة قبل القرن الثالث عشر ق ت س. في الوقت نفسه وجب القول إن اسم الإقليم فلسطين غير معروف في الفترة الواقعة قبل العصر البرونزي المتأخر.
4) ابتداءً من العصر البرونزي المتأخر، فإن الأسماء التي كانت تستعمل للإشارة إلى جنوبي شرق المتوسط، مثل دجاهي وتنو وكنعان اختفت، وحل محلها الاسم فلسطين، وبقي يستعمل عبر التاريخ القديم والعصر الكلاسيكي وكذلك في العصر الرومي الشرقي (البيزنطي) المسيحي.
5) بدءاً من العصر البرونزي المتأخر، ليس ثمة استعمال للأسماء «رطنو» (1500-1200 ق ت س) و«دجاهي» (1500-1200 ق ت س)، و«كنعان» (1400-1300 ق ت س) استعمل للدلالة على الإقليم بدءاً من العصر الحديدي الأول (1200-1000 ق ت س). أما الاسم فلسطين بتشكيلات مختلفة، فقد استعمل ابتداءً من القرن الثاني عشر ق ت س، وحتى العصر الروماني. في الوقت نفسه، فإنه الاسم الأكثر استعمالاً للدلالة على الإقليم بدءاً من القرن الحادي عشر إلى يومنا هذا، بما في ذلك فترة الاحتلال البريطاني (1917-1948 ت س).
6) الاسم يهوذا يعود إلى القرن الثامن ويشير إلى إقليم المرتفعات الجنوبي والتلال والسهول المجاورة [!] لفترة محدودة تقع بين القرنين الثامن والسادس ق ت س. أما الاسم إسرءيل (هذا الرسم منا - ز م)، فوُجد للمرة الأولى في القرن التاسع ق ت س واستعمل حتى الربع الأخير من القرن الثامن ق ت س عندما حل محله اسم الإقليم الآشوري «سمارينا».
7) جذور المفهوم المعاصر، فلسطين، كوحدة جغراسياسية، كبلد مميز ضارب في عمق تاريخ الإقليم القديم وثقافته وحضارته وإرث البلاد الحضاري: لقد تطور الإقليم فلسطيا في العصر الحديدي (1200 إلى العصر الآشوري حوالى 712 ق ت س)، ليس فقط كجغرافيا سياسية، وإنما أيضاً كهوية. هذا عامل له أثر طويل المدى في نشوء تمثيل فلسطين قديماً وفي القرون الوسطى وحديثاً.
في الوقت نفسه، فإن فلسطين ـ كونها وطناً، بلداً وبلاداً ذات تميز تاريخي وطبيعي وثقافي-جغرافي وحدود متحركة (evolving) وعواصم متعددة مثل القدس/آيليا كابيتولينا/إلياء/ القدس، قيسارية-فلسطين، الرملة-فلسطين، وعواصم إقليمية مثل غزة وطبرية وبيسان وصفد وعكا ونابلس ــــ استمرت لأكثر من ألف عام، ووجب عدم مساواتها آلياً بالعصبية (nationalism) الفلسطينية المعاصرة أو بالتمثيل الوطني المرتبط بالأمة-الدولة.
8) الشواهد الأثرية تبين أن عملية التمدين (urbanisation) ومعظم المدن والبلدات الفلسطينية معروفة تاريخياً عبر العصر البرونزي المبكر في الألفية الثالثة ق ت س. حتى إن الأدب والبقايا المادية للمدن في العصور القديمة المتأخرة، تشير إلى قوة تأثير الثقافة المدينية في حياة السكان والأرياف. فإن الآثار تثبت قوة الاعتماد المتبادل بين المراكز السكانية المدينية والأرياف.
