شمعٌ أحمرٌ، وشريطٌ لاصقٌ، وقفل. خيبةٌ وغيمةُ غُبنٍ اجتاحت ملامحَ وجهِه، وصكّ حَجْرٍ صِحِّيٍّ ومعهُ اتّهامان؛ أحدهما بالاختلال وآخر بالجنون.

لمْ يكن ليتوقّعَ أن تكون الخاتمةُ على ما آلتْ إليهِ، ولم يكنْ ليتصوّرَ أن تكون إلّا بين حبّات البنِّ المطحون، ورائحةِ الهيل والمسكة؛ التي تعشّقت بأصابع يديهِ على مدى خمسينَ عاماً. على الأقلّ، ما كان يتمنّى أن تتواطأ السّماءُ مع قسوة الواقعة التّي ألمّتْ به على حين غرّةٍ. كان من الممكن أن تؤجّل فعلتَهَا، وتتعاطف وإيّاهُ، وتَعزفَ عن الهطول ريثما يصل إلى محطتّه الأخيرة بين جدران الموت الباردة. أمَّا وكما بانتْ عليه، أنّى لها التعاطف وهي تمطرُ كسربِ سحابٍ يحوم فوق رأسه لوحده؛ وسط عالم مصابٍ بالجفاف والتشققّ.
كانت شمسُ الشتاءِ تحاول بخيبةٍ أن تتسللّ بين الغيوم الداكنة في ذلك الصباح التشرينيّ، حيث كانت المرة الأخيرة التي يلمح فيها «عرفانُ» العجوز واجهة دكان القهوة خاصَّتِه. صعد إلى الحافلة التي ستُقِلّه لمأواه الأخير، وحشر نفسهُ، على مقعدٍ باردٍ، بين ممرضَين يتّشحانِ بوجهٍ أشدَّ برودة، وانطلق.

■ ■ ■

الوافدُ الجديد. الوجهُ الذي لا تخفى على أيٍّ من قاطِني المكان خلفيّاتُ مجيئه. خذلانُ ابنٍ عاقٍّ، غربةٌ، أو فقدانُ أحبةٍ قضَوا تحت رحمةِ سلطان الموت، وما بين الوجوه الواقفة والمُقْعَدة، كانت تموجُ سعلاتٌ وأنّاتٌ. ارتعاشاتٌ وانقباضات قاسِمها المشترك توجسٌ، مبهمُ الملامح، لِطَيفٍ قادم من المجهول. لم يكن التوجّسُ خوفاً، بل كان هلعاً لإخفاء ذلك الحنين الغائم لأحبّةٍ يتمنّون طرحَ الزّفرة الأخيرة، بعيداً عن مرارة الافتراق ببطءٍ عنهم، وقريباً من حضورهم الذّي لم يتسنَّ لهُ أن يُسجّل على قيد الوجود.

وحدَهَا كانت تتكّئ إلى ساعِدَي مقعدها هائمةً؛ تتملّى بحر المدينة. تنزوي صموتةً كقبر؛ كأنّها الفناء. لم يكن لينسى ذلك الوجه؛ الوجهَ الذي بقي في ذاكرته حاضراً حيّاً. استطاع بين أروقة الماضي المخطّطة بالأبيض والأسود أن يقرأ ما خاضه بين شبكةٍ من التجاعيد والتغضّنات، والتي لم تُفقده اتّساعه ورِقّتَه. عينان مضيئتان، ووجهٌ ممتلئٌ رقراق. تعابيرُ ترسم مبْسماً ما زالَ فرعونيّاً مهيباً، تُحدّد تحتها شفتين باقيتين ممتلئتين ككَرمة.

صُورتها التي ما فتأت تعشّش بين الدم والدم؛ شقراءُ الحيّ «حسنا»، ابنةُ الزمن البعيد بُعدَ القيامة. بذلةُ المدرسة الزيتية، والجديلة التي كسا الشيب شُقرتَها. الابتسامةُ المشوبةُ بالحياء، يومَ كان صبيّاً أجيراً تحت رحمة آمِرٍ متنمِّرٍ. لأجلها، كان يتحمّل كيلَ الاتّهامات واللكمات. يتعمّدُ بالسرّ أن يزيد من وزن عبوة قهوتها، يرشوها بحفنةٍ من حَبِّ الهيل، أملاً بكسب عودتها إليه لاحقاً، أو ليحظى بفنجان بُنٍّ يجمعهما سوياً. كانت تُدرك فِعلته، وتبتسم، وتنسحبُ عائدةً أدراجها، لينسحبَ قلبه معها، فيُقسمُ للرّفاق عند المساء أنّه كان يلمح السماءَ تبرقُ وتمطرُ وترعد، كلما لاحتْ ابتسامتُها. يغرقُ عاشقاً، ويغرقُ الرّفاق ضحكاً وهزءاً؛ يتّهمونه بالهبل والجنون.

كانت أمامه سرابَ ماء، وكان خارجاً من محنَتِهِ مُثقلاً بالعطش، وإليها مشى في مشيةٍ مهزوزة بالشوق، فمالَتْ عن البحر. نظرتْ إليه. لوهلةٍ، ظنّها تتوجس منه كما لو كان ملاكَ الموت نفسه، إلّا أنَّ دمعةً طفرتْ من عينها جعلتْهُ يعلم أنها قد تعرّفت إليه. رأتْ فيه كلّ شيء؛ بذلةُ المدرسة الزيتية، فنجان البُنِّ الذي لم يُحْتَسَ، والابتسامة المشوبة برائحة حبِّ الهيل، والسماء المطيرة.

اقترب. وضع يده على يدها، وقال: — أين هم..؟ بصوتٍ مُرْتجفٍ، لكن واثق، أجابت: — هاجروا كلهم.. وأنت؟ هزّ رأسه بحسرةٍ وأسى. ابتسم بمرارةٍ، وقال: — هجَّروني إلى هنا. وبدأت الذاكرة تنفلتُ من نفسها. راحتْ ترشقُ الأحاديث، عن ما حدث، وما كان يجب أن يحدث. عن المدرسة والاختفاء، عن الحيّ. عن الشريك الغريب، عن الفقر والغربة. عن الدُّكان الصغير الذي صار كبيراً، وعن حصّالة المال التي صارت كنوزاً. لم يكن يعلم أن محطته الأخيرة ستكون على هذا القَدر من الأمان، ولم يكن يتوقّع أن أكثر الأماكن وأشدّها إثارة للذعر في قلبه، صارت بلقائها المفاجئ الأحبَّ والأنعمْ.

مرّ الوقت سريعاً كما يمرّ العيد على أطفال أشقياء. حلّ المساء، ولم يتنبّه العاشقان العتيقان أن المكان حولهما كان قد فرغ، ولم يبقَ فيه من إثرٍ لكحّةٍ أو رعشة.

قالت: — حلّ المساء. قال: — لأوّل مرة في هذا العام أشعر بالدفء، تعالي نكمل الحلم إلى منتهاه. شدّها من يدها، وهمست بخوف: — الجميع نيام.. إلى أين؟ فأشار إليها بالصمت، وبدأ العاشقان يهبطان السلالم.
■ ■ ■

كَطفليْن عابثَين. كان العجوزان يتلصّصان، ويهبطان السلالم؛ يتكئان على بعضهما ويُقهقهان بهمسٍ غير مقصود، وتحت نور القمر الشتويّ الشّاحب، وقفتْ«حسنا» على بوابة غرفة المؤونة الخاصة بالمأوى، وكان«عرفان» يبحث عن شيءٍ لا تعرفه. يُفتِّش بين أكوام البصل والطماطم، ويزيح أكياس الأرز والسُّكر. مرت لحظات قليلة، حتى رفع عكّازه بفرحٍ عارم، وصرخ«وجدته».

قبض على مبتغاه، وهربا إلى القاعة مسرعَين.

تحت نور شمعةٍ خافت، وإلى جانب نافذة مطلَّةٍ على بحر اللاذقية. كان العجوزان يحتسيان فنجانَ الوعد الأول بنشوة؛ فنجانَ الحلم البعيد الذي صار على قيد الحقيقة.

غازلها مُتعمّداً: — إنّه فنجاني الذّي لطالما تمنيتهُ وإيّاك. أجابته بغنج طفوليٍّ بريء: — أجل.. لولا أن حفنة من حبِّ الهيل المعطر تنقصه. ابتسم بثقةٍ، وقال: — أحلامنا اليوم محقَّقَة. وضع يده في جيبه، وقبض على آخر ما تبقى له من دكّانه المستلب. أسقط حبتين في فنجانها، ومثلهمَا في فنجانه. عندها، ابتسمت لأول مرة في ذلك العام الكئيب. ابتسمتْ حتى ضحكتْ، فاستدار بعينيه هلِعاً؛ صبياً بعمر الثمانين، نحو السماء يُفتّشُ ويبحث. وكم تمنّى لو يخرج الرّفاق القدامى قليلاً من تحت التراب، ليروا أنه ما كانَ مجنوناً، ليَروا بأُمِّ عيونهم؛ كيف كانت السماء تزعقُ وترعد وتبرق على أثر ضحكتها.
* اللاذقية/سوريا