عندما تطوى صفحات ديوان الشاعرة السورية نسرين أكرم خوري «أركل البيت وأخرج» (دار نينوى ـ دمشق)، يتساءل القارئ حيال الشعر: هل هو تلك القشرة الجميلة التي تغلّف الوجود ليُقرأ عبرها، أم هو ذلك البناء الهشّ المتواري خلف لغة مجازية وعذبة؟ يعرض العنوان جانباً من الديوان، وهو النص الأخير منه. إذ إنّ الشاعرة قررت ركل البيت والخروج منهُ. لقد أرادت تحطيمه بعدما تجولت داخله. لكن ماذا لو عرفنا أنّ هذا البيت الذي تركله الشاعرة هو بيتٌ أسسته بذاتها، مدامكه الحبّ والحنين والرفقة. لا تحطم الشاعرة بيتاً ورثته عن آخرين، لا تحطم تصوراً للعالم كانت قد اكتسبته من الأعراف. إنّها تحطم بيتها، ومن ثمّ تفكر بالخروج من ذلك الملاذ المجازي. تُبنى النصوص على الهزء واللامبالاة والمغامرة.


كثيراً ما نهضت الفنون على هذه الطبيعة من سوء الفهم، ويجيء الديوان الثاني لخوري، تجريباً لفضّ الخصومة ما بين عالمها الخاص والطفولي وما بين عالم متأهب وشرس. كتابتها تُداخِل العالمين وتردمهما معاً. إذا تمثّلت الكتابة باللعب، فإنّ الديوان لعبة حاذقة، تتحدّى ما يجيء من خارجها، مع رفضها المبارزة بالمبدأ، وتحطم ما ينتج من داخلها، كما لو أنّها تأبى الانكسار أمام الملأ.
لكن ثمة سؤال آخر يبرز من بين الأسئلة التي تتعلق بالشعر: هل يكفي أن يكون النص لمّاحاً وجميلاً حتى يكون نصاً ملهماً وفارقاً؟ لا تبدو الشاعرة آبهة سوى بتشييد عالمها، وتمجيد عزلتها الجماليّة، قبل أن تنزع إلى تخريبها غير آبهة بأمجاد لم تتوقف عن الاحتفاء بها.
إنّها تعي عالماً لطالما راقبته من وراء الزجاج. إنّها تعي الخسارة وصارت انتصاراتها ترميماً لخسارات شتى. عبر هاتين المعرفتين، للعالم وللخسارات الذاتية، راحت خوري تشهر الحب، وتؤسس بهِ لظفرٍ مجيد في وجه الكراهية والوشاية، راحت تبني عالماً مترفعاً ونزيهاً، تتنكّر للتجربة الذاتية بالقدر الذي تهتمّ بإظهارها في أطر أنيقة. إنّ واحدة من نجاحات الشاعرة في ديوانها، وهي تركل بيتها وتخرج منه، أنها تدعو الجميع إلى دخولهِ وكشف استعاراتها، لنجده منزلاً مشيداً بالوجد، نوافذه على الماضي وأبوابه ردم وتذكار، جدرانه لوحات يومية وسقفه المخيلة.
يمثل الديوان جزءاً من يوميات الشاعرة، لكن لا نلمح هذه اليوميات بصفتها تفاصيل حياتية فحسب، وإنّما عبر إسناد النصوص إلى ذاتها «مرة وحيدة دخلت المقبرة/ كان فيها عدد كبير من الصلبان/ لمست أحدها/ ذلك المتدلي من عنقي» بالمثل؛ إنّها ترمي الأحجار في النهر، كي ترى وجهها، لا لتتسع الدوائر على آفاق أرحب مثل صنوبر متدلٍ أو عنق ملتوٍ.
إلا أنّها في نصوص الحب تعود لتجعل ممّن تحب مرجعيتها، بالمثل يكون هو «لو أنّني أنتَ حين أحببتني»، أو مما تحبّ مثل نصها «مدن تعيدني إليكِ». تنذر نصوص كثيرة بروح عبثية تقف وراء العنوان الذي يحتفي بنفيهِ في المتن. إذ نلمح، منذ البداية، ذلك الذي «ينفخ كيس حياته الفارغ/ ويلوح بالإبرة أمامه».
روح عبثية تقف وراء العنوان الذي يحتفي بنفيهِ في المتن


إنّها إذ ترى ذاتها «خاسرة كبيرة» ترى في الهناءة رحابة مريبة، تبدد العزلة في الزوايا دون أن تذهب بها، تهاب يقين أن يكون المرء مطمئناً. لذا نجدها تلجأ إلى الشعراء والمنجمين. تبني استعارات بارعة وترجوها في نصوص أخرى «لو أستطيع أن أخلق اسماً/ على نظرتي حين ألاقيك/ كي أنادي عليها/ حين لا تحضر». ثم تعود للتذمّر من اللغة عندما تجد الفتنة على حبل غسيل الجارة أكثر بلاغة من «التعري الذي يحصل داخل اللغة». هكذا نراها، حيناً برمة باللغة وحيناً آخر تنشدها. إنّها إذ تكنّس الخرافات تصنع خرافتها، وهي كلمة واحدة، الحب، كلمة واحدة بدءاً منها ورغبة بمشاركة الآخرين. تبتكر خوري لغة تحتضن الخذلان وتشيعُ المسرة، يظهر تفكيرها بالغير على نحو أكثر خصوصية في نصها «خلف الصّخرة التي كنت سأقفز من فوقها/ قبل أعوام/ ربّما/ يتبادل عاشقان القُبَل/ الآن في نصٍّ قصير/ ربّما/ هذا النصّ». في نصها «النّساء متشابهات خلف النوافذ»، يبدو شعرها قادماً من فنون أخرى كالسينما، لا من حياتها أو تجربتها فحسب. إنّها تؤالف الفنون في صنعة هادئة. وذلك الهدوء الذي يسم النصوص ينقلب عصياناً عندما تتحدث الشاعرة عن البلد بعدما أسقطت عنه ياء الملكية. وهو بلدٌ واحد في الشعر السوري، يشبه المقبرة الجماعية، حسرات وأغنيات مكلومة، نداء للغرقى، الحياة فيه تشييع إلى حياة آفلة «تغيرنا كثيراً/ صار أيّ شيء قادراً على قتلنا/ حتّى رغيف الخبز»، بينما الحب تعويذة صالحة لتغييب الوعي والذهاب بهِ «أقع في حبك مراراً/ كي لا أرى شيئاً على حقيقته». تودع العشاق تعويذتها في أزمنتهم القاسية «اصطحب معه إلى الحرب/ صورة مبتسمة/ لامرأة تنتظره وتنتحب».
مثلما تناكف نسرين خوري قراءها، يجوز أن يناكفها قارئٌ ما، مثلما كانت ترسم الشوارب لراقصة في مجلة، قد يكتب أحدهم مقابل نصها: «الذين لا يكرهون أحداً/ هل يقعون في الحب؟!» ليكتب مرادفاً آخر: الذين يحبون الجميع/ هل يعرفون الحب حقاً؟!