9) الشواهد التاريخية توضح أن أسماء المدن الفلسطينية المُهَلْيَنة العائدة إلى العصر الرومي-الشرقي (البيزنطي) مثل القدس (إيلياء) واللد وبيسان وغزة وطبرية ونابلس ويافا وأرسوف وعمواس ورفح وبيت جبرين وعكا وعسقلان وأيلا (حالياً: العقبة) استمرت في ممارسة أدوارها كونها مراكز مدينية في العصور الإسلامية، وحافظت على أسمائها العتيقة. على سبيل المثال، كشفت التنقيبات في مدينة الرملة التي شيدت في القرن الأول من العصر الأموي، عن موزاييك وموضوعات على الطراز البيزنطي، ما يظهر الاستمرارية الحضارية في فلسطين. ومن الشواهد الأثرية الأخرى قصر هشام (خربة المفجر) في اريحا، والرملة وخربة المنيار بالقرب من طبرية التي تظهر جميعها مزيجاً من الطرز والنظم الإغريقية/الرومانية/البيزنطية. تبنّي النظم المعمارية القديمة استمر في العصور الإسلامية مروراً بالعصور الوسطى وتم مزجها بالنظم المعمارية الإسلامية الجديدة. وإعادة التدوير هذه استمرت حتى العصور الحديثة ونعثر على شاهد لها في أن حجارة ورخام وغرانيت مُجمَّع الجامع الأبيض (جامع الجزار) الذي بني عام 1781 وضم كلية دينية إسلامية وسكن الطلاب ومحكمة إسلامية ومكتبة عامة، أخذت من المواقع الأثرية في عكا وقيسارية ومن قلعة عتليت جنوب حيفا التي بناها الصليبيون في عام 1218. كما أنّ جامع الجزار بني على طراز الجامع الكبير في اسطنبول، ما جعله مزيجاً معمارياً عثمانياً وبيزنطياً وإيرانياً وفلسطينياً، ضاماً مواد تاريخ فلسطين وإرثها الحضاري.
10) حتى العصر الحديث وظهور فلسطين-الانتداب، فإن مفهوم حدود فلسطين الشرقية ظل متنقلاً، مع أنها كانت في العصور القياسية والإسلامية تمتد إلى ما بعد نهر الأردن.
11) مفهوم فلسطين الكلاسيكي وما بعد- الكلاسيكي والعربي-الإسلامي الوسيط، تجاوز حدود ما عُرف باسم بلاد الفلسة (من غزة إلى طنطور) العائدة إلى العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي.
12) خطوط التجارة البحرية في فلسطين وكذلك مدن الساحل المتطورة في بلاد الفلسط/ فلسطيا (philistia) التي ضمت كلاً من غزة وعسقلان وأسدود ويافا اجتمعت لتتطور جغرافياً-سياسياً كجنوب متكامل في العصر الحديدي الثاني (1000-600 ق ت س)، وفلسطيا كانت أول من طور حكماً ذاتياً سياسياً ونظاماً مالياً مستقلاً في فلسطين على شكل عملة فضية ضربت في القرون السادس والخامس والرابع ق ت س. هذه العملة الفلسطينية المحلية المعروفة باسم عملة فلسطيا (coinage of philistia) انتشرت على نطاق واسع في الإقليم الذي عُرف باسم إقليم فلسطيا-العربية (philisto-arabian) وعرفت باسم عملة فلسطيا-العربية.
13) تبني الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) المسيحية رسمياً في القرن الرابع وانتشار المسيحية على نطاق واسع في شرق المتوسط وإقليم العربية الروماني، أدى إلى تغير ديني وثقافي واجتماعي وفكري في البلاد وظهور فلسطين الكبرى (provincia palaestina). أما أقصى تمدد لهذا الإقليم، فحصل في العصر البيزنطي ابتداءً من القرن الرابع إلى القرن السابع، وقاد إلى ظهور ثلاثة أقاليم باسم فلسطين هي الأولى والثانية والثالثة، وهي لم تكن يوماً مستقلة عن بعضها، وكانت تدار من «فلسطين الأولى» كما أسلفنا أعلاه. لقد كانت «ثلاثة في واحد» سياسياً وعسكرياً وثقافياً وكنسياً. وفي مرحلة معينة في العصر البرونزي ضمت فلسطين الثالثة إقليم أرابيا الروماني، ووفق بعض الوثائق كانت البتراء عاصمته. بذلك فإن فلسطين «التاريخية» أي الأقاليم الثلاثة، بما في ذلك إقليم أرابيا (arabia) ضمت النقب وبئر السبع وبلاد الأنباط ومعظم شبه جزيرة سيناء. كما ضمت فلسطين الكبرى هذه شرق الشريعة (نهر الأردن) إلى الشرق، وهضبة الجولان إلى الشمال. وقد شهدت هذه المرحلة رفاهاً غير مسبوق للإقليم وتمدداً مدينياً مستمراً في القدس (Colonia Aelia Capitolina) وغزة ونابلس وقيسارية التي تحولت إلى مرفأ بحري أساس في المنطقة. وقد احتفظت المراكز المدينية الفلسطينية باستقلالية دينية وسياسية واجتماعية.
14) فلسطين الكبرى (التاريخية) العائدة للقرن الرابع إلى أوائل القرن السابع أضحت مركزاً رئيساً للتنوير الثقافي والفكري في العصر القلاسيقي والمتأخر. ومن الشواهد على ذلك مدرسة غزة الخطابية ومكتبة مدينة قيسارية الواقعتين في «فلسطين الأولى»، ما جعل المدينتين الأكثر تأثيراً في أقاليم فلسطين الثلاثة. لقد امتلكت أقاليم فلسطين الثلاثة استقلالية دينية وثقافية كبيرة، ما أدى إلى استقلال كنيسة عموم فلسطين عن أنطاكية والقسطنطينية. لقد شكلت فلسطين (الثلاثة في واحد) أهم مركز فكري وثقافي في شرق المتوسط ما جعل قيسارية وغزة تتجاوز كلاً من أثينا والإسكندرية في الأهمية، وكانت تشكل مركز التعلم والعلوم لمنطقة البحر المتوسط بأكمله.
تطور الإقليم فلسطيا في العصر الحديدي كجغرافيا سياسية، وهوية في آن


15) من القرن الثالث إلى مطلع القرن السابع ت س، قطن الغساسنة العرب أجزاء كبرى من الثلاثة فلسطين. كما استوعبت الكنيسة الفلسطينية هؤلاء المهاجرين من جزيرة العرب، وتم دمجهم لاحقاً في الإمبراطورية البيزنطية ليضحوا «ممالك التخوم» تابعين للعرش الرومي الشرقي.
16) تاريخ فلسطين القديم يختلف عن رديفه المرتبط بالقوى المجاورة وهي مصر الفرعونية وتركيا وسورية والعراق وجزيرة العرب وفارس، من منظور أنه لم ينتج إمبراطورية، مع أن الإمبراطوريات القوية المجاورة ساهمت في صياغة تاريخها. وقد صعد قادتها الدينيون في العصر القديم المتأخر ليضحوا جزءاً من قادة الكنيسة البيزنطية الخمسة، وذلك يعود إلى كون المدينة المقدسة تقع في فلسطين. كما تمكنت فلسطين من الازدهار ثقافياً واقتصادياً بسبب وقوعها بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وبين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، ما مكنها من الاستقلال اقتصادياً وسياسياً، اعتماداً على قوتها البحرية التجارية. وازدهرت فيها المدن المقدسة والمكتبة العامة في غزة. وما ساهم على نحو رئيس في صياغة هوية خاصة بها قدرتها على استيعاب جماعات اجتماعية وثقافية مختلفة.
17) تمكنت فلسطين وإرثها الحضاري المحلي أو الإقليمي من البقاء ثلاثة آلاف عام عبر التغير والسيولة، على عكس الحركة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية المرتكزة إلى خرافات وأساطير، وعلى دارونية اجتماعية جديدة قائمة على «جدران حديدية» و«البقاء للأصلح». ويتبين تواصل فلسطين وتقطعها وتطبعها وإعادة تطبعها وتغيرها من خلال تبني الاسم القديم من فلسطيا إلى فلسطين الذي هو تعريب للاسم اللاتيني (philistina, philistinus)، وهو أحد أشكال الاسم كما ورد في النقوش الأكادية البابلية (palastu) والفرعونية (parusata, peleset). أخيراً يسرني البوح بأن المؤلف في طريقه للترجمة والصدور باللغة العربية.

* Palestine: A Four Thousand Year History. zed books 2018. 304 pp. nur masalha