مرة أخرى، غمّس ديكتاتوريو الأخلاق الجمهورية ريشتهم في حبر الدعاية الإسلاموفوبية، وقطّروها على امتداد صفحات المؤلف الجماعي «معاداة السامية الجديدة في فرنسا» (Le Nouvel Antisémitisme en France ـــ دار ألبان ميشال ــــ 2018). في جميع مساهماتهم، أطلق كتّاب أمثال باسكال بروكنر، ولوك فيري وبوعلام صنصال، ومحللون نفسيون كدانيال صيبوني، وميشال غاد ولكفيتش، الذين يعانون من عُصاب قهري بالإسلام، يكشف عن مرض نفسي أكثر مما يُنتج تحليلاً سوسيولوجياً أو سياسياً، هجوماً عنيفاً ضد إنكار الواقع، ما يحجب هذه الحقيقة المطلقة: غيرت معاداة السامية من ملامحها، لم تعد ناتجة عن كاثوليكية رجعية أو عن يمين متطرف، بل صارت منتجاً للإسلاموية.

عادت مساهمات عدة إلى أحداث مقتل سارة حليمي (متقاعدة يهودية تبلغ 65 عاماً، قُتلت في نيسان/ أبريل 2017، على يد شاب مُتخدر، ضربها بوحشية، وهو ينادي «الله أكبر»، ثم ألقى بها من النافذة)، لفضح «جنون الإنكار»، الذي قاد إلى اعتبار الإرهابيين مرضى نفسيين. مُدينين لهفوات العدالة التي تطلبت 11 شهراً لتعترف بأن عملية القتل معادية للسامية (ثم حكمت في تموز/يوليو 2018، بأن المتهم «غير مسؤول عن أفعاله»)، يشرع المؤلفون في وصف الشر الذي يحول «الإنكار الأيديولوجي الجماعي»، و«إنكار الدولة»، و«إنكار الإنكار» (حسب عبارة مونيت فاكان) من دون تسميته: «بعد الفاشية، النازية، الستالينية، صارت الإسلاموية شمولية دينية تهدد الديموقراطية».


متلحفةً لبوس الخطاب الديموقراطي الفاضل، ومستعينة بقيم الإنسانوية والأنوار، تمثل الإسلاموفوبيا لهؤلاء المؤلفين أيديولوجيا شمولية، توفر شبكة قراءة تبسيطية ذات طابع تعميمي، وطرح كوني حصري، يختزل العلل التي يعانيها المجتمع الفرنسي في سببية واحدة: «الإسلاموية المرتبطة بالإسلام، والقرآن الذي يحرض على الكراهية والقتل».
بتساؤله على نحو خاطئ عن أسباب «إنكار كراهية اليهود الحاضرة بشكل مكثف في عقليات الشباب الحامل لثقافة عربية مسلمة»، يستنتج الكاتب جاك تارنيرو، وهو إسلاموفوبي معروف، أنّه «منذ الألفينيات، وخاصة منذ عقد، رفع تجريم إسرائيل، ونعتها بالنازية، جميع المحظورات: تتلحف كراهية اليهود باللبوس الفاضل لمعاداة الإمبريالية. ما بدأ في المؤتمر العالمي ضد العنصرية المنعقد في مدينة ديربان عام 2001، صار الآن سائداً في الضمير العالمي: من إدغار موران، إلى جان زيغلر، مروراً بستيفان هاسل، يرسم القلب الخافق للإدانة الأخلاقية، إسرائيل، على أنها مركز الشر. لماذا الذهول من إمكان أن يلد هذا الضمير الحي قتلة تغرق عقولهم في ما علمتهم إياه الروح المهيمنة؟».
تبرز حجة معاداة السامية المتخفية، في طيات معاداة الصهيونية، كنغمة سائدة في ما كتبته كارولين فالونتان، ولوك فيري، وباسكال بروكنر. إذ يفضح فقر المنطق حبهم العميق للقوة الاستعمارية، وكراهيتهم الراديكالية لأعدائها الأيديولوجيين. وبالنسبة لفالونتان «لا يولِّد الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني الكراهية، بل يُضفي شرعية على التعبير عنها». أما فيري، وهو وزير التعليم الفرنسي السابق، فقد تخفّت معاداة السامية في ملابس معاداة الصهيونية، التي «تدافع حتى اليوم عن الأطروحات المنكرة لوقوع الهولوكوست، وتتهم إسرائيل ووكلاءها»، بتنظيم عودة «الشيطان الأكبر» الاستعماري. ووفقاً لبروكنر، وهو مثقف صهيوني مسجل: «ما لا يريد مثقفونا التقدميّون رؤيته، هو أن معاداة السامية الموجودة في المغرب والشرق الأدنى، يُعاد تدويرها في ضواحينا من خلال شجب إسرائيل».
يجب التساؤل عن الرعاة الحقيقيين لهذا الكتاب المثير للجدل، الذي يخدم مصالح إسرائيل الأيديولوجية والسياسية في ما يتعلق بالصراع في فلسطين. لا يكتفي الكتّاب بالخلط عمداً بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، جاعلين من الأخيرة، أداة تعبير عن الأولى، ومن ثم، بناءً على هذا الانحراف، تجريم التضامن مع فلسطين في أوروبا، من خلال دمغه بشبهة معاداة السامية (رغم عدم تطرقهم قَطّ لسياسة إسرائيل الاستعمارية تجاه الشعب الفلسطيني) بل يُصورون إسرائيل، على أنها «خط أمامي» في مواجهة حضارية «تتجاوز المطالبة بوطن للفلسطينيين»، و«يندرج رهانها ضمن التصنيفات الذهنية للأمة».
بذلك، يصير من الصعب التفاجؤ من المهاترات شديدة العداء للإسلام، المنتشرة من الغلاف إلى الغلاف، والتي تصم كل انتماء إلى الديانة أو الثقافة المسلمة، كمصدر لمعاداة السامية. ويؤكد أعضاء محكمة التفتيش هؤلاء، أن «فوبيا المسلمين من اليهود ثقافية»، تُختصر الهوية في مكونها الديني، الذي يهيئ المسلمين ويعطيهم شروط ارتكاب أعمال عنف بحق اليهود. أما بربرا لوفيبر، وهي جامعية مثيرة للجدل، فقد اتُّهمت في كثير من المرات، بتقديم إفادات خادعة وكاذبة (منها المرتبطة بـ«النطق غير السليم» في المدرسة، من قبل جزء من السكان المنحدرين من مهاجرين، وهمجية الجرائم المعادية للسامية)، فتدافع عن فكرة الحتمية الدينية والثقافية وراء السلوكيات العنيفة، «يعرف كل يهودي في فرنسا ويجترّ (هذا): منذ 20 عاماً، لم يقتل أي مناضل من الجبهة الوطنية يهودياً. كثير من إطارات الجبهة الوطنية، معادون للسامية، لا ريب في ذلك، لكن الانتقال إلى الفعل القاتل، يقوم به أشخاص يدَّعون الإسلام»، متسائلة إن كان قاتل سارة حليمي قد قرأ «الكتاب الرائج في العالم الجهادي «معركتنا مع اليهود» للإخواني المصري سيد قطب، الذي نشره في الخمسينيات»، أو إن كان قد «استمع إلى خطب القرضاوي، مثل تلك التي بُثت على قناة «الجزيرة»، في 28 كانون الثاني (يناير) عام 2009»، التي تدعو إلى الجهاد ضد اليهود. ويدعو هذا المنطق الدائري المشلول، إلى الافتراض أن الانتقال إلى الفعل، ليس أمراً قام به معتوه مُتخدّر، بل هو منتوج نموذجي لتربية جماهيرية.
لا تقتبس السيدة لوفيبر إلا القرضاوي أو قطب، وتتجاهل التعدد الهائل للتأويلات والتفسيرات التي تصنع تنوع الجماعات المسلمة، وتُقدم العالم المسلم، كما لو كان كتلة موحدة، وتتملص من ذكر الثقل الديمغرافي، والتباين السوسيولوجي للجماعات المسلمة، التي تُعد قرابة 1.4 مليار مسلم عبر العالم. والحال أن ماهية النصوص يحددها المؤمنون، أي فقط أتباع ديانة ما هم من يصنعون علاقتهم بالدين. وفي حال وجود عيوب في التأويل والفهم الشخصي، من جانب من يمتلكون النصوص، لا يعطي هذه الأخيرة قوة أدائية، ويكشف ربط الانتماء الديني بالسلوك الإجرامي، ضمن سببية حتمية، تصوراً عنصرياً أكثر منه سوء فهم للواقعة الدينية.
وحين تسعى لينا المّر نعمة، إحدى أكثر المساهمين تحمساً، وبأسلوب متعجرف ورديء، أن تُظهر، ضمن تقسيم استعماري للعمل، أن معاداة اليهود إسلامياً له جذور في التراث القرآني، وتضع جميع المسلمين في سلة اعتقاد واحدة، ألا تتجاهل حقاً أن القرآن تُكمله الأحاديث، وأن آياته تُفهم من خلال شروط وسياق الوحي السوسيوتاريخية، التي توفر إشارات حول نطاق الكتابات وحقل تطبيقها؟ من يُفترض أن يعود إذن إلى المفسرين لتحليل هذه المصادر وسياقها، واقتراح تأويل لمعنى الآيات، مع القول إنه يوجد تعدد في التأويلات؟ وحين تكتب أن «(عبارة) الله أكبر، هي في الواقع، صيحة للجهاد المسلح. أُطلقت هذه الصيحة لأول من مرة من قبل محمد، حين هاجم يهود خيبر في الجزيرة العربية (...) ومنذ ذلك الحين، صارت الله أكبر صيحة الجهاد المسلح»، وأنّ «محمد أمر بجهاد انتقامي»، كيف يمكننا ألا نعتقد أنها ليست تمارس شيطنة نضالية ضد الإسلام؟ للأسف، يمضي خداع الفكر الضار أبعد من ذلك، حيث تحاول أن تبيعنا أن الإسلاموفوبيا هي مجرد نقد عقلاني للدين.
يتساءل المحلل النفسي، ميشال غاد ولكفيتش، المهووس بالإسلام، منذ متى صار رفض ديانة ما يمثل سلوكاً عنصرياً؟ وفقاً له «الإسلاموفوييا جزء من الكلمات السامة والضبابية، تشوه المعجم بأكمله. لقد صارت الأداة الجديدة لنشر الأصولية، التي تتقدم بشكل مقنع ومتلحفة بلحاف الضحية». هذا في حين أن الإسلاموفوبيا، ليست نقد الإسلام كدين أو ثقافة، أو مجرد رفضه، بل هي شكل من أشكال العنصرية، يستهدف أشخاصاً بسبب انتمائهم، الفعلي أو المفترض، للمجال المسلم. بتأكيده على أن الإسلام والإسلاموية ليسا متمايزين، وأن الإسلاموية أشنع من النازية، ينسب ولكفيتش، جميع المسلمين إلى دينهم، ويحمّلهم مسؤولية أفعال أي معتوه ينتسب لهذه الجماعة، لأنه بالنسبة له، ليس هذا العنف «غير تجل واعٍ أو غير واع ضمن دينامية بنية نفسية مريضة، تمثل معاداة السامية أحد أعراضها، التي تحملها وتنقلها عبر نفسية جماعية».
ضمن هذه المختارات من الجهل العنصري، تجلب مساهمة المتملق المتحمس للصهيونية، الجزائري بوعلام صنصال، انتباه القارئ. وفقاً له «معاداة السامية الفرنسية التقليدية، التي قبعت في الزوايا المظلمة للمجتمع، استعادت الحياة بفضل الصعود المتسارع لمعاداة السامية الإسلامية. عندما تحل العاصفة، تهب جميع الرياح في الاتجاه ذاته. معاداة السامية الإسلامية هي الكراهية القحة، التزام عقائدي، تولد لذة قصوى، لكنها أيضاً سياسة، مصالح. بهذه الوتيرة، سوف تصير القيمة المركزية لفرنسا، عمودها الفقري. توجد بعض الجيوب التي لا يعيش فيها المرء إلا بكراهية اليهود».
يخدم الكتاب مصالح إسرائيل في ما يتعلق بالصراع في فلسطين


يحصر صنصال، على نحو تافه، العنف القاتل في مصدر الإيمان، متجاهلاً العوامل العميقة للإقصاء الاجتماعي، والتمييز، والعنصرية، وتحويل الأحياء الشعبية إلى غيتوات، أو المسارات الفردية. لكن سخطه الانتقائي، يُخفي عن قصد، شكلاً آخر من العنف البنيوي، الذي يستهدف خاصة الشباب المنحدرين من مهاجرين: العنف الأمني. اعترفت التفقدية العامة للشرطة الوطنية، في تقريرها السنوي المنشور في حزيران (يونيو) الماضي، أنه بين تموز (يوليو) 2017، وأيار (مايو) 2018، قُتل 14 شخصاً في إطار تدخلات أمنية. أما الأرقام التي قدمتها جمعيات، فهي أكثر ارتفاعاً، لكن هذه الوضعية لا تؤثر على خطبة مدح الديموقراطية الغربية.
تتضّح ازدواجية المعايير هذه، في مساهمة جورج بنسوسان، الذي تعرّض للمحاكمة لحضه على الكراهية، بعد تصريحه بأن معاداة السامية تُنقل لدى العرب-المسلمين «مع حليب الأم». يندد بسوسان بانحراف «الهجرة الجماعية، التي يشكل جزء من أعضائها، جماعة غريبة على حواشي الأمة الفرنسية، بسبب سوء الاندماج». لكن «باسم معاداة العنصرية المضللة، يؤثر أغلب النقاد السكوت عن هذه الحقائق». وفقاً له، أدى ذلك إلى التخلّي عن اليهود، وتهميش طبقة شعبية في ظل التحالف بين الرأسمالية المالية واليسراوية الثقافية، الذي تمثل جريدة «ليبيراسيون» رمزاً لها، ويربط مصير اليهود والطبقات الشعبية المستبعدة بـ«معاداة السامية الاقتصادية، والبطالة الواسعة، يضاف إليها انعدام الأمن الثقافي، الذي يجعل أغلبية المجتمع الفرنسي، من دون سلاح أيديولوجي في مواجهة الإسلاموية». لم يحدث سابقاً أن جُمع كتاب له دوافع أيديولوجية وانتهازية شديدة الوضوح، في هذا العدد من المساهمات ذات الصبغة العنصرية المتحررة والمتجاسرة. ليس هذا الكتاب في عمقه، غير تجسيد مادي للتقارب الأيديولوجي، بين الصهيونية، بما فيها جناحها اليساري، واليمين الأشد رجعية